21/12/2007

 
العيد في عيون الأدب
 

تجميع وتصرف: سعيد الجطلاوي

 
العيد عند الشعوب الإسلامية مناسبة متميزة؛ لأنه فرصة للفرح، والسرور، والتواصل الاجتماعي، ومن مظاهر تميز الأعياد في الإسلام أنها تأتي بعد الانتهاء من عبادتين مهمتين، وركنين من أركان الإسلام: الصيام، والحج. وعلى الرغم من الجدية السلوكية المرتبطة بهاتين العباديتين فقد تميز العيدان بالسرور، والفرح، والأكل، والشرب، وممارسة المناشط الاحتفالية والترفيهية.
 
ولهذا كان العيد أحد أهم المواضيع التي أثرت الأدب العربي خطابة، ونثراً، وشعراً، ولاشك أن خطبة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الشهيرة التي ألقاها في يوم النحر في حجة الوداع هي أشهر الخطب وأهمها في هذا المجال، وهي من جوامع الكلم التي أرست كثيراً من المفاهيم الإسلامية المهمة، واستمع إليها أكثر من مائة ألف شخص تفرقوا في مشارق الأرض ومغاربها مبلغين عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
 
وهذه عدة تفاعلات لبعض الشعراء في أغراض شعريه عده متنوعة الأحاسيس، وقد تجلى ذلك بباقة شعرية متنوعه نعرضعليكم بعضا منها:
 
إن العيد قد أفاد الأدب العربي ببعض الطرائف التي نتجت عن كون الخطيب لم يوفق أو أخطأ أو نسي وسهى. فمن ذلك أن أحد الخلفاء صعد المنبر ولم يستطع أن يقول شيئاً فنزل، فاعتذر عنه أحد الشعراء بقوله:
 
حصر الإمام ولم يبين خطبة
للناس في حل وفي إحرام
 
ماذاك إلا من حياء لم يكن
ما كان من عي ولا إفحام
 
قد يغفل البعض عن المعنى الحقيقي للعيد فيحصرونهفي لبس الجديد واللهو واللعب ،وإن كان ذلك من علامات العيد ولكن هناك أمورًا أخرى نبه إليها أبو إسحاق الألبيري حول حقيقة معنى العيد؛ فيقول:
 
ما عيدك الفخم إلا يوم يغفر لك
لا أن تجرَّ به مستكبراً حللك
 
كم من جديد ثيابٍ دينه خلق
تكاد تلعنه الأقطار حيث سلك
 
ومن مرقع الأطمار ذي ورع
بكت عليه السما والأرض حين هلك
 
أن المدائح بمناسبة العيد قد شغلت حيزاً كبيراً من أشعار العيد في الأدب العربي، وأن بعضها يعتبر من درر الشعر العربي. من هذه القصائد: رائية البحتري التي يهنئ بها المتوكل العباسي بصومه وعيده، ويصف فيها خروجه للصلاة وخطبته البليغة:
 
بالبر صمت وأنت أفضل صائم
وبسنة الله الرضية تفطر
 
فأنعم بعيد الفطر عيداً إنه
يوم أغر من الزمان مشهر
 
وبعض الشعراء استغل فرصة العيد ليذكر بالخير والحث على الصدقة كما فعل الشاعر محمد الأسمر:
 
هذا هو العيد فلتصف النفوس به
وبذلك الخير فيه خير ما صنعا
 
أيام موسم للبر تزرعه
وعند ربي يخبئ المرء ما زرعا
 
فتعهدوا الناس فيه: ممن أضر به
ريب الزمان ومن كانوا لكم تبعا
 
وبددوا عن ذوي القربى شجونهم
دعا الإله لهذا والرسول معا
 
وآسوا البرايا وكونوا في دياجرهم
بدراً رآه ظلام الليل فانقشعا
 
خير الكواكب ما أهدى أشعته
للمدلجين إذا جن الدجى سطعا
 
وبعضها في علاه لاضياء له
فليس يجديه شيئاً أن ارتفعا
 
وقد حظي كبش عيد الأضحى بنصيبه من الشعر، فكثيراً ما يطلب أحد الشعراء من أحد أصدقائه خروفاً ليضحي به فيتخذه موضوعاً لقصيدة إما مادحاً أو قادحاً. ويوجد من ذلك بعض المحاورات اللطيفة التي حواها كتاب (قرة العين في رمضان والعيدين) تأليف علي الجندي اختار منه الأبيات التالية لمحمد بن نصر الله الدمشقي حيث أهدى إليه أحد أصدقائه خروفاً هزيلاً فكتب إليه يشكره ويمازحه:
 
أبو الفضل وابن الفضل أنت وأهله
فغير بديع أن يكون لك الفضل
 
أتتني أياديك التي لا أعدها
لكثرتها لا كفر نعمى ولا جهل
 
ولكنني أنبيك عنها بطرفة
تروقك ما وافى لها قبلها مثل
 
أتاني خروف ما شككت بأنه حليف
هوى قد شفه الهجر والعذل
 
إذا قام في شمس الظهيرة خلته
خيالاً سرى في ظلمة ماله ظل
 
فناشدته ما يشتهي قال: حلبة
وقاسمته ما شاقه قال في الأكل
 
فأحضرتها خضراء مجاجة الثرى
مسلمة ما مس أوراقها الفتل
 
فظل يراعيها بعين ضعيفة
وينشدها والدمع في العين منهمل
 
(أتت وحياض الموت بيني وبينها
وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل)
 
وللشاعر يحيى حسن توفيق قصيدة بعنوان «ليلة العيد» يستبشر في مطلعها بقوله:
 
بشائر العيد تترا غنية الصور *** وطابع البشر يكسو أوجه البشر
وموكب العيد يدنو صاخباً طرباً *** في عين وامقة أو قلب منتظر
 
ويستمر في وصفه حتى يختمها بقوله:
 
ياليلة العيد كم في العيد من عبر *** لمن أراد رشاد العقل والبشر
 
ومن الطريف أن سكين الأضاحي لم ينسها الشعراء ففازت على الأقل بالبيتين التاليين قالهما على لسانها لسان الدين بن الخطيب.
 
لي الفضل إن شاهدتني واختبرتني
على كل مصقول الغرارين مرهف
 
كفاني فخراً أن تراني قائماً
بسنة إبراهيم في كف يوسف
 
ويوسف المذكور هنا يوسف بن تاشفين الحاكم والمجاهد المشهور.
 
وكما أن العيد فرصة للفرح والسرور فقد يكون مناسبة للهم والحزن، أو يذكر بحادثة مفجعة. ونجد كثيراً من الشعراء يجدون في العيد محركاً لشجونهم؛ حيث يذكرهم إما بالفقراء، أو ببعض من فقدوهم من الأهل والأصدقاء. وقد يكون الإنسان في نعمة في السابق ويأتيه العيد وهو في بؤس ما بعده بؤس. وكمثال لهذه الحالة الأخيرة أورد قصة المعتمد بن عباد، وقد كان ملكاً من ملوك الأندلس، استولى الإفرنج على مملكته، وفرَّ إلى المغرب، ثم سجن فكانت بناته يذهبن يتسولن. فدخلن عليه وما عليهن أطمار، وقد تغير حالهن بشكل يصدع القلب، وكان ذلك في يوم العيد فقال:
 
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
فساءك العيد في أغمات مأسورا
 
ترى بناتك في الأطمار جائعة
يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
 
برزنا نحوك للتسليم خاشعة
أبصارهن حسيرات مكاسيرا
 
يطأن في الطين والأقدام حافية
كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا
 
لا خد إلا تشكى الجدب ظاهره
وليس إلا مع الأنفاس ممطورا
 
أفطرت في العيد لاعادت إساءته
فكان فطرك للأكباد تفطيرا
 
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً
فردك الدهر منهياً ومأمورا
 
من بات بعدك في ملك يسر به
فإنما بات بالأحلام مغرورا
 
وقد مر العيد على الشاعر العبقري المتنبي وهو طريد مشرد بعيد عن أحب الناس إليه، صديقه وممدوحه سيف الدولة الحمداني. وكان في مصر يرجو رضا واليها كافور الإخشيدي، فلما يأس من رضا كافور هجاه في قصيدة حملها كل حقده وغله على كافور، وتركها عند بعض الأصدقاء وفر من مصر يوم العيد، وفي نهاية رحلته تلك فتك به فاتك الأسدي. يقول المتنبي في مطلع تلك القصيدة:
 
عيد بأية حال عدت يا عيد
بما مضى أم لأمر فيك تجديد
 
أما الأحبة فالبيداء دونهم
فليت دونك بيداً دونها بيد
 
لولا العلا لم تجب بي ما أجوب بها
وجناء حرفٌ ولا جرداء قيدود
 
وكان أطيب من سيفي معانقة
أشباه رونقه الغيد الأماليد
 
لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي
شيئاً تتيمه عين ولا جيد
 
وقف عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه بعد صلاة العيد فقال: "اللهم إنك قلت وقولك الحق: (إن رحمت الله قريب من المحسنين) فإن كنت من المحسنين فأرحمني! وإن لم أكن من المحسنين فأنت أهل التقوى وأهل المغفرة فاغفر لي. وإن لم أكن مستحقاً لشيء من ذلك، فإني صاحب مصيبة وقد قلت:(الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) 157 {البقرة: 156، 157} فارحمني".
 
وقد يتعرض بعض الشعراء لمحنة السجن والانقطاع عن الأهل والأحباب والأبناء، ويأتي العيد؛ وهم خلف القضبان، فتثور في نفوسهم الذكريات؛ فهذا الشاعر الليبي الدكتور: عمرو خليفة النامي الذي كتب قصيدته -يا ليلة العيد- وهو بين قضبان السجون يصوّر فيها ما يعانيه هو وأحباؤه من مأساة الظلم والطغيان، فما أشد ما يلاقيه الشاعر وهو في زنزانة ضيقة تطوف بخاطره وخياله صورة أطفاله وأبنائه وهم ينتظرونه في ليلة العيد، حتى يصور الشاعر نفسه كأنه يبصر أولاده والدمع ينهمر من أعينهم شوقًا إليه، فكيف تكون فرحة الأطفال بالعيد والآباء يرسفون في السلاسل والقيود؟‍:
 
يا ليلة العيد كم أقررت مضطربًـا
لكن حظي كان الحــزن والأرق
 
أكاد أبصرهم والدمع يطفر مـن
أجفانهم ودعاء الحـب يختنـق
 
يا عيد، يا فرحة الأطفال ما صنعت
أطفالنا نحن والأقفـال تنغلـق
 
ما كنت أحسب أن العيد يطرقنا
والقيد في الرسغ والأبواب تصطفق
 
ختاما .. هذا غيض من فيض مما قيل في مناسبة العيد، وما يصاحبها من ملابسات وما يثيره العيد في النفس من أفراح وأتراح تستثير الشعراء والأدباء فيتفاعلون معها.
 
Getlawy98@hotmail.info
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com