10/10/2008

 
بقلم: عبير لـيـبـيـا

 

(2) بيت صغير ... مغزول من نور

17 / تموز / 2008

 

 

 

 

في هذا القفص الكبيرالذي يدعى المنفى.. وتحت أقامته الجبرية.. ورغم زحمة الواجبات وكثرة الهموم والمشاغل والمسؤوليات.. ورغم ضيق الوقت بسبب اللهث المتواصل في السعي وراء الحياة من أجل الحياة.. نجد أنفسنا محاطين بذكرياتنا في الوطن.. مهما طال بنا الغياب.. او تقدم بنا العمر.. فنحن المنفيين لنا تركيبة نفسية وروحية غريبة ومثيرة للعجب.. لأننا قد ننسى أية شيء في الكون.. لكننا لا ننسى ذكرياتنا في الوطن.. وكأن هذا الجزء من الذاكرة بكل ما فيه من خزين من الحكايات والصور والأصوات.. مؤمن سلفا مدى الحياة ضد الحرائق والأفات.. ومحمي في خزنة فولاذية من اية تلف أواصابات..
 
في طريق عودتي للبيت تحت لهيب أشعة الشمس الصيفية الحارقة.. وبعد عناء نهار مرهق من العمل.. وذلك الطريق الأجرد الممتد أمامي كأفعى سوداء بلا نهاية.. بدون شجر أتفياء ظلاله.. أو بشر تؤنسني على رماله.. لم أنفك أفكر في اللحظة التي أصل فيها للبيت.. لأروي عطشي برشفة ماء.. وأوي لفراشي المكسو بالشراشف البيضاء.. وأرمي برأسي المثقل بهموم الحياة على وسادتي بحثا عن شيء من الراحة والسلام.. كأميرة متربعة على عرش واحتي.. تحلم بالطمأنينة والأمان..
 
وبعد أن أصل للبيت ويتحقق كل ما تمنيت.. وتحين اللحظة التي أغمض فيها عينيّ بحثا عن السكينة في غفوة صغيرة.. يظهر طيفه أمامي.. يطل بعينيه الحانيتين.. فأبتسم ولا أملك سوى أن أضمه بجفوني.. وأبثه شوقي وجنوني بحبي الكبير اليه .. ذاك هو.. اسمي ورسمي.. فرحي وترحي.. وحي قصيدتي.. وسر وجودي.. وطنــي الحبيب الغالي.. الذي رغم سنوات الغياب طيفه لايفارقي.. وحيث ما أكون أحمله في فكري وروحي وبين حنايا أضلعي.. كترنيمة عشق أبدية أتغنى بها في غربتي..
 
وأحلق.. أحلق عاليا بأجنحة الشوق واللهفة.. لأعود دون وعي عشرات السنين الى الوراء.. لأحد أيام ربيع عام 1979.. لأيام الطفولة الجميلة.. للبراءة.. للعفة.. للطهارة والنقاء.. وأعود.. أعود للتراب.. للأرض.. لمزرعتنا التي كانت بكل تفاصيلها كحكاية من حكايات الخيال الجميلة.. بترابها الطاهر.. بسماءها الزرقاء الصافية.. بأشجارها الخضراء الباسقة.. بنسمات هواءها العليل الشافية.. بماءها النقي العذب.. بخيراتها وعطاءها وجُودِها وكرمها اللامتناهي.. لبيتنا الصغير المغزول من نور ومن حرير.. ولمن سكنوا وتربعوا في ذلك العُـش الجميل.. أبي.. أمي.. أخواتي.. وأخوتي.. وبي.. بي أنا.. أصغر البنات..
 
لازلت أذكر تلك المزرعة بكل تفاصيلها.. بكل شبر وزاوية فيها.. بسورها الحجري الأبيض الذي يحميها من الهوام والمتطفلين.. بفيلتنا المتربعة في وسطها كعروس ليلة زفافها محاطة بالفرح والزينة.. بأشجار الفواكه على اختلاف أصنافها وألوانها وتفاوت حلاوة ثمارها.. بذلك الطريق الترابي الطويل المغطى سقفه بكروم العنب المتدلية.. بحظائر البقر الهولندي الذي يغذينا كل صباح بحليبه الطازج اللذيذ.. بقن الدجاج الكبير الذي يرفدنا بأكوام البيض.. وحتى ببيوت العمال المحاذية لبوابتها الفضية الحديدية الكبيرة.. وبكل شيء.. وبكل شبر فيها..
 
لا زلت أذكر كيف كانت أمي توقظنا بحنان كل صباح قبل شروق الشمس لنستعد للذهاب للمدرسة.. وكيف كانت تعد لنا طعام الأفطار الذي يتألف عادة من كوب من الحليب الدافئ الذي أجتهد في حلبه أحد عمال المزرعة.. ودرزن من البيض المسلوق الذي تسلينا بجمعه في اليوم السابق مجتمعين.. وأرغفة الخبز الحار الذي يجلبه أبي كل صباح من الفرن القريب.. والعسل.. والزبد البلدي الذي تتفنن أمي في اعداده..
 
كيف كنا نذهب للمدرسة.. نستنشق عبير الصباح.. نطوي الطريق بأقدامنا الصغيرة.. نسابق العصافير في من يستطيع الوصول أولا لبوابتها الحديدية.. ووجوه معلمينا في أستقبالنا تعلوها البشاشة والمحبة والأمل بوطن يكبر بأبناءه ويُعمر ويزدهر.. بالصحبة الجميلة التي ربطتنا داخل أسوار الحب للمعرفة والعلم.. بصديقاتي اللاتي عرفت معهن أجمل معاني الأخلاص والوفاء والصدق والصداقة الحقيقية.. والذين لم ولن أنساهم أو أغفل عن أسمائهم في يوم من الأيام:
 
- نجــاة.. صديقة الطفولة المقربة.. بظفائرها الكستنائية وعيناها العسليتين اللتان تقطران فطنة وذكاء وطيبة وحنان لم أجدها عند اية صديقة حتى الأن..
 
- أمامــة.. أبنة شيخ الجامع اللطيفة.. الرقيقة.. الناعمة..
- هيـــام.. الأرستقراطية.. المتواضعة.. المتفائلة..
- سليمــة.. المليئة طاقة وحيوية ونشاط.. والتي لا تكف عن الضحك والثرثرة..
 
وكذلك زملائي:
 
- أسامة.. الفتى الرومانسي.. الهادىء..
- عاصــم.. قريبي المشاكس العنيد..
 
وأخرين كثيرين.. وكيف كنت أستمتع بالأحاديث الطفولية والضحكات البريئة مع صديقاتي في طريق العودة للبيت.. لكم تسائلت مرات ومرات ترى أين أصبح الجميع؟؟.. أتراهم كبروا وتزوجوا وتغيروا.. وأصبح لكل منهم حفنة من الأبناء؟؟.. وماذا أمتهنوا.. وماذا كان نصيبهم من الحياة؟؟.. ترى ألا زالوا يذكرونني كما أذكرهم؟؟.. أتمنى أن أعود يوما وألتقي بتلك الصحبة الجميلة من جديد..
 
واليوم.. وكل يوم.. أفكر.. كيف مرت بنا السنوات؟؟.. كيف رمتنا الأقدار على المرافىء النائيات؟؟.. كيف أنفرط ذلك العقد الجميل المتماسك الحبات؟؟.. كيف مر الوقت ولم ننتبه للشيب يغزونا بلا استئذان.. لهاماتنا التي حناها الزمن.. لليالينا وأيامنا التي طواها النسيان.. وكيف أصبحنا مغيبين وغائبين؟؟.. وأين الوطن الذي فيه ولدنا.. وبه حلمنا.. وعنه حكينا وتحاكينا للأخرين؟؟..
 
لازال يجول بذاكرتي ذلك اليوم الذي فقدت فيه الاحساس بالأمن والأمان.. من صيف عام 1981.. ذلك اليوم الذي لن أنساه ما حييت.. حيث كنت ألعب مع بعض أخوتي في مزرعتنا تحت أشجارها الوارفة الظلال.. وفي غفلة من الزمن علا صراخ وعويل يشق أعنان السماء من أحد المزارع القريبة.. صراخ أمرأة كأنها تحترق من الداخل بنيران الحزن والألم والفاجعة.. ففزعت وجميع أخوتي ودخلنا مسرعين للبيت.. وذهبت باحثة عن أمي لأرتمي في حضنها بحثا عن الأمان.. فيما ذهب والدي ليستطلع الأمر وعاد بعد حين وحاول وأمي اخفاء حقيقة الأمر عنا.. لكنني أحسست من نظراتهم بأن شيئا خطيرا قد حدث.. وبأن الأمور لن تعود يوما كما كانت عليه..
 
بعد أن غادرنا الوطن ومرت بنا السنين.. سألت أمي يوما عن تلك الحادثة المريبة.. فقالت لي أنه أبن الجيران الذي لم يتجاوز العشرين.. والذي كان يقضي ليله في الصلاة وقراءة القرءان.. وحين علا أذان الفجر أنهى صلاته ثم تذكر ذلك الجرو الصغير الذي أحضره له هدية أحد الأصدقاء.. فأستأذن أمه في قليل من الحليب وخرج ليطعم الحيوان الصغير.. لكن الفتى تأخر في العودة.. فقررت الأم الذهاب والبحث عنه للاطمئنان.. لتجده غارقا في بركة من الدماء مذبوحا من الوريد للوريد..
 
ولعدالة السماء.. أستطاع الفتى المسكين وهو في الرمق الأخير.. أن يسطر بدمه على الرمال أسماء الجناة.. كي يُشهـد التراب والأهل والأصحاب على القتلة الأوغاد.. الذين أرتكبوا جريمتهم في وضح النهار.. دون ارتكابه لاية ذنب أو خطيئة.. وبلا أسباب.. والذين لاذوا بالفرار ظانين أنهم أمنوا العقاب..
 
مرّ شريط الذكريات في لحظات.. فجفاني النوم وهجرني.. وغادرت فراشي بحثا عن الأحساس بالأمان في حضن أمي..
 

 

راجع:  من أوراق ليبية في المنفى (1) مقدمة للحظات.. وحوادث وأحداث

 

 

د م علي درويش: اهنيك والمزيد اسلوبك في الوصف جميل ولكن أقول لك. أن من يملكون القصور والمزارع في السابق هم حواشي النضام وقبيلته ومن يملكونهم الآن لهم نفس الصفات وكذلك في المستقبل وهده هي الحياة الدنيا,  ويبقي الفقراء وعامة الشعب كما هم يلهدون وراء قوتهم في الدنيا وهي دار الممر؟ وعسي أن تكرهو شيا وهو خير لكم, يعوضك الله بالحسنات. اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشأ وتنزع الملك ممن تشأ, تعز من تشأ و تدل من تشأ".

حسن المصري: العزيزة عبير ننتظر المزيد فلا تغيبي.

أحمد عبدالله: شكرا لك يا عبير على ما خطت يداك.. لقد استمتعت كثيرا  بما كتبت واتمنى ان تكون كتابات اخواننا كذلك بهذا الأسلوب السلس والمعاني العميقة والتعاطي الأدبي الرائع مع قضايانا بدلا من الإسفاف والخطابات الرنانة والإطناب الممل. شكرا عزيزتي.


منفي: ينقانك عبير.. عبرتي على  مكنون القلب يا بنت الخير.. ونحن نشهد مع الفتى على القتلة الأوغاد وانا غدا لناظره لقريب.


قلب ليبيا: انشاء الله يا بنت بلادي تجي ليبيا معززة مكرمة والله الغربة واعرة ياهوه انا جربتها لكن جوا بلادي وهذي اصعب تحياتي لك اختي ومنورة ديما.


عبدالله الليبي: الاخت عبير يالها من بداية جميلة ونهاية اليمة. لقد حلقت بي في البداية باسلوبك القوي المتامسك الكلمات وجمال العبارات في عالم اعتقد انه صار من الماضي ولن يرجع ياله من ماضي جميل ساحر وحقيقة اتصفح في ليبيا المستقبل بحثا عن ماهو جديد من مقالات وهلم جرا فقلت ماقصة البيت الصغير المغزول من نور واذ بي اعيش الاحداث  في فلم لم يسبق لي ان شاهدته وكانه بشريط سينمائي له وقع خاص علي الليبيين المهاجرين وخاصة ان هذه الاحداث قد يشاركك فيها الكثير  من ناحيةذلك الماضي الجميل الذي كانت نهايته مؤلمة ومازلت اثاره الي الان فهل يعود ذلك الماضي الجميل؟؟ من يعلم فالايام حبلي وكل يوم نتفاجئ ولكن بالاسوء.


سالم: شكرا مرة اخرى اختي عبير على هذه الورقة المنفية الأخرى.. رائع هو فعلا ما تقدمين لنا..


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة