10/10/2008

 


بسم الله الرحمن الرحيم
 

 

مما لاشك فيه أن ترجمة الكتب العلمية والأدبية والتاريخية هي تنمية ثقافية تفتح الآفاق علي معارف الأنسانية وتؤسس لأفكار التقدم وتشيع العقلانية وتضع القارى في قلب حركة الابداع والفكر العالميين.
 
وعملية الترجمة تتطلب من الشخص المتصدي لها أن يتميز بصفات منها : أن يكون ضليعاً في اللغة المترجم منها، وأن يحوز ملكة الابداع في التعبير وصياغة الجمل وأن تتوفر فيه الأمانة العلمية في الترجمة.
 
وقد يكون عسيراً علي المؤرخ أن يتجرد من ميوله وأهوائه وهو ينظر في الماضي "فالتاريخ لايكتب بدون حب أو حقد" (1) ولكن ليس من العسير علي المترجم أن يتجرد من تلك الميول والأهواء، ونحن نعلم أنه لم تتعرض حقبة تاريخية للتشويه والطمس وسوء الفهم كما تعرضت له الفترة الزمنية الممتدة بين سنة 1911 م وحتى 1969م في ليبيا. ولا زال من يكتب عنها واقع تحت سطوة العوامل التي تؤثر في تأريخة من عامل الخوف من السلطة، إلي التملق لها، إلي عوامل التعصب الجهوي أو القبلي أو المذهبي.
 
هذا من جهة كتابة التاريخ ولكن ان الذي لا يبدو معقولاً هو ان يتعدي هذا التشويه وبشكل فج إلي ترجمة الكتب التاريخيه، وان حدث هذا فإنه يعتبر سلوك غير ناضج وخيانة للأمانة العلمية بل ويعتبر فضيحة عند الشعوب المتطورة صاحبة الفهم التاريخي المبدع، ونظل نحن أصحاب الشعور التاريخي المائع الغافل عرضه لنصدق ـ وببلاهة مفرطة ـ كل مانسمع أو نقرأ ولا يكلف أحدنا نفسه عناء البحث عن الحقيقة. واللائمة تقع في هذا علي أهل الأختصاص ـ إن وجدوا ـ .
 
الكتاب الذي نحن بصدده هو كتاب "برقة المهدأه" تأليف الجنرال "رودولفو غراتسياني" المعروف. هذا الكتاب قام بترجمته المرحوم الأستاذ "ابراهيم سالم بن عامر" سنة 1973م، تحت أسم "برقة الهادئة" وطبع مرتين في دار ومكتبة الاندلس ببنغازي سنة 1974 و 1975م ، ثم طبع لاحقاً من قبل الدار الجماهيرية للنشر.
 
 
 
علماً بأن للكتاب ترجمة سابقة طبعت سنة 1971 م وقام بترجمتها "طه فوزي" والذي ترجم أيضا كتاب نحو فزان لنفس المؤلف، ولم يتيسر لنا الحصول علي هذه الترجمة لندرتها.
 
وسارت الركبان بترجمة بن عامر السابقة الذكر وأعتبرت أنها الترجمة الوحيدة والصحيحة للكتاب، وظلت علي مدى سنوات تمثل مرجعاً تاريخياً هاماً يلقي الضوء علي فتره من تاريخنا الوطني من خلال فكر وأسلوب المستعمر المتمثل في مؤلف الكتاب. وأخيراً ظهرت ولحسن الحظ الي حيز الوجود ترجمة جديدة للكتاب إضطلع بها الحاج "محمد بشير الفرجاني" صاحب ومؤسس دار الفرجاني الشهيرة بطرابلس، تحمل عنوان "برقة المهدأه" وللعلم أن هذا هو الذي يوافق الاسم الصحيح للكتاب، والذي يعني أعادة السلام الي برقة. وبالمقارنه بيت الترجمتين فإن مايثير الدهشه هو الاختلاف الكبير بين كل منهما . هذا الاختلاف تمثل في مايلي:
 
1. نقص كبير في ترجمة "بن عامر" بالمقارنة مع ترجمة "الفرجاني" هذا النقص الذي يمتد من كلمة الاهداء للمؤلف ويتعداه الي حذف كلمات, وجمل بل الى مقاطع وصفحات حتى وصل الفرق بين الترجمتين إلي مايقارب المئة صفحة علماً بأننا راعينا وأخذنا في الاعتبار حجم الصفحات من حيث عدد الكلمات في كل صفحة.
 
2. زيادة كلمات والفاظ وجمل واضح لأي قارئ انها ليست فى أصل الكتاب المترجم وهذا ايضاً فى ترجمة "بن عامر".
 
3. ليّ وتحريف فى صياغة الجمل المترجمة، عند "بن عامر" ترتب عليها تغيير كامل في المعني.
 
4. زد علي ذلك، وهذا أدهي الدواهي ان هناك إسقاط واستبدال أسماء أشخاص فمثلاُ هناك شخص حذفاً اسمه نهائياً وشخص اخر استبدل اسمه واخر حذف اسمه مرتين وأستبدال باسم اخر مرة ثالثه .(2)
 
5. ومما يعتبر مهماً عند أهل البحث العلمي التاريخي، نجد أن "الفرجاني" قد بين مصدر الكتاب الأيطالي وسنة نشرة والدار التي نشرتة واضعاً فهرس علمى له وقدم له بشكل موجز، بينما نجد أن "بن عامر" قد أسهب متجاوزاً هذا الواجب في وضع مقدمة وخاتمة طويلتين مضيفاً اليهما هامش غلب عليه في كل ذلك الانطباع الشخصي ومضمناً كل ذلك مغالطات تاريخية وشعارات ليست ذات قيمة عند اهل الفهم التاريخى الواعى.
 
وعند المقارنة بين الترجمتين كلمة بكلمة ستجد أن هذه الاختلافات تجاوزت المئة وستون موضعاً أو أكثر وهو مالايتحمله الكتاب المترجم بحيث لا يتغير الفهم التاريخي لتلك المرحلة من وجهة نظر المؤلف حتي ان القارئ ليخرج بأنطباع تاريخي مخالف عند قراءته لكل من الترجمتين علي حده، الا أن يكون المؤلف "غراسياني" قد أعاد صياغة الكتاب وقد ترجم كل من "بن عامر" و "الفرجاني" نسخة مختلفة، وهذا بعيد الاحتمال لأسباب لاتخفي علي المختصين بالتاريخ.
 
وعند اطلاعي علي نسخة من الطبعة الثانية لترجمة "بن عامر" وقد خطَ عليها الاستاذ المترجم اهداءً ممهورا بتوقيعه زال مابي من ريب من أن الترجمة قد طالها التحريف بدون أذن أو علم المترجم مما جعلني أتعامل معها باعتبار أنه راض عنها كل الرضا والحقيقة أنني بدأت في إيراد أمثلة علي هذا الاختلاف الحاصل فأكتشفت أنني ملأت ستة أوراق ولم أبلغ بعد ربع الكتاب، عندها رأيت أنه من الأنسب أن أنوه عن الموضوع وأن اترك معايشته لمن يهمه الأمر، وأعتقد أن المقارنة الدقيقة بين النسختين ستحتاح إلي كتاب ثالث.
 
ويبدوا أن ما اعترى هذه الترجمة هو ما اعترى جل الكتب التاريخية التي كتبت فى ليبيا عن تاريخ هذه المرحلة في العقود القليلة الماضية وكان الغرض من ذلك هو فرض تعليل بل وتعليل خاطئ علي تاريخ فتره الجهاد ضد الغزو الأيطالي بل وقسرت الحوادث لتصب في نطاق هذا التعليل فجاء فهمنا لتاريخ هذه الحقبة مبتوراً.
 
وكما يقول علماء التاريخ "فإن الضرر من الاحكام التأريخية الفاسدة قد يعم الناس ويسرى في عقولهم ويؤثر علي تصرفاتهم حتي يصبح من الصعب ازالته خصوصاُ اذا لقيت هذه الأحكام هوى في النفوس وتجاوباً في الصدور، فليس أعسر عندها من العوده إلي رؤية الحق والاهتداء بهديه".(3)
 
فضيل الهادي
Daralsalam_1@yahoo.com
 

 

1. المؤرخ الألماني مومسن
2. مثلاً حذف أسم "محمد فخري المحيشي" لأسباب جهويه ومجاملة لأحد أعضاء مجلس قيادة الثوره أنذاك وايضاً حذف أسم "علي باشا العبيدي" مرتين واستبدل مرة ثالثه بأسم "الشارف الغرياني" واظنه لنفس السبب. كما استبدل اسم الحسن بعمر المختار.
3. قسطنطين زريق. عـالم تأريخ.

* الصور منقوله عن موقع ليبيا وطننا

 

 

أحمد: الاخ مشكور جدا على هذا التنوىه اريد ان اوضح وانا لى دراسات عديده فى تاريخ الجهاد من مصادر ايطاليه نظرا لدراستى لهذه اللغه الكتاب عنوانه بالايطاليه شيريناكا باشيفيكاتا cirenaica pacificata الكلمه الاولى برقه اما الثانية فالكلمه تترجم الى المهداه وليس الهادىه وحتى فى القاموس الايطالى الايطالى معنى الكلمهmettere pace اى يفرض السلام لان الكاتب لو ارد قول الهادئه لقال la calma cirenaica..la cirenaica pacifica.

فضيل الهادي: الاخوه الرائعين المشرفين على "موقعى" الرائع "ليبيا المستقبل".. أنا عاجز عن الشكر على حسن اهتمامكم بقرائكم ومنهم "العبد لله" وقد بدا هذا واضحا فى تعاملكم مع موضوعى" بين برقه الهادئه وبرقة المهدأه" (والذى ماقصدت به الا وجه الله) حيث لم تألون جهدا فى نشره ووضعه فى واجهة الموقع ومن ثم توفير الصور التى اتتكم ناقصه من موقع اخر بارك الله لكم جهدكم واخلاصكم جزاكم الله عن شعبكم وبلادكم خيرا وحفظكم الله من القوم الظالمين.


برقاوي: شكرا للسيد الكاتب على هذا المقال المهم والمعلومات القيمة التي حوته ونتطلع للمزيد. كما اتمنى من المهتمين بتاريخ وطننا الحبيب المساهمة بارئهم حول هذا الموضوع. شكرا اخي الكاتب.

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة
 

libyaalmostakbal@yahoo.com