لماذا تزدهر
بعض البلدان بينما آخرى تذبل وتصبح في حالة ركود؟ لماذا تبدو بعض
البلدان وكأنها نالت كلّ شئ، في حين أن البعض الآخر لا تملك شيئا؟
لماذا جزء من العالم غنيّ والجزء الآخر فقير مدقع؟
هناك،
بطبيعة الحال، إجابات كثيرة على هذه الأنواع من الأسئلة، فالموارد
الطبيعية، والجغرافيا، والتاريخ مما لا شك فيه أنها جميعها تلعب جزءا
من الدّور. ولكن إذا ما تركت جانبا عوامل قائمة على أساس أمور مثل
الفرص أو التراث، فستبقى لديك خلاصة واضحة المعالم، وهي أن بعض البلدان
هي بكل بساطة تُحكم أفضل من غيرها. فقادتها وأطاراتها الإداريّة هي
أكثر قدرة وموثوق بها، وأن احتياجاتها وتطلعات شعوبها هي أقرب إلى
التلبية من أي مكان آخر. وباختصار، فإن السياسة العامة والإدارة العامة
في هذه البلدان هي أكثر فعالية.
خذ سنغافورة
على سبيل المثال: إنها دولة في هية مدينة صغيرة مواردها الطبيعيّة تكاد
لا تُذكر مع شعب صغير الحجم، ورغم ذلك فهي إحدى أغنى البلدان في العالم
من ناحية الدّخل الفردي. أو خذ الإمارات العربيّة المتحدة البلاد التي
حوّلت نفسها من قطر صحراوي صغير إلى مركز مالي كوني، أو أيرلاندا التي
كانت، حتى فترة قصيرة بلادا فقيرة تعتمد على الزراعة، وأصبحت الآن إحدى
أغنى بلدان أوروبا. ونفس المبادئ العامّة تنطبق على بلدان أخرى،
كاليابان وسويسرا والنرويج والدّانيمارك.
فما هي
أنواع السياسات العامّة والتنظيمات الإداريّة التي تشكّل مظاهر إزدهار
أماكن مثل هذه؟
إنها
السياسات الودّيّة تجاه النشاط الإقتصادي. وللبداية في هذه المرحلة من
العولمة، ثمّة منافسة شديدة بالنسبة للإسثمارات الوافدة. في بعض
الأحيان تُضطرّ إحدى الشركات إلى التمركز في بلد معيّن، بسبب مثلا
توفّر مورد طبيعي نادر فيها. وفي غياب هذا أو غياب عوامل أخرى جبريّة،
فأي مؤسّسة تجاريّّة متحرّكة، سوف تنجذب صوب البلدان الأكثر ترحيبا بها.
فالشركات تتمركز في البلدان التي لديها أنظمة فعّالة، وليس في تلك
البلدان المتثاقلة الحركة. أي في البلدان حيث عمليّة تأسيس شركة
ومزاولة الأعمال مبسّطة وسريعة، وحيث البنية التحتيّة فائقة الجودة،
أين تستطيع جني عوائد إذا ما قامت بأداء جيّد.
وكمثال على
السياسات الوديّة، تلك التي تفرض ضرائب منخفضة على الشركات في بلدان
أوربّا الوسطى والشرقيّة، والتي اجتذبت إستثمارات مباشرة واسعة النطاق،
ومع ذلك فليست الحوافز فقط مطلوبة للشركات، فأي بلد يريد تدفّقا
إستثماريّا قويا، عليه أن يرعّب الناس مثلما يرغّب الأعمال، لأن موقع
التوظيف ينبغي أن يُدخل السرور على من يعيش فيه، مع جاذبيّته الماليّة.
وبما أن
الإمارات العربيّة المتحدة لا تفرض ضريبة الدخل، فهي جاذبة لجحافل من
المقاولين المغتربين الذين يأتون إليها سنويّا، وهذا أحد الأسباب
لازدهار اقتصادها.
غير أن
الأجانب والشركات الأجنبيّة ليست سوى جزء من القصّة. فإذا ما رغبت يلاد
في تحقيق مستوى عال من النموّ الإقتصادي وتشجيع المقاولات وتفادي هجرة
الأدمغة، فعليها أيضا أن تتصدّى لاحتياجات السكّان من حيث توفير طرق
ذات نوعيّة فائقة، ووسائط نقل عامّة وغيرها من مرافق البنية التحتيّة.
وتوفّر سياسة تعليميّة فعّالة بصفة خاصّة، إتّفق على أنها عامل رئيسي
في تحقيق الأداء الإقتصادي. فأي بلاد تضمن هذا النوع من التعليم
الفعّال على كافة المستويات؛ الأساسي والثانوي والعالي، سوف تجني
الفوائد الإقتصاديّة.
ولكن ماهي
السبل لضمان فعايّة السياسة العامّة، ووجود إدارة كفؤة، وبالتالي
النجاح الإقتصادي؟ أوّلا: توفّر مجتمع سليم مستقرّ هو أمر حيوي، لأن
ارتفاع معدّلات الجريمة من شأنه ردع النشاط الإقتصادي، سواء كان محايّا
أو أجنبيّا. وإذا ما نُظر إلى النظاتم القانوني كونه غير منصف أو غير
كفؤ، فإن هذا من شأنه طرد المقاولات وإعاقة الإبتكار والتنافس.
وعلاوة على
ذلك، إذا ما كانت السياسات العامة فعالة، ووجب تعيين وموظفي الخدمة
المدنية الذين يساعدون في صياغة وتنفيذ السياسات أو ترقيتهم على أساس
الجدارة، وأن يكونوا ذوي قدرة ونزاهة وكفاءة؛ فحينئذ حقّ القول إنه في
حين أن المسؤولين الحكوميين في بعض البلدان هم بمثابة عامل محفّز على
الديناميكيّة الإقتصادية، فهم في بلدان أخرى يعتبرون عقبة ينبغي
التغلّب عليها إذاما أريد إزدهار المجتمع.
وأخيرا..
فمن الأهميّة أن يكون قادة البلاد متجاوبين مع ما يريده ويحتاج إليه
الناس. وبعض البلدان إختارت الديمقراطيّة على النمط الغربي لكي تحقّق
ذلك، وأخرى استخدمت أساليب مختلفة، مثل إنشاء المجالس للإستماع إلى
الشكاوى ومعالجة المطالب، واستعمال إستطلاعات الرأي العام، والحكومة
الإليكترونيّة، والصحافة الحيّة. هذه كلّها طرق حاولت الحكومات
انتهاجها لكي تضمن تفهّم وتلبية ما ينشده سكّانها.
وفي التحليل
النهائي ليس المهمّ هو الطريقة، بل الأمر الحاسم هو إيجاد منفذ للشعب
للتعبير عن آرائه وليساهم في صياغة السياسات العامّة، وفي نفس الوقت
التحقّق من مساءلة موظّفي الخدمة العامّة.
وإذا ما
اتبعت بلاد سياسة خاطئة، فالنتيجة عادة ما تكون ركودا إقتصاديّا،
وسياسة مسمومة وهجرة أهمّ المواهب. ولكن إذا ما طبّقتها بشكل سليم،
فإنها تستطيع إستقطاب المواهب، وتعزيز النموّ الإقتصادي واكتساب ميزات
تنافسيّة على البلدان الأخرى. وحتى تكتمل دائرة الفعاليّة، فمواطنو هذه
البلاد والمقيمون فيها، كثيرا ما يكونون أكثر غنى وأكثر رضا من أي مكان
آخر.
وختاما، لا
تستطيع أي بلاد أن تتحمّل سياسة عامة قاصرة، وإدارة تسييير غير كفؤة.
فالحكم ذو المصداقيّة والكفؤ والمستعدّ للمساءلة، والذي يعكس بصدق
أنماط ثقافة المجتمع وقيمه، من شأنه أن يوفّر أساسا متينا من أجل نجاح
مستمر ومستدام.
* ترجم عن المقال المنشور باللغة الإنجليزية بصحيفة
(الناشيونال) الإماراتية بتاريخ 9 يوليو 2008.
راجع أيضا:
"عودة حافظ الغويل" ترجمة وتعليق: مفتاح السيّد الشريف

Hafed Al
Ghwell: Thank you for translating this article. I was thinking
of Libya as I was witting it . The main point of this article is simply
this: A credible public policy framework and an effective public
administration structures & processes are the real competitive advantages
for any successful modern society.
|