31/08/2008

هل كانت روح القذافي على كف عفريت يوم الإنقلاب !؟
 
بقلم: سليم نصر الرقعي

أرشيف الكاتب


 

 
حينما وصل الملازم أول معمر القذافي الى السلطة - على ظهر دبابة - وإستولى على الدولة الليبية وعلى آبار النفط الليبية بتلك (المغامرة الغريبه !؟) أو تلك (المؤامرة المريبة !؟) لم يكن في الواقع – وفي ذلك الوقت - يضع روحه على كف عفريت كما حاول غير مره من خلال رواياته لقصص (الثورة / الإنقلاب) المتعددة والمتجددة (!) أو كما حاول إقناعنا أكثر من مره وفي أكثر من مناسبة وتصوير ما قام به على أنه مخاطرة كبيرة وخطيرة جدا ً بحياته وروحه من أجلنا ومن أجل تحقيق أمانينا الغالية !!؟؟.
 
والحقيقة أن القيام بإنقلاب عسكري أو عمل مضاد للنظام الملكي وللملك إدريس – رحمه الله – في تلك الأيام لم يكن مخاطرة على الإطلاق على الأقل بالصورة المضخمة والخيالية وغير الواقعية التي يحاول أن يصور بها العقيد القذافي اليوم حركته الإنقلابية ! .. ومن ثم فالإقدام على مثل هذه العملية – في حكم تلك الأيام وحسب ظروفها وملابساتها – لم يكن بالخطورة أو بالصعوبة التي باتت عليها الأمور اليوم في ليبيا أو بقية الجمهوريات الوراثية ! .. بل إن حياة وروح معمر القذافي أيامها لم تكن على كف عفريت على الإطلاق لأن الدولة القائمة يومذاك لم تكن دولة بوليسية قمعية دموية ذات مخالب أمنية شمولية ومتعددة كما هو عليه الحال اليوم في دولة (الأخ العقيد !؟).
 
لا أريد هنا أن أدخل في مناقشة لحقيقة الإنقلاب نفسه هل كان مغامرة أم مؤامرة ولا مناقشة نتائجه في ميدان العمران أو ميدان حقوق الإنسان كما هي على أرض الواقع اليوم بعد 39 عام من عمر هذه الثورة المستمرة وهذا النظام العسكري الإنقلابي !!؟؟ ... فيمكنني أن أناقش ذلك في مقالة خاصة فيما بعد ولكن المهم هنا – وهو ما أود الحديث عنه في هذه المقاله - هو أنني على يقين تام من أن هناك حقيقتين كان يعلمهما – علم اليقين – الملازم أول معمر القذافي وشجعتاه بالفعل وبشكل كبير أيامها على القيام بهذا الإنقلاب وهما :
 
(1) كان القذافي يومها على يقين بأن القواعد البريطانية والإمريكية لن تتدخل ضد الإنقلاب!!؟
(2) وكان القذافي يومها على يقين أن روحه ليست على كف عفريت وأن الإنقلاب إذا فشل فلن يـُعدم !.
 
تفصيل الأمر الأول:
 
فالقذافي كان يومها – يوم قام بالإنقلاب - على يقين أو شبه يقين – لسبب من الأسباب !؟؟(1) - بأن القواعد الأجنبية (البريطانية والإمريكية) المتواجدة يومذاك على أرض ليبيا لن تتحرك ضده وضد إنقلابه !.. هذا أمر مؤكد ومضمون بشكل ما (؟) بل هذا ما أكده نائب جمال عبد الناصر المرحوم (حسين الشافعي) في شهادته على العصر (2) !.. وهو رجل عسكري وسياسي ومن قادة حركة عبد الناصر !!!.. وهذا ما حدث يومها بالفعل !.. فبريطانيا وإمريكا لم تقوما بأي شئ ضد الإنقلابيين بل إنهما سرعان ما بادرتا إلى الإعتراف بالنظام الإنقلابي الجديد !!؟؟.. بل وحتى عندما أرسل أحد أقرباء الملك في الخارج برسالة - بإسم الملكة – إذا صحت الرواية ! – الى الحكومة البريطانية يطالبها فيها بالوفاء بتعهداتها في حماية ليبيا والنظام الليبي الملكي من أي عدوان فكان الرد بأن ماحدث مسألة داخلية بحتة وشأن داخلي محض لا يمكن لبريطانيا التدخل فيه !!؟؟.. مع العلم أن تلك القواعد قد شارفت مدة عقودها أيامها على الإنتهاء بالفعل كما أن برلمانيين من داخل مجلس الأمة الليبي طالبوا أكثر من مرة الحكومات المتعاقبة بإنهاء أمر هذه القواعد وكانت الأمور بالفعل تسير بهذا الإتجاه – وإن كان ببطأ وبطريقة هادئة وسلسة - حيث بات رحيل هذه القواعد مسألة وقت لا غير !.. بل إن القرار بعدم التجديد للمعاهدات العسكرية مع أمريكا وبريطانيا قد تم إتخاذه في مجلس الأمه وتم تبليغ الإنجليز والإمريكان بالأمر وبقرار عدم التجديد بل وتم تبليغ عبد الناصر به إلا أنه نصح بعدم الإستعجال في إجلاء القاعـــدة الأمريكيــــة (!!؟؟)... وبالتالي فقد أصبحت عملية خروج القواعد الأجنبية عملية وقت فقط لا أكثر ولا أقل !.. فعملية إنهاء أمر القواعد لم تكن تحتاج في الحقيقة الى ثورة وإنقلاب عسكري بل كانت ستكون (تحصيل حاصل) وكانت المعارضة الليبية في مجلس النواب تدفع بالفعل في هذا الإتجاه المحتوم.. بل إن هناك بعض المعلومات والتحليلات التي تؤكد على أن هذه الدول العظمى نفسها التي كان لها قواعد في ليبيا كانت بالفعل بصدد إنهاء تواجدها العسكري في ليبيا لأسبابها الخاصة !.. هذا التواجد الذي حدث بسبب ملابسات تاريخية معينة وقعت على خلفية عملية تحرير ليبيا من الإحتلال الإيطالي الفاشستي الغاشم أثناء الحرب العالمية بمساعدة بريطانية حيث شارك الليبيون من خلال الجيش السنوسي الذي يضم مجموعة من زعماء وقادة الجهاد في عملية تحرير ليبيا يومذاك وكان لهم دور مهم في عملية دحر الجيش الإيطالي يومذاك .. وقد أعترف بهذا الدور الليبي الكثير من قادة الجيش البريطاني... والشاهد هنا هو أن القذافي كان يومها – يوم أقدم على عملية الإنقلاب – يشعر أو يعلم أو يفهم – بصورة من الصور !؟ - بأن القواعد الأجنبية لن تتدخل ضد الإنقلاب !.. وهذا ما حدث بالفعل !.. بل إن بريطانيا وإمريكا سرعان ما بادرتا إلى الإعتراف بالنظام الإنقلابي الجديد !!؟؟.
 
تفصيل الأمر الثاني:
 
فالقذافي كان يومها – يوم قام بالإنقلاب - على يقين أو شبه يقين – بأن حياته وروحه ليست على كف عفريت بسبب هذه المغامرة أو المؤامرة ولا هم يحزنون ! .. فهو كان يعتقد بأن هذه المغامرة أو هذه المؤامرة التي يريد القيام بها في تلك الظروف الأمنية (الآمنه) التي كان يعمل بها في تلك الأيام بطريقة شبه علنية (!!؟؟) عبارة عن (مقامرة) مضمونة العواقب في كلتا الحالتين (فشلت أو نجحت !) .. فإذا صادف وأن نجحت فإلى المجد والسلطان وإدعاء البطولات والتضحية بالنفس في سبيل الشعب وتأليف قصة (أربعة آلاف يوم من العمل السرّي)؟؟؟!!! .. وإذا صادف وأن فشلت وتم إحباط العملية والقبض على المتورطين فيها فإلى طلب الصفح والغفران من سماحة الملك الطيب العجوز !! .. فهو كان يعلم أو يشعر أو يفهم بأنه في حالة فشل إنقلابه ففضلا ً عن الدعاية الإعلامية لشخصه (البروباقاندا) – التي يعشقها القذافي بشكل ملحوظ ! - والتي سينالها بسبب هذه المحاولة والمغامرة في الصحف العربية والغربية حيث سيقال ويكتب وبالخط العريض يومذاك: (ملازم شاب ليبي يقود محاولة انقلابية فاشلة في ليبيا ويـُدعى معمر القذافي) !! – فضلا ً عن هذه الدعاية في حالة فشل الإنقلاب – فإن العفو الملكي أمر مألوف ومضمون و(محطوط في الجيب)!! .. فالقذافي كان يعلم – علم اليقين – يومها بأنه إذا تم القبض عليه وهو يدبر للأنقلاب أو حتى بعد فشل الإنقلاب فهو لن يتعرض للتعذيب القاسي ولن يشنق على أعواد المشانق بطريقة مهينة أو يحكم عليه بالسجن المؤبد !!؟ .. فكل ماهنالك أنهم سيُحاكموه فيعزلوه من الجيش أوربما حبسوه لبضع سنين معززا مكرما ً ثم يصدر العفو الملكي المعتاد كما صدر في حق من سبقوه !! .. ألم يعفو الملك من قبل عن ضباط كبار وصغار كانوا يخططون للإنقلاب على النظام الملكي بل وعفا أيضا ً عن بعض من خططوا يوما ً لإغتياله !! .. فالملك – رحمه الله – لم يكن دمويا ً ولا ذا نزعة إنتقامية وقاسية ووحشية كما هو حال (الأخ العقيد !؟) اليوم ! .. ولا النظام الملكي كان نظاما ً بوليسيا ً باطشا ً بدليل أن معمر القذافي – حسب كلامه – كان يسرح ويمرح ويوزع المناشير دون أن يُلقى القبض عليه أو يُحقق معه حتى !! .. بل وحسب كلامه وكلام أعوانه فإن إسمه وإسم مصطفى الخروبي كان معلوما ً لدى السلطات الأمنية ورجال المخابرات ومع ذلك لم يلقي القبض عليهما ولا حقق معهما أحد !!؟؟؟؟؟؟؟؟ .. إذن فهذه المغامرة أو هذه المقامرة أو هذه المؤامرة – سمها ما شئت - التي كان القذافي يدبرها يومذاك ثم قام بها ونفذها - بكل بساطة ويسر - والتي وصفها البعض أنها غاية في السذاجة والرعونة ! .. لم تكن بالفعل وكما يدعي القذافي ويكرر – ولايمل من التكرار – على كف عفريت ولا حتى على كف نفريت ولا هم يحزنون ! .. إنما كانت في الواقع يومذاك وبحسب طبيعة الدولة الليبية الملكية وطبيعة الملك إدريس السمحة والمتسامحة موضوعة في يد طرية وندية وكريمة وسخية ! .. هي يد الملك إدريس ! ... لذلك فالعفو في حالة الفشل كان أمرا مضمونا ً 100% بل 200 % فضلا ً عن الدعاية الإعلامية التي سينالها هذا الملازم الشاب في الداخل والخارج بسبب هذه المغامرة إذا فشلت ! ...... هكذا – إذن – حسبها ورسمها في عقله وذهنه يومذاك الملازم المتعطش للمجد الشخصي وللشهرة وللسلطان والحكم مما شجعه على الإقدام على هذه المغامرة مضمونة العواقب بإطمئنان كبير وتهور كبير وإستلقى يوم تنفيذ العملية الإنقلابية على سريره في معسكر قاريونس يدندن (!!؟؟) (3) وترك مجموعة (المغفلين !؟) (4) ينفذون بالنيابة عنه عملية إحتلال المعسكرات ثم إحتلال مبنى الإذاعة في بنغازي الذي كان لايحرسه يومها أحد بإستثناء غفير وشرطي واحد لا غير ! .. ولذلك – ولهذا السبب بالذات – أي لأن القذافي فهم وخبر وعلم علم اليقين أن التسامح والتساهل هو أمر أساسي ومهم جدا ً في تشجيع المعارضين والطامحين للسلطة - خصوصا ً من العسكر - على تدبير المؤامرات والمغامرات والمحاولات الإنقلابية فهو عزم منذ البداية – وبإصرار عجيب - على أن تكون عقوبة أي محاولة إنقلابية في عهده غاية في الصرامة بل وغاية في القسوة والبطش والوحشية والتمثيل حتى لايشجع التسامح والتساهل معارضيه والطامحين في السلطة على التمرد عليه كما شجعه هو شخصيا ً تسامح وتساهل الملك إدريس على القيام بعملية سطو مسلح – مضمونة العواقب !؟ - على الدولة الليبية في ليلة الفاتح من سبتمبر من عام 1969 !؟؟.
 
سليم نصر الرقعي
كاتب ليبي يكتب من المنفى الإضطراري
elragihe2007@yahoo.co.uk
http://elragihe2007.maktoobblog.com/
 

 
(1) سأناقش جملة هذه (الأسباب) في مقالة قادمة بعنوان ( إنقلاب سبتمبر هل كان مغامرة أم مؤامره )!؟
(2) إستمع لشهادة حسين الشافعي هنا على هذا الرابط:http://www.libya-al-mostakbal.com/Audio/ashafie_enqilab270807.ram
(3) ذكر بعض أعضاء الإنقلاب أن القذافي يوم تنفيذ جريمة الإنقلاب في بنغازي ترك جميع الضباط ينفذون العملية بينما ظل هو في غرفته بمعسكر قاريونس مستقل على السرير يدندن ببعض الأغاني الحماسية وأحيانا يتلو نص البيان الأول ولم يتحرك إلا بعد أن جاء إليه من يخبره أن المجموعة قامت بإحتلال المعسكرات الأساسية ومبنى الإذاعة ببنغازي !!؟؟؟.
(4) لا يعني وصفنا لكل من شارك بالإنقلاب بأنه مغفل بالضرورة أنه عديم الوطنية أو أنه لم يشارك في الإنقلاب بدوافع وأفكار وعواطف وطنية أو قومية ولكنها بلا شك كانت افكار وعواطف سذاجة وغير ناضجة ! .. ثم أن القذافي بالفعل قد إستغفلهم وإستغلهم حتى وصل بهم الى السلطة ثم تخلص منهم واحدا واحدا ولم يبق ِ منهم معه الا من لايشكل وجوده أي خطر عليه ثم هاهو يريد اليوم توريث هذه السلطة وهذه الدولة التي قام الإنقلابيون بالإستيلاء عليها لأولاده من بعده لا لهم ! .. اليس في هذا إستغفال ما بعده إستغفال !؟

تعليقات القراء

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة
 

libyaalmostakbal@yahoo.com