01/11/2007
 

الإباضية .. مذهب من أقدم المذاهب الإسلامية (2 من 2)
 عثمان تراث (إذاعة هولندا-العربية)

 

جامع السطان قابوس بن سعيد

 
ومن عقائد الإباضية أن صفات الله ذاتية، ليست زائدة على ذاته ولا قائمة بها ولا حالة فيها. أي أن ذات الله وصفاته شيء واحد ولا يشاركه فيها شيء. ويؤكدون أن صفات الكمال لله تعالى هي جوهره أي ذاته. وهم في هذا يخالفون الأشعرية وغيرهم من أهل السنة الذين رأوا أن صفات الله غيره وقديمة بقدمه. وفي كل ذلك يتفق الإباضية مع المعتزلة ويخالفون من فهموا القران والسنة فهما ظاهريا.
 
ولا يصح الإسلام عند الأباضية إلا بأركان أربعة هي: العلم والعمل والنية والورع. ولا يجوز عندهم الفصل بين القول والعمل. والقول هو : الإقرار بالله انه لا اله إلا هو وبأن محمداً عبده ورسوله، أما العمل فهو الإتيان بجميع أركان الإسلام واجتناب جميع المحرمات والوقوف عند الشبهات. وهم في هذا يخالفون رأي المرجئة وغيرهم من الذين قالوا أن الإيمان هو تصديق بالقلب.
 
ويقول الإباضية أن الإيمان لا يتم حتى يؤمن الإنسان بأن القدر، خيره وشره، من الله. وان أفعال الإنسان خلقُ من الله واكتساب من الإنسان، أي إن الإنسان حر في اختياره مكتسب لعمله ليس مجبرا عليه ولا خالقا لفعله. وانطلاقا من ذلك يقول الإباضية أن ليس هناك تعارض بين إرادة الله وعمله الأزلي القديم مسبقًا وبين كسب الإنسان، فالله يعذب على المقدور ولا يعذب على القدر.
 
ويحكم الإباضية بشرك كل من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، أو أنكر شيئاً من القرآن. أو قِسماً من أقسام "كلمة التوحيد"، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن ما جاء به حق.
وهم يقسمون الناس قسمان: مؤمن وكافر، ويقولون أن الخلود في الجنة أو النار أبدي. وفي هذا يخالفون المعتزلة والزيدية الذين يقولون أن مرتكب المعاصي في منزلة بين المنزلتين، وليس مخلداً في النار.
 
وفي حين يرفض الإباضية فكرة المنزلة بين المنزلتين بالمعني الذي فهمه المعتزلة، فإنهم يقولون أن هذه المنزلة هي منزلة "المنافقين"، فهم مع المسلمين في أحكام الدنيا، ومع المشركين في الآخرة حسبما يرون. ومع ذلك يقول الإباضية أن مرتكب الكبيرة ليس مشركا ، كما يعتبره الخوارج.، إنما هو مسلم له كل حقوق المسلمين إذا استغفر، فإذا أصر ولم يتب كان مصيره النار.
 
ويطلق الإباضية في بعض أدبهم صفة "كافر" على الموحد العاصي، ولكنهم يقولون أنهم لا يكفرون العصاة "كفر شرك" كما فعل الخوارج. بل يعنون بها "كفر النعمة". وهي تحمل نفس معنى كلمة الفسوق أو العصيان. وبخلاف الخوارج فان الإباضية يجيزون التزاوج والتوارث بينهم وبين من خالفهم في المذهب من سائر الموحدين. وشفاعة النبي (ص) ثابتة عند الإباضية، ولكنهم يقولون أنها لن تكون لمن مات وهو مصر على الكبائر. وهم يختلفون مع الذين أعطوا العقل سلطة التفريق بين الحسن والقبيح، فيقولون أن الحسن هو ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع.
 
في الفقه والتشريع
 
تقع الإباضية في الفقه بين أهل الظاهر والحنابلة من جهة والحنفية من جهة أخرى. وتقول الكثير من المصادر إن الإباضية أقرب الفرق إلى أهل السنة. ومصادر التشريع عند الإباضية هي: القرآن والسنة والرأي، وهذا الأخير يشمل لديهم: الإجماع والقياس والاستدلال والاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة. وبسبب اختصارهم كل ذلك في كلمة "الرأي" اعتقد البعض أن الإباضية ينكرون الإجماع. ومن القواعد الفقهية المقررة عند فقهائهم أن قول النبي محمد (ص) مقدم على فعله. إذ أن قوله موجه للناس أما عمله فيحتمل أن يكون خاصا به.
 
وبخلاف أهل السنة فأن الأباضية لا يرفعون أيديهم في تكبيرة الإحرام في الصلاة. ولا يقنتون، ولا يحركون السبابة في التشهد. وهم يقرءون الفاتحة فقط في جميع ركعات الظهر والعصر. ولا يجهرون بكلمة آمين بعد قراءة الفاتحة. ولا يقولون "الصلاة خير من النوم في أذان الفجر. وحجتهم في كل ذلك أن هذه الإعمال ليست من السنة، بل صدرت عن النبي محمد (ص) لسبب عارض، أو أنه (ص) فعلها ولم يعُد إليها، أو لم يثبت أنه داوم عليها.
 
ويرفض الإباضية أن يُنسب حكم رجم الزاني والزانية المحصنين إلى آية قرآنية يقول آخرون من أهل المذاهب الإسلامية أنها نُسخت لفظا وبقي حكمها، ويرى الإباضية أن هذا القول يؤدي إلى اعتبار أن القرآن وقع فيه نقص. ومن ثم فهم يقولون أن الرجم فرض لا من القرآن بل من السنة.
 
وفي مسائل الأحوال الشخصية يتفرد الإباضية بتحريم الزواج بين الزاني ومن ارتكب معها الزنا. ويقولون بخلاف غيرهم أن الخلوة بين الزوجين توجب العدة والصداق الكامل.
 
وبخلاف معظم المذاهب الإسلامية يغلب الإباضية جانب الأب في الحضانة على جانب الأم فيرون أن الجدة للأب أولى بالحضانة من الجدة للأم. كما يقولون أن الجد يمنع الأخوة من الميراث. ويحكم الإباضية على طالب الزكاة بحرمانه منها، عقابا على استجدائه الناس.
 
ومثلهم والشيعة وبعض أهل السنة، يرى الإباضية إن عقد الإمامة فريضة. وهم يتفقون مع "الخوارج" ويختلفون مع الشيعة في أن رئاسة الدولة الإسلامية، أي الخلافة، ليست محصورة على قريش أو العرب، ويتم اختيار الإمام عن طريق الشورى وباتفاق أغلبية أهل الحل والعقد.
 
ويجيز الإباضية وجود أكثر من أمام في وقت واحد إذا اتسعت رقعة بلاد المسلمين وبُعدت أطرافها أو تقطعت عن بعضها البعض. وهم في هذا يتفقون مع الزيدية ويخالفون الشيعة الامامية الجعفرية. ولا يجيز الإباضية الخروج على الإمام العادل. ويقولون أن الخروج على الإمام الجائر ليس واجباً كما تقول الخوارج، وليس ممنوعاً كما تقول الأشاعرة ومن معها، إنما هو جائز. ويُستحسن الخروج على الإمام الظالم إذا ترجح نجاح ذلك الخروج.
 
الولاية والبراءة
 
يفرق الإباضية بين المؤمن التقي والمسلم العاصي في المعاملة. ويقولون أن الأول وجبت محبته على المؤمنين، وأُعلنت ولايته بينهم. أما العاصي فلا يمكن أن تشمله المحبة في الدين، بل تتم محاولة إرشاده فإن أصر واستكبر، يجب أن يُواجه بالغلظة والعداوة، وأن يتم الابتعاد عنه، والتبرؤ منه وبغضه. ويقولون إن من يصر على معصية الله يلاقي نفس الجزاء الذي يلاقيه من يكفر به. وهذا يعرف عند الإباضية بـ "قاعدة الولاية والبراءة".
 
الشراء
 
يختص الإباضية بمبدأ يمسى الشراء، ويعني عندهم أن يقوم بعضُ قليلُ من الناس بالثورة ضد الحكم الظالم. ويقولون أن المسلمين إذا لم يثورا ضد الظلم يحق لقلة منهم إذا بلغوا أربعين شخصاً أن يعلنوا الثورة على الفساد. وهم يقرون أن مثل هذه الثورة قد لا تنجح إلا في إقلاق استقرار الدولة الظالمة. ولذلك يشترط على التنظيم الذي يقوم بها أن يكون من الفدائيين الذين وهبوا حياتهم لحياة الأمة. ويقول الإباضية أن من انخرطوا في هذا التنظيم لا يمكنهم أن يعودوا إلى بلادهم، أو يستقروا في مكانهم، أو يتخلوا عن رسالتهم، حتى ينتهي بهم الأمر إلى النجاح أو القتل، والقتل أقرب الأمرين إليهم.
 
العزّابة والايروان
 
أسس إباضية المغرب العربي أواخر القرن الثالث الهجري نظاما يسمى " حلقة العزّابة"، وهي هيئة محدودة العدد، تقوم بالإشراف الكامل على شئون المجتمع الاباضي؛ الدينية والتعليمية والاجتماعية والسياسية. وتُعد السلطة الحقيقية للمجتمع الإباضي. ويترأسها شيخ يسمى "شيخ العزَّابة" يكون أعلمهم وأكثرهم كفاءة.
 
يقول علي معمر إن كلمة العزابة اشتقت من العزوب أو العِزابة، وهي تعني العزلة، والغربة، والتصوف، والتهجد، والانقطاع في رؤوس الجبال، ويقصد بها في هذا الاستعمال الانقطاع إلى خدمة المصلحة العامة.  وقد احتفظ إباضية المغرب العربي بنظام العزابة طيلة قرون طويلة. وفي المرتبة الثانية بعد العزابة تأتي هيئة أخرى في مجتمع الإباضية بالمغرب تسمى "إيرْوَانْ"، وهي كلمة بربرية معناها طلاب العلم الذين حفظوا القرآن الكريم.
 
عن موقع إذاعة هولندا (العربية)

 


راجع الجزء الأول

 


 

libyaalmostakbal@yahoo.com