12/10/2008

 
سيداتنا اللائي في البيت! قد يكنّ منّا أفضل..
بقلم: رمضان جربوع

أرشيف الكاتب


 
لكي نختصر الطرح، هنّ لسن سوى الزوجات والأمهات والأخوات، أي الجنس اللطيف الرحيم، المهضوم حقه والمطالب دوما بمساواته معنا.
 
وقبل الإفاضة، علينا الإقرار على رؤوس الأشهاد، وهنا أنتزع لنفسي الحق في الحديث بضمير المتكلمين، حيث أننا عموما لا نميل للاعتراف بواقع الحال كما هو، ومن لا يرغب في مجاراتي علنا فما عليه سوى الإقرار بذلك إسراراً بينه وبين نفسه، فهو أعلم بها، ولن يغير ذلك من الأمر شيئا، فهو الواقع والشهود كثر: نحن جنس "الذكران" مهيمن علينا بالكامل من جنس بنات سيدتنا حواء...
 
الحقيقة التي لا نريد الإقرار بها!
 
صحيح أننا دائما نظهر غير ما نبطن، فما أن ندخل البيوت، كثير منا يصفق الباب ويزمجر ويصرخ، بل ويحملق حتى يتطاير الشرر من العيون، ثم نلوم ونحتج ونرفض الطلبات، ولا نلتفت لغير رأينا، ونصر على أن ما نقرره ونراه هو الذي يجب أن يكون، ودوما نتحجج بقلة الحيلة وضيق ذات اليد، مهما وسعت! وبصواب ما نراه وحكمته، ونتوعد ونهدد ونندد ونعاند... إلى آخر المنظومة التي يعرفها الجميع، ولكن..
 
واقع الحال!
 
صحيح أيضا أن الأمر ينتهي بنا دائما بالرضوخ والاستجابة والاستكانة وتلبية الطلب، حتى عن طريق جلب العسر على أنفسنا، ومن الطبيعي أننا نقبل كل ما رفضناه مسبقا تماما وكمالا، وإن "بتخريج" آخر مختلف عما تم طرحه، كمجاملة لنا وحفاظا على كرامتنا، كيف يتم ذلك بالله عليكم؟
 
هل هو حبنا لهنّ أو تقديرنا لما يبذلنه في سبيلنا؟ رأفة بهنّ؟ أم هل هو فقط حنكتهن وحكمتهن التي توصلهن إلى ما يردن؟ أم هو فقط قناعتا في عقولنا الباطنة بأننا جنس له ميل واستعداد للاستعباد، إن لم نقل الاستعمار؟
 
القابلية للاستعباد!
 
الاحتمال الأخير له شواهد وقرائن، فنحن شعوب مستعمرة بدرجة أو أخرى، وكنا ولا نزال نطالب ونكافح للانعتاق والتحرر من "الأجنبي" ومن ولاة أمورنا، كيفما تولوها، أو من شظف الحاجة والفقر، ولكن ما فتئنا راسخين تحت الهيمنة ... إن كان الأمر كذلك، فإن الأمر جد جسيم! ولكن، لعلناّ، أو ربما نحن بالتأكيد، مجبولون على مثل هذا السلوك من أيام سيدنا آدم عليه السلام، ألم يفشل في إقناع حواء بعدم المساس بالشجرة المحرمة في جنة الفردوس حسب ما أبلغه الله سبحانه بذلك؟ ألم تنجح سيدتنا الأولى حواء في إنفاذ أمرها، وكان من جراء ذلك أن كتب علينا، نحن نسلهم، الهبوط إلى الأرض، ومن ثم المعاناة والمكابدة التي لا تنتهي!
 
نطالب بحقوق؟
 
قد لا نستطيع القول، وفق مفردات هذه الأيام بخصوص حقوق الإنسان والحرية والقضاء العادل، بأنه يحق لنا التعويض والمطالبة بجبر الضرر المؤدي لشظف العيش الذي نعانيه منذ هبطنا على الأرض، من سيداتنا اللائي في البيت!، ولكن نرجئ الحديث إلى بعد ما يلي لنرى كيف يمكن إصلاح الحال، وخشيتي أن الأمر سينتهي بنا لدفع قيمة التعويض من جيوبنا، إذا ما شرعنا في ذلك!، لذا من الواجب المتابعة والبحث في إمكانية الوصول إلى حل وسط، ... كالعادة!
 
بداهة، قد يخطر على المرء (الذَّكَر في هذه الحالة) أن يطالب بشيء ما، على الأقل بالمساواة! ولكن ذلك سيبدو مستهجنا من قبل كثيرين، لأن المطلب تم الاستحواذ عليه من قبل سيداتنا اللائي في البيت أصلا، واللائي لا يكففن عن المناداة به، بحجة أنهن لم ينلن نصيبهن من الحقوق والعلم، بحجة أننا، نحن الذكران، بمبدأ الولاية على المرأة، امتلكنا كل شيء، وجعلنا سيداتنا في البيت قابعات، هذه معضلة "عويصة"، فكيف لنا المحاججة بأن سبعين بالمائة من خريجي الجامعات والمعاهد في ليبيا وكثير من بلدان العرب هنّ من سيداتنا اللائي في البيت، وبأن "الوظائف" أصبحت "تتنوسن" طرّأ يوما بعد يوم.. ندع هذا جانبا لأنهن بالتأكيد سيثرن حجة أنهن لم ينلن هذه الميزات إلا مؤخرا، ولهن الحق في ما هو أكثر، لأن أسلافهن عانين سنوات وسنوات!، ندع هذا جانبا الآن!
 
عن الاستحواذ!
 
صحيح، كان لأسلافنا غريزة الاستحواذ، وربما شابنا منها شيء، ولكن، ألسنا في واقع الحال مستحوذاً علينا من قبل سيداتنا اللائي في البيت؟ هل منا من يستطيع التبجح، بصدق، أنه حر في قراراته، وأنه هو السيد الآمر الناهي في البيت؟ وأنه المخطط والمدبر والمدير لكافة شؤون الأسرة؟ طبعا لن يستطيع ذلك إن عرض على جهاز كشف الكذب (البولي غراف) ولن يستطيع أن يثبت لنا العكس بالدلائل الدامغة! صحيح قد يكدح ويعمل ليل نهار، بشرف ونزاهة أو بدونهما، وربما يستحل بعضا من المال العام، أو حتى من مال الشركاء، وقد يقبض بعض الهبات (لكي لا نقول رشى) ولكن المردود في نهاية الأمر يوضع تحت تصرف السيدة التي في البيت! حتى وإن كان التوقيع ليس لها!
 
لم نصل بعد إلى نتيجة حاسمة، فلنوال بحثنا ونوسع الدائرة...
 
وفقا لبعض المفكرين: إذا أردت التعرف على السبب في وضع أو موقف ما، عليك البحث في البيئة المحيطة تاريخيا وسياسيا واجتماعيا، فقد تصل إلى المعرفة المنشودة، فلنحاول، البيئة المحيطة بنا، نحن "ذكران" العرب، لا تسر الناظرين، شظف عيش، وقلة حيلة، واستعمار مباشر وغير مباشر، هيمنة ولاة الأمور على كل مسارات ومشارب الحياة، تسلط البطانات وأصناف "عمّال" السلاطين، ضرب رقاب وضرب بالسياط و"الفلقة" وحبس أبدان وقهر أرواح.. قد نرى في ذلك عوامل مساعدة أدت إلى موقفنا "الخانع" لسيداتنا في البيت، ولكن الخنوع في هذه الحالة ليس ناجما عن "إرعاب" أو "إرهاب" ولي الأمر.. قد يقول البعض إنه فقط لدرء المشاكل والخلاص من المشاغل، فنحن نعاني ما يكفينا خارج البيت، البعض الآخر قد يقول إن الأمر لا يكمن في العجز عن الصراخ العالي والاحتجاج والرفض والتمرد، بل هو فقط لأننا، خصوصا بعد مرور بضع سنوات من انعقاد الأسرة، هو لتحاشي الغواش أو "الغشائش" إبعادا للشيطان الرجيم لعنه الله!
 
إن صح هذا الدفع فستكون حجة قابلية "ذكران" العرب للاستعباد غير مقنعة، ولا بد لنا أن نذكر أننا ما انفككنا نقاوم المستعمر وولي الأمر المستبد، بنجاحات محدودة صحيح، ولكن على الأقل المبدأ قائم، فشلنا في الانتصار على الأعداء المتربصين لنا خارج البيت، ولكن يجب وجوبا قاطعا عدم الهوان، حتى وإن في خسار دائم لأوطان وأطيان، ونحن نعلنها صراحة بأننا لا نشك مطلقا في وجود تآمر ما بين سيداتنا اللائي في البيت والبيت الأبيض على سبيل المثال، فهنّ دون شك من ذلك براء، ولكن...
 
فلتتولّ سيداتنا اللائي في البيت!
 
حيث إننا فشلنا في إدارة أمورنا ولم نتمكن من الانعتاق والتحرر، فقد يكون مفيدا النظر في إمكانية تغيير الطواقم والكوادر، واستبدال رجالات دولنا من الذكران بالسيدات اللائي في البيت، وإليكم لماذا...
 
يتبين مما ورد أعلاه أن سيداتنا اللائي في البيت يتمتعن بشيء عظيم لا نملكه، إنهن حكيمات صبورات، ماهرات، نائلات لكل ما يردن ويرغبن فيه، وإن بعد حين ولو بتخريج آخر "غير شكل"! ولما كنا نحن، في مرحلة استحواذ الذكران على كل شأن من شؤون الحياة، أليس من راجح الرأي أن نحيد جانبا، ونترك زمام الأمور والشؤون العامة لهنّ؟ .. لقد نجحن في الاستحواذ على كل الشؤون الخاصة داخل البيت بمن فيه، أفلا يستطعن ولوج معترك قيادة شؤون الدولة والجيوش والتخطيط والتعليم والتصنيع؟ باختصار شؤون كل ما فشلنا فيه؟
 
ألا يمكن استغلال هذه الملكات الفريدة لدى سيداتنا اللائي في البيت في قيادتنا وتحريرنا من طغيان ولاة الأمور، ومن طغيان البيت الأبيض وقصر الإليزيه وقصر بكنغهام مثلا؟ ربما يستطعن أيضا حمايتنا من الأسر الآخر القادم من قصر الكريملين أو قصور بيكين أو قصور الهند؟
 
لا أدري كيف سيتأتي لهنّ ذلك، فأنا لا أعرف حتى الساعة كيف استطعن القبض على أعنّتنا وأزِمّتنا ومحافظ نقودنا من حيث لا ندري ولا نشعر؟ أوَ لم يرسخّن في عقولنا أن هذا غير صحيح؟ أوَ لم يجعلننا نعمل مثل ما يردن؟ ... إن لم تكن هذه سياسة وكياسة، فلا أدرى حقا ما هي السياسة! ولا الكياسة!
 
دون شك، الأمر سيحتاج إلى "سياسة" و"كياسة" أكثر من القوة والعنفوان والتفجير والانفجار، فلعلهن يرين غير ما نرى، وقد يجدن لنا سبيلا ومخرجا!
 
إذا عنّ لكم الاحتجاج!
 
سيحتج الكثير من "ذكران" القرّاء، هذا من حقهم، ولكن في زمن عقم الذهن والتدبير، ألا يجدر بنا تجربة وضع آخر، هل لا بد من الإصرار على صفة الفرسان؟ ألم تحرن أفراسنا؟ ألا نطلق العنان لسيداتنا اللائي في البيت كي يتبوأن مقعدهن فوق ظهور الخيل؟ وإن كان الاعتراض ناجم عن عدم صدق المقولات أعلاه، فليس لي أن أقول سوى أني مصر على صحة ما تقدمت به، ولو تواضعتم لوجدتم أني محق فيما أقول.. يجب عليكم الاعتراف، وإن كنتم تستنكفون من العلن، فعليكم به في السرّ وأقرّوا الحق، سيداتنا أحذق كياسة وأنجع خططا ورجاحة، وهنّ الفارسات علينا، على كل حال، أوَ لا نتيح لهن الفرصة بالصول والجول والكر والفر على خصومنا الذين على منازلتهم وانتزاع حقوقنا منهم عجزنا!
 
أما أنتن يا سيداتنا اللائي في البيت، نحن نحبكن ولا حياة لنا من دونكن، فأنتن الهواء الذي نتنفس، وأنتن الماء القراح عند العطش، وأنتن الدواء عند العلة، وأنتن المآل الذي إليه نسكن، ونسألكن بالله عليكن، أن تعفون عن تطبيقنا "للقوامة" على غير رشد أو علم.. لقد شطحنا واغتررنا ... فدونكن تعالين وأمسكن بشؤوننا، ونعاهدكن بأننا سنكون لكن خير عون، سنتعلم التدبير المنزلي، وسنعتني بالأطفال، وسننظف البيت، وسنودعكن بابتسامة، ونستقبلكن بفرحة، وستجدن الطعام جاهزا كما تحببن! ولا تحسبن أننا نقول ذلك من كيد ومكايدة، ولكن، وأيضا كما يقولون، تبديل السروج فيه راحة، والراحة طالما افتقدناها فالخيول في الساحة فهلم... أنتن قويات روح وعزم حتى وإن كنتن ذوات وهن، وكما قال "جرير":
 
يصرعن ذا اللبّ حتى لا حراك به * وهنّ أضعف خلق الله إنسانا
 
وأنتن تعرفن كيف تكدن، فكيدن لخصومنا الذين قهرونا، أوَ لم تقرأن في القرآن الكريم: "إن كيدكنّ عظيم"
 
ramadanjarbou@yahoo.com

 


* سبق نشر المقال بصحيفة قورينا - بنغازي/ القدس العربي - لندن - بتاريخ 9/10/2008

 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة