|
|
الهويات الفرعية وإنتـــاج ثقافة الانحطاط واللاتعايش
بقلم: شمخي جبر - موقع دروبمتى يبدأ المواطن او الفرد بالبحث عن هويته ؟ يرى الكثيرون ان هذا البحث يبدأ ،حين يمارس الاقصاء والتهميش للفرد ، او حين يحرم من اي نوع من انواع المشاركة (اقتصادية او سياسية) يقول امين معلوف (إن المواجهات التي يتعرض لها الفرد بسبب أحد عناصر هويته أو بعضها، عامل رئيس في توليد الشعور بالخوف لديه) وفي بحث المواطن عن مأوى او مظلة أو خيمة يستظل بها، فلا يجد غير هويته الفرعية، فيكرسها وطنا بديلا وهوية يشعر بها وينتمي لها او يستعيدها او يعيد ارتباطه بها ليحصل على الامان والاطمئنان .كيف يحقق الفرد قبولا اجتماعيا ويلبي توقعات الجماعة الاجتماعية بدون هوية ؟يقول عالم النفس اريك فروم “ان فقدان الذات واحلال ذات اخرى مكانها، يدفع الفرد الى حالة من انعدام الاطمئنان، فالشك يلاحقه اذ انه اساس مرآة لتوقعات الاخرين منه، بينما هو فقد هويته الى حد كبير، وفي سبيل تجاوز الهلع الناتج عن خسارة الهوية هذه، نراه مضطرا للبحث عن هوية ما من خلال قبول واعتراف مستمرين به من قبل الاخرين”.وفي ظل ثقافة لا تعترف بالاخر اصلا، بل تسعى بكل جهدها لتطويعه وتدجينه، تندثر معالم الانا حتى النهاية،وهذا مايمثل خسارة انسانية وثقافية واجتماعية للفرد والمجتمع، ويرى فروم فـ”ان التماهي مع الطبيعة، مع العشيرة، مع الدين يعطي الفرد شعورا بالامان، فهو ينتمي الى كل منظم، ويشعر بجذوره فيه، ويعرف ان له فيه مكانا اكيدا، قد يشعر بالجوع او الحرمان، لكن لن يبتلي بأسوأ الاوجاع وهي العزلة الكلية والشك نتيجة لما تعرض له الفرد من ضغط في ظل دول الاستبداد جعله يبحث عن ظل يستظل به فلم يجد من ملجأ يهرب اليه غير الهيئات الارثية التي اعاد ارتباطه بها (القبيلة، الطائفة) ليحقق من خلالها الحماية والامان في الوقت الذي لم تستطع الدولة ومؤسساتها ان توفرهما له، وفي الوقت الذي استقوى به الفرد بهويته الفرعية فان هذه الهوية استقوت به ايضا والتفاف الافراد حول هذه الهويات شكل عبئاً على المواطنة بل انتهاك لها حين تحول ولاء الفرد الى ولاء اخر شكل بديلا عن الولاء الوطني فاصبح عائقا امام بناء وطنه يقف الافراد داخلها على خط واحد ، متساوين في الحقوق والواجبات ، يشير مايك كرانغ الى ان (كثيرا ما تتشكل الهويات عن طريق معتقدات الأسلاف المشتركين او عن طريق التجربة ويكون ذلك باعثا على مميزات او سمات مشتركة) فيما يؤكد عالم الاجتماع (انتوني غدنز) (تشير الهوية الى منظومة التفاهمات فيما بين مجموعة من البشر حول اهميتهم، والمعاني الكبرى ذات الدلالة بالنسبة إليهم. وليس ثمة جانب فطري او غريزي في الخصائص الاثنية فهي كلها ظاهرة اجتماعية خالصة يجري إنتاجها وإعادة إنتاجها على مر الزمن،الا ان عملية انتاج الهويات الفرعية في ظل ظروف الاضطراب المجتمعي وصعود ثقافة الخراب والفوضى والانحطاط يؤدي الى ان تصبح هذه الهويات بدلا للهوية الوطنية وهذا ماحدث في العراق بعد 2003، اذ اضحت الطائفية والقبلية تشكل مجرد حجر عثرة في طريق اية عملية تغيير اجتماعي لان هذه البنى الاجتماعية بنى تقليدية، تعتمد مقاييس التقليد في سلوك الافراد والجماعات ولابد ان تحارب التجديد لانها تخافه على اعتبار انه يحمل تغييراً قد يمس اية اشارة او رمز مما تبنى عليه وبالتالي اضعافها، وقد يكون التجديد محاولة لتحيينها مما يعني ادارة رأسها الى الامام (جعلها ملتفتة الى الحاضر والمستقبل) بينما هي ترفض النظر الى الامام، لان بناها واطرها تستند الى امجاد واحداث الماضي، فتعتبر اية محاولة لهدمها، وتمزيق لبنيتها، لانها بنية ارثية يكون الانتماء لها موروثا يجيء من خلال التوالد والوراثة، لا يختاره الافراد بل يفرض عليهم فرضا، ما يقتضي الالتحام والمناصرة من اجل سلامة القبيلة او الطائفة، والارتباط بين افرادها يكون ارتباطا (لاعقليا) يتحول هذا الارتباط الى ارتباط لايتأثر بالنقد العقلي والتطور الاجتماعي وحسب الدكتور ناصيف نصار فان الرابط بين افراد الطائفة هو رابط المعتقد الذي يتغذى عن طريق المؤثرات المختلفة الشعورية واللاشعورية ، التي تتمظهر بها حياة الطائفة ، ويزيد من قوة المعتقد ارتكازه على مبادئ واصول تعتبر عادة فوق مستوى العقل فلا يطالها الشك ولاينال منها النقد ، باعتبار ان العقيدة هي الوجه الذي يتخذه المعتقد عندما يصاغ بشكل عقلي جدلي.فاذا كان المعتقد
يضرب بجذوره في الحياة القبلية ، فالعقيدة تحاول ان تتلبس لباس العقل لكي
يحصل الاتفاق في مستوى الفكر الديني بين افراد الطائفة ، وحين يؤسس الفكر
الطائفي جذوره الايمانية الممتدة داخل اتباعه فانه يبقى عصياً على التغيير
واعادة التأسيس، ولان الطائفة صورة من صور الدين (والدين ايمان قلبي لاتستطيع
الدولة قياسه او تشكيله او تقنينه) فانها تبقى داخل شرنقتها هذه بعيدة عن اية
عمليات تغيير ، اجتماعي ، لان المجتمع الطائفي كما يقول الدكتور ناصيف نصار
يعيش في جو ثقافة خاصة يمكن تسميتها بالثقافة الطائفية وتتحد عناصر تلك
الثقافة من النظرة اللاهوتية للانسان والكون ومن الانماط النفسية الملازمة
لحياة الطائفة ، والثقافة الطائفية كثقافة فرعية تكون الحاضنة الاولى للفرد
لانه يتلقى تنشئته الاجتماعية حتى يكون قد اندمج في الحياة الاجتماعية بواسطة
القيم الاساسية السائدة في عائلته وفي الثقافة الفرعية ( sup- culture) التي
ينتمي اليها كما يقول الدكتور هشام شرابي (مقدمات لدراسة المجتمع العربي ص
120(ولقد كان للتهميش والاضطهاد الذي وقع على الطوائف والاقليات اثر كبير في
تقوية بنى هذه الطوائف والاقليات والتفاف اتباعهما ما جعل من هذه الهويات
الفرعية ان تشكل بديلا عن الهوية الوطنية التي كان يجب ان تشكل مظلة للجميع
بصرف النظر عن اي متغير عرقي او ديني .ان اهمال او تهميش الهويات الفرعية جعل
منها عامل الغاء المواطنة . هل يختار الانسان هويته انتماءه الى هذا المكون
او ذاك،كلا بل هو يرث كل هذا،اذن هو انتماء ارثي جاء من خارج ارادة الفرد
واختياره، اللا تعايش هو هيمنة أجواء من الشك والريبة وعدم اطمئنان المكونات
القومية والعرقية والدينية لبعضها البعض،لابديل عن التعايش الانساني والأخاء
غير العنف والدمار والقتل وهو ماحصل ويحصل اليوم بكل أسف،مسألة التعايش بين
المكونات العراقية هي مسألة سياسية بالدرجة الاولى وان الزعم والأدعاء القائل
بوجود فوارق “ثقافية” ناجمة عن البيئة والسلوك الاجتماعي والموروث الديني بين
الطوائف والاثنيات العراقية لن تكون حائلا دون تحقيق التعايش اذا حلت المسائل
السياسية،هذه المكونات مصادر وروافد للتنوع والازدهار والمنافسة في ظل سيادة
الأمن الاجتماعي واحترام الاختلاف بين هذه المكونات . ان الهويات الفرعية
حقيقة سوسيولوجية موضوعية لا يمكن التنكر لها بل يجب احترامها واخذ هذه
الحقيقة بنظر الاعتبار وهي مصدر قوة وغنى للهوية العراقية.
|