23/08/2008

أسباب وشروط  نهضتنا المنشودة !؟
- بحث في شروط النهضة  -
 
بقلم: سليم نصر الرقعي

أرشيف الكاتب


(1) الفهم الدقيق لأحكام الشارع ولحقائق الواقع الإنساني والإجتماعي
 
والفهم أو الفقه درجة رفيعة من العلم .. فهو لا يعني فقط مجرد حفظ المعلومات والآيات والمقولات والأحكام في الحافظة والقدرة على إسترجاعها من الذاكرة وتذكير الناس بها وإسماعها لهم بل يتعدى الحال مجرد العلم والمعرفة إلى الفهم الدقيق والفقه العميق للمسائل والموضوعات والمقولات والتوجيهات والأحكام الشرعيه .. فالعلم بالحكم الشرعي شئ وفهم حقيقة وطبيعة هذا الحكم ومقصده شئ آخر .. حيث فقه الأحكام أو فقه الشريعة بوجه عام يتعدى معرفة وحفظ الأحكام والعلم بها إلى فهم أسباب هذه الأحكام ومقاصدها وحكمتها وعلتها وإرتباط  بعضها ببعض ! .. وكذلك فيما يخص فقه الواقع .. فهو يتعدى عملية العلم بالوقائع والأحداث والعلم بتصرفات البشر ومعاملاتهم وعلاقاتهم وبملاحظة الظواهر الإجتماعية والإنسانية إلى عملية إستنباط  حقائقها وأسبابها ومعرفة مطالب وإمكانات وحقائق هذا الواقع والقواعد والقوانين الفطرية التي تحكم حركة هذا الواقع الفردي والمجتمعي بمظاهره الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والحضاريه ... إلخ .. فبلا حصول هذا الفهم الدقيق لحقائق الشريعه الربانية ولحقائق الطبيعة الإنسانية ولحقائق الواقع البشري المعاصر والمعاش لا يمكن حصول النهضة ! .
 
(2) الإيمان العميق بالله ورسوله واليوم الآخر
 
أي الإيمان الصحيح العميق الذي يصل إلى درجة اليقين والذي تتولد عنه (رقابة دائمة وصارمة) في الضمير على أفعال وأحوال الشخص بل وعلى مشاعره الوجدانيه وأفكاره الذهنيه ! .. والذي يتولد عنه أيضا ً تعلق وجداني عميق ودائم ومطلق بالله وحده خوفا ً وطمعا ً ومحبة ً وإجلالا ً لمقامه العظيم وإرادة ً لوجهه الكريم ومحبة لرسوله وتوقيره ورجاءا ً لليوم الآخر .. فبدون مثل هذا الإيمان الصحيح والعميق بالله ورسوله وباليوم الآخر لايمكن حدوث النهضة في بلداننا المسلمة ! .. ولغرس هذا الإيمان الصحيح والعميق وفضلا ً عن رسالة المسجد في هذا الخصوص يمكن تشكيل (مجالس ومحاضن إيمانية) يترعرع فيها الإيمان من خلال جلسات الفكر والذكر  والتأمل في خلق الله  وبرامج لتقوية وتغذية الإيمان بصورة مستمرة  التي يشرف عليها (علماء ودعاة مربون) ويمكن هنا الإستفادة من تجربة (طرق التربية الصوفية الإيمانية الروحية) السنية بعد تنقيحها من كل الشوائب الضاره وكل ما يعكر صفو إخلاص التوحيد لله  في العقيده والشهادة والعباده ! .. بل إنني أذهب هنا إلى ضرورة الإستفادة من تجربة علاقة (المبتدئ السالك) بـ(الشيخ المربي العارف) التي ميزت التجربه الصوفيه  فمن لا شيخ عارف ومربي ٍ له – خصوصا ً في هذا العصر – يساعده ويسانده على المضي في طريق السالكين والعابدين لله الواحد ألأحد بدون غلو وتنطع ومخالفات شرعية  فهو بلا شك على خطر عظيم مثلي !  .. وبدون هذا الإيمان الصحيح والعميق بالله والرسول واليوم الآخر فلا نهضة ولا عزة للمسلمين ! .. فعلى الأقل لابد أن يكون هذا هو حال قادة المجتمع .. قادة الفكر والسياسة والدولة وائمة الدين وإلا  فكيف للأمة أن تنهض!؟
 
(3) الأخلاق الرفيعه
 
وعلى رأس هذه الأخلاق : الصدق والأمانة .. والحلم والصبر .. والرفق بالخلق .. ومن أجل نشر وتوطين وتعميق هذه الأخلاق – فضلا ً عن دور الأسرة والمدرسة في التربية - يمكن أن تقام  في المجتمع (جمعيات تربوية) لغرس وتوطيد هذه الأخلاق في نفوس النشأ ونشرها بين الناس عموما ً والترويج لها في المجتمع بصورة مستمرة ومتكررة  وبكل الوسائل المفيدة وحبذا لو كانت هذه (الجمعيات) المهتمة بزراعة وتنمية ونشر الأخلاق في المجتمع على نمط  (الحركة الكشفية) ولكن بطريقة ذات طابع إسلامي – غير مسيس - وقد كنت في شبابي وضعت تصورا ً في كراسة خاصة لهكذا جمعية  تركز على الأخلاق وأطلقت عليها إسم (جمعية الأمانة) أو (حركة الأمناء) وتصورت أنها تكون (جمعية حركية) كالحركة الكشفية بحيث يكون لها فرع في كل مدينة ! .. ولكن كان تنفيذ مثل هذا المشروع في تلك الأيام مستحيلا ً في ظل نظام شمولي مستبد كنظام (الأخ العقيد) القذافي حيث لايزال تشكيل جمعيات مدنية ومؤسسات أهلية مستقلة بالكامل عن الدولة والسلطة في ليبيا تواجهه الكثير من الصعوبات ولائحة طويلة من التعقيدات والممنوعات (!!؟؟) إذ أن من طبيعة النظم الشمولية المستبدة الإستحواذ على المجتمع المدني ووضع يدها على كل شئ فيه وتدجين كل شئ في الدولة والمجتمع الأهلي لخدمة أغراض السلطة وتمجيد قيادة وفكر الدولة!!! .. فالأخلاق شأنها عظيم وأي شأن والتدين وحده لا يكفي ولا يحقق الأمل ولا يشفي من العلل مالم  يتصف هذا (المتدين) سواء أكان فردا ً أو جماعة ً أو مجتمعا ً بالأخلاق الحميده والخصال الطيبه وعلى رأسها الصدق والأمانة والحلم والصبر والرفق بالناس ! .. فكم من متدين سيئ الطباع والأخلاق إلى درجة أن النبي – صلى الله وعليه وسلم – لما قيل له عن إمرأة تصلي وتصوم ولكنها تؤذي جيرانها قال: (هي في النار) !!.. وقد قال الشاعر عن أهمية الأخلاق:
 
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا !
 
فبدون شيوع هذه الأخلاق في مجتمعنا فلا نهضة ولا نجاح ولا فلاح .. ولذلك قال (أحمد شوقي) في بيان خطورة وضرورة الأخلاق:
 
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم ** فاقم عليهم مآتم وعويلا
 
(4) إتقان وإحسان العمل
 
سواء أكان هذا (العمل) عملا ً دينيا ً وخيريا ً كالعبادات وأعمال البر والإحسان الخيريه أو الدعوة والتبليغ والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في سبيل الله .. أو كان هذا (العمل) عملا ً دنيويا ً كالأعمال والوظائف الإداراية والحرفيه والمهنيه والتجاريه والخدميه والإنتاجية كالزراعة والصناعة والتقنية والبحث العلمي وغيرها ففي كلتا الحالتين وفي كلا الصنفين من (العمل) فإن الإتقان والإحسان فيهما مطلوب شرعا ً .. فالله تعالى يحب الإحسان والإتقان في كل شئ  ويحب المحسنين ويحب إذا عمل المؤمن عملا ً – دينيا ً أو دنيويا – أن يتقنه وأن يؤديه على أكمل وجوه الإحسان ودرجات الإتقان بقدر الإمكان !.. فبدون أن نتعلم فن الإتقان ونتعود عليه ودون الأخذ بأسباب إتقان أعمالنا الدينية والدنيوية فمن أين لنا بالنهوض من كبوتنا !؟.
 
(5) شيوع روح التضامن الإجتماعي في الأمه
 
 بمعنى شيوع خصال التراحم في المجتمع وإنتشار خصال التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق  والتواصي بالصبر والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر  .. وكذلك خصال الشورى والتشاور والتعارف والتحاور .. فهذه الخصال جميعا ً تقوي المجتمع وتعزز تماسكه ولحمته الإجتماعية والوطنية وتنقيه وتحميه من الآفات المدمرة ومن شر الأخلاق والعادات السيئة فهذه الأعمال والخصال بمثابة (جهاز المناعة) في المجتمع وبدونها يخر المجتمع صريعا ً أمام كل داء ! ... ويمكن في عصرنا هذا أن يتم نشر مثل هذه الخصال وممارسة مثل هذه الأعمال الإجتماعية التضامنية التعاونية العامة في صورة (جمعيات) و(مؤسسات) خيريه كما ذكرنا في شأن الترويج للفضيله والأخلاق الحميده بشكل جماعي وحركي منظم في النقطة الخاصة بشرط الإخلاق الرفيعه .. ودون هذا فكيف يمكن تصور النهوض !!!؟؟.
 
أما بعد
فهذه هي أهم العوامل والأسباب اللازمة  - من وجهة نظري وحسب قراءاتي وتأملاتي-  لتحقيق  النهضة والنجاح والنصر  والقوة والعزة سواء لمجتمعنا الليبي المسلم أو لأمتنا العربية والمسلمة  .. والله من وراء القصد والسلام عليكم.
 
سليم نصر الرقعي
22/8/2008 

تعليقات القراء

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة
 

libyaalmostakbal@yahoo.com