30/11/05

 


 

غربة النهر

 

نبوءة قديمةأو هكذا تحدث خليفة ألفاخري*

 

سيضيق في عينك الطريق..

 

ويضيق.. ويضيق ويطفح الأسى

 

على جدار قلبك مثل طحالب بليدة..

 

وتعتم السماء على نحو حالك دون أن ينهمر المطر..

 

وتحبل أجفانك بدمعتين هادئتين..

 

وتجوب خطاك المتلعثمة دوامة الدروب بلا صديق..

 

ويضيق الطريق..! ولكنك لاتزال قادرا رغم ذلك، على أن تداعب تطلعاتك الملونة المدهشة، المتراقصة أبدا على أسراب أهدابك، إلى حد أنك ستضجر فيه ذات يوم أن عتمة قبوك الكئيب.. وتضرع تلك الغابة الكثيفة الشريرة الأغصان بحثا عن ثغرة ضوء تقودك عبر الجذوع القاسية إلى السهب المخضر المستلقي في عفوية مطلقة بامتداد السماء!.. وتنهشك الأغصان وتمزق جبينك وثيابك وساعديك فيما تضل عينيك متشبثتين في إصرار بذلك الحلم العتيق.

 

ويضيق الطريق! ويضيق إلى أن تبرق أمامك فجأة نقطة الضوء من خلال الأوراق المتهدلة في إعياء كامل.. وتتفجر موجة النور على حبات العرق الناضجة تماما على جبهتك.. وتوسع الخطى على نحو تلقائي وتتعثر مرارا، وتواصل المسير أخيرا إلى ضفة الغابة، وعندئذ ستغمض عينيك ببساطة وتتنفس بعمق إلى حد يصيب الآخرين بالاختناق!! فهل أصبحت قدماك عاقرتين الآن؟

 

أبدا.. أبدا!! فهما ستلدان آلاف الخطى من جديد عبر السهب، إلى أن تلمح ذلك الكوخ الناهض بكبرياء على قمة الجبل حيث تسكن تلك المنجمة العجوز!!

 

.. وتعدو إلى هناك!

 

(ماذا تريد هنا؟؟)

 

كذلك ستفاجئك العجوز مثل عطسة، وتشعر أن قلبك قد غاص إلى قدميك.. وإذ تثب عيناها البارزتان كعيون الضفادع إلى قاع أعماقك، يتسلل طرف لسانك ليبلل شفتيك القاحلتين.. وتندلق الكلمات:

 

(كنت.. كنت أود أن أرى الغابة بكل.. بكل أبعادها!)

 

وتنظر إليك ملياَ، ثم تغطس رأسها بين كتفيها في تربص.. وتقول:

 

(وماذا أيضا!)

 

(كما أريد أن أرى الأيام القادمة في مرآتك.. هل، هل يمكنني هذا!!)

 

(حسنا، دعني أفكر)

 

وتختلس النظر إلى جسدها النحيل، وشعرها المنفوش مثل مكنسة، وانفها المعقوف إلى الداخل كمنقار بومة.. والودع، والأصداف المبعثرة على أرضية الكوخ، والمرآة ذات البقع المسودة مثل سماء مغطاة بقطعان الغيوم، وتتناهى إلى أنفك رائحة غريبة كرائحة أعشاب الشاطئ المهجور، على حين ترسل الريح صفيراً حادا عبر شقوق أخشاب الكوخ المتآكل..، وإذ تنظف العجوز حنجرتها بسعال خفيف، تخرس الريح تماما، ثم تتجه ببصرها إليك قائلة:

 

(حسنا، لابأس من ذلك).

 

وتقوم إلى مرآتها وتمسحها بطرف ردائها الأسود إلى أن تنجلي، ثم تضعها أمامها دون أن تمسح لك بأن ترى على صفحتها أي شئ!!

 

ستقول لك المنجمة العجوز:

 

(أنت من بنغازي، أليس كذلك؟)

 

(أجل.. أجل)

 

(حسناً، لقد عرفتها بالترع الممتدة باتساع الشوارع، والأطفال المبللين أبدا طوال الشتاء)!!

 

وتشعر بالخجل يحرق جبينك، وتقول بهمس:

 

(بالضبط، هذا ما يحدث هناك..، هل ثمة حل؟). (أبدا، إلى أن يقذف الله المقاولين وأعوانهم إلى قعر السعير، ولكن دعتا من هذا فثمة ما هو أسوا من ذلك..أتسمع! إن بلادك ستصبح مثل غابة، تماما مثل غابة، حتى انك ستظل تحلم بالذئاب بلا انقطاع، فيما تصدأ على شفاهكم كل الكلمات الصادقة: وأنى آري ألان أن أحد الرجال يقتل على الرصيف مثل كلب ضليل لأنه قال كلمتين صادقتين في قاعة المحكمة.. وسيقتل مثلما قلت لك تماما.. حسنا، وثمة رجل سيأتي إلى المحكمة في نفس القضية، وسيقول كلماته بشجاعة وجرأة، ولكن الذئاب ستمزق جسده أمام بيته في اليوم التالي.. وتخرسون جميعاً)!!

 

وتوسع الدهشة عينيك وتتساءل:

 

(وماذا سيحدث أيضا؟) (سوف لن يكون في إمكانكم أن تفعلوا شيئاً سوء أن تنصتوا إلى رؤساء التحرير الذين سيحترفون تجارة المديح.. إن ألسنتهم المعوجة لن تتحرك إلا عند التودد والترحاب).

 

(وماذا أيضا؟)

 

(تتطلع العجوز إلى المرآة طويلاً ثم تقول:

 

(سيفد عليكم قطيع آخر من الذئاب.. وتكتظ بلادكم بالأجانب إلى حد يفكر فيه المواطن كثيرا قبل أن يلقى تحية الصباح.. وسوف يكون الأمر يسيرا للغاية، إذ ما آن يدفع أحدهم عشرة جنيهات عن طريق المتعهد حتى ينال في بيته تأشيرة الإقامة!!)

 

وتصرخ أنت على الفور:

 

(يا إلهي، وماذا أيضا؟

 

(وسيبيع المقاولون العمال التعيسين إلي شركات التنقيب عن النفط. سيبيعونهم مثل الرقيق، ومثلما تباع الأحذية القديمة، وفيما ينزفون عرقهم في أقصى الجنوب، تظل الرياح الجنوبية الحاقدة تأكل حبات عيونهم وقلوبهم المليئة بالقهر والأمل!!)

 

(واو، وماذا أيضا؟)

 

(وستجتاحك مشاعر الحب في يوم ما..)

 

(أنا؟.. أنا؟)

 

(نعم، إنك ستحب فتاة ذات حسن باهر.. وستنفق كل وقتك في تصيد خطاها إلي المدرسة..)

 

(أتعنين أنها ستدخل المدرسة!؟)

 

(أجل، ولكنها ستعتقد بعد سنوات أنها عبأت رأسها بكل العلوم، إلى حد أنها ستشعر بالزهو باتصال مثل طاووس أحمق في الوقت الذي لاتعرف فيه شيئا مجديا على الإطلاق. ولكنك رغم هذا ستحبها بجنون حتى يورق قلبك، وتمتلئ عيناك بالرؤى الوردية ذات العبير..، بيد أنها ستبتهج بانطلاقها إلى المدرسة بحرية كاملة، إلي أن تغيب عنك في أحد الأيام..، وتنتظر شهرين بعدئذ فيما يأكل القلق أعماقك بشراهة..

 

ثم تكتشف في النهاية أنها وضعت طفلا من أحد العمال الوافدين من الخارج)!!.

 

وتصعق حتى يرزق وجهك وتتلاعب الأصداف الكلية البياض أمام نظراتك المخفضة ولكن العجوز لاتهتم بهذا، بل تواصل:

 

(ستبقى بلادكم مثل مرساة وحيدة، متلفعة برداء من الصدأ، ستبقى مثل مرفأ مشحون بذكريات رحيلكم إلى القاهرة، وأثينا.. فإذا عدتم مرة أخرى نهشتم بضعة ديون أو سرقات بطريقة ما، وأهديتموها كلها في أعقاب الليل إلى (ماريا) القادمة من الحارات الوضيعة في أسبانيا للعمل بذلك الملهى).

 

وتفقد كل رغبة في أن تسأل عن أي شئ أخر، ولكن المنجمة العجوز تستطرد:

 

(ستمتلئ أعماقكم بالغرور لمجرد أنكم ارتديتم بدلا جديدة.. وسوف ترفعون أنفكم عاليا عند أول انتقاد، سترفعونه في شموخ، ثم تبصقون كلمات مفرطة القبح..والحماقة في وجه من يحاول أن يغرز خيوط الضوء في كهوف عقولكم.. ستصلبونه على مقاعد المقاهي، حتى يبكى الشيطان من أجله!!).

 

ويغمر قلبك حزن جليل، وتخرج من هناك بخطى واهنة كأنك تسير في جنازة.. وتمضى دون أن تلقى نظرة أخرى على كوخ العجوز إلى أن تلج الغابة مرة ثانية!!

 

وتشرع الأغصان الشريرة في تمزيق جبينك، وساعديك، على حين تلوح الجذوع أمامك قاسية مثل رجال الشرطة، وتأكل قدميك الأشواك.. والاحطاب المتيبسة الحادة.. ويحطم جبهتك جدار الظلام، ويفح في حقد صفيق.

 

ويضيق في عينيك الطريق..

 


 

إن المرحوم خليفة الفاخرى وما يتمتع به من سعة الخيال لم يتصور أبدا أن ليبيا سوف يستولي عليها وغد فريد في نوعه تسانده قبيلة من الشلافطية القادمين من أعماق التاريخ، يهدر وهم معه 300 مليار دولار من سنة 69 إلى 2003 كما قال الأستاذ محمود شمام في مقالته ليبيا صندوق الرمال المغلق ويتركون ليبيا وشعبها في هذه الحالة المزرية تتصيدهم الإمراض ويعانون الفقر والعوز ناهيك عن التخلف في جميع مناحي الحياة، وتأمر الجيران علينا. ففي الغرب يستقبلونه استقبال الإبطال ويتبرع لهم ببناء المساكن، وفى الشرق يبيعونه الفهلوة ويطبلون له، بل الكارثة انهم يقيمون الندوات لمناقشة ابداعاتة الفنية مثل القرية القرية وانتحار رائد الفضاء، وتحيا دولة الحقراء هذا الهذيان الذي لا يساوى حتى ثمن الحبر الذي كتب به، إن سبب تخلفنا واستمرارأمثال هذا الوغد هم هؤلاء الذين يدعون الثقافة والصحفيين المرتزقة أمثال مصطفى بكرى وغيره كثرين، إنهم ضاربو الدف لراقصي الخيانة والعمالة، اقروا أيها المنافقون التعساء ما يكتبه الكاتب الصادق مع نفسه وشعبة.

 

(الكاتب كالنهر عندما تنتهي غربتة في مقبرة البحر، يكون قد ترك خلفه ضفافا معشبة، ومراع، وحقولا عامرة بالخير والسلام) من كتاب المرحوم خليفة الفاخرى غربة النهر.

 

أنت أيها التعيس سيد قذاف الدم دعي الكتابة، في كتابك بصمات على جدار الغربة، أتقصد غربتك في لندن اى غربة هذه التي تتكلم عنها، حياة البذخ التي تعيشها وفاتنات الانجلو سكسون التي تنام بين أحضانهن أم انك متأثر برواية الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال،أم غربة أخيك احمد في القاهرة، نحن نعرف أنكم عائدون من المهجر ( ص ش) انتم وأمثالكم سبب مصائب ليبيا أنكم لا تتورعون عن فعل اى شئ ابتدأ من مسح الأحذية وانتهاء بالتنازل عن الشرف، لقد جعلتم الليبيين يسبون أنفسهم على تسامحهم مع أمثالكم، انهبوا ما شاء لكم من أموال ليبيا ولكن تأكدوا إن هذا الوطن لن يكون لكم وسوف يطردكم كما يطرد الجسم الأجسام الغريبة.

 

ولنا عودة لتعرية بعض رموز الخيانة أمثال (محمد مختارالعبيدى/السلع التموينية) (الطيب الصافي) (ومفتاح بوكر)

إلى اللقاء

 

مواطن ليبى مليان غيض ....

 


 

* من كتابه غربة النهر... للكاتب الليبي المرحوم خليفة الفاخرى

 


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة