لاشك أن التنازلات الكثيرة والمريرة التي قدمها العقيد
القذافي لأمريكا والغرب خلال الفترة الأخيرة بداية ً بتسليم (المقرحي)
للغرب وإنتهاءا ً بإطلاق سراح البلغاريات أثرت كثيرا ً سلبيا ً في
سمعته وصورته لدى شعبه وفي المحيط العربي والإسلامي ! .. هذه التنازلات
والتي وصفها الكثير من العرب والليبيين بأنها (إنبطاحات) فاضحة من
العيار الثقيل خصوصا ً تسليم المعدات والمعلومات المتعلقة بطموح
القذافي في إمتلاك أسلحة دمار شامل لأمريكا عقب القبض على صدام حسين
بخمسة أيام !! .. مما جعل القذافي في ليبيا وخارجها موضوعا ً للسخرية
والنكات والكاريكتيرات الساخرة ! .. خصوصا ً وأن العقيد القذافي ومنذ
مجيئه للسلطة على ظهر دبابة حاول أن يصور نفسه للشعب الليبي وللعرب
قاطبة بأنه (صقر العرب الأوحد) والرجل العنيد الذي لا يقهر ! .. وكان
طبعا ً في هذه الدعوى والإدعاء يستثمر (هامش الحركة والمناورة) الذي
توفره له ولغيره ظروف الحرب الباردة والتوازن الدولي بين المعسكريين (الغربي
والشرقي) حيث كان الإتحاد السوفيتي (الدب الأحمر) يوفر له ولنظامه نوعا
ً من الحماية الدولية ولكن بسقوط هذا الظهير الحامي ثم وبإحتلال أمريكا
للعراق وإسقاط نظام طالبان وصدام بالقوة فهم القذافي أن العالم تغير
وأن نهج (ريغان) – العصا الغليظة – بات هو المسيطر على الإدارة
الإمريكية فشعر بالفزع وبادر على الفور بأخذ وضع (الإنبطاح) مبررا َ
ذلك بعدة مبررات غير مقبولة بالنسبة للشارع العربي ومنها أن هذا (الإنحناء)
وهذا (التصرف الإنبطاحي) هو تصرف تكتيكي ذكي ينم على الحكمة والدهاء !
.. وإذا كان (الساسة) وخصوصا ً الغربييون قد يتفهمون هذا التصرف
الخضوعي بالفعل على أنه تصرف حكيم وذكي لمن يريد أن يبقى في السلطة
ويحافظ على نظامه من مصير كمصير طالبان أو صدام حسين إلا أن الشعب
الليبي والشعوب العربية والمسلمة رأت فيه نوعا من الخضوع والذلة
والإنصياع بل والإنبطاح وإتخذت من موقف القذافي هذا موضوعا ً للتسلية
والسخرية إلى يومنا هذا ! .... والعقيد القذافي يدرك أن هذه التشوهات
الكبيرة التي ألحقت بسمعته وصورته نتيجة هذه التنازلات الكبيرة
والمريرة التي قدمها لأمريكا والغرب هي (الثمن الضروري) الذي لابد له
أن يدفعه للحصول على رضا الغرب وأمريكا (العم سام) عنه وهي (القنطرة
المليئة بالوحل) التي لابد أن يعبرها زحفا ً على بطنه للوصول إلى بر
الأمان في علاقته مع (أسياد العالم !) وهي (الضريبة المعنوية والمادية
الباهضة) التي عليه أن يدفعها من (جيب الشعب الليبي) من أجل التكفير عن
العمليات الإرهابية التي إرتكبها في حق مواطنين غربيين من ذوي الدم
الأزرق الغالي الثمن ! .. ولذلك فهو مضي في هذا الطريق المرير غير مبال
بما يقوله عنه الشعب أو العرب فدفع الثمن الباهض – ثمن فاتورة حساب
الماضي – وزحف على بطنه عبر (الممر الموحل الوسخ )(ممر التكفير عن
الذنب !) حتى وصل إلى آخره وقد نال رضا (العم سام) ! ..... وهو اليوم
وبعد إن إنتهى من عملية دفع الثمن الباهض – من جيب الشعب الليبي –
مليارات الدولارات !؟ - ومن عملية الزحف على البطن في (الممر الوسخ)
نجده بصدد البدء في عملية تنظيف الذات وتنظيف الصورة وتحسين السمعة بعد
أن لحق بها ما لحق من ضرر فادح ! .. أي بصدد محاولة تنظيف ملابسه
الخارجية أو إستبدالها بثياب جديدة كي تختفي تلك الأوساخ والقاذورات
التي إلتصقت به وبثيابه أثناء أخذ وضع الإنبطاح والزحف عبر (الممر
الوسخ) نحو الرضى الإمريكي ! .. أي بصدد محاولة تعديل وتجميل (الصورة)
من جديد شعبيا ً وعربيا ً بعد كل ما ألحق بها سابقا ً من تشوهات بشعة
خلال مرحلة (دفع الحساب) الكبير والمرير ! .. ولذلك فالقذافي ونظامه
يحتاج خلال هذه المرحلة إلى (نصر) ما (؟) .. نصر إعلامي كبير بصورة من
الصور .. يعيد إليه (الصورة المضخمة) القديمة و(الهالة) القديمة التي
إصطنعها لنفسه من خلال آلته الدعائية والإعلامية في الداخل والخارج وهي
صورة (البطل الوطني والقومي) و(الصقر الأوحد) وصورة (المنتصر) الذي
لابد أن ينتصر دائما ً في نهاية المطاف ويكون هو صاحب (الضربة الأخيرة
والكبيرة)!!! .. ولكن القذافي لايستطيع أن يحقق هذا النصر بجهده
وبجداره ولذلك ليس لديه من سلاح سوى (سلاح النفط) وورقة (المصالح
الغربية) والمنافسات الغربية على ليبيا !! .. وهو سيستخدمها من ثم في (شراء)
هذا النصر الإعلامي الدعائي القادم الذي سيحاول من خلاله إستعادة صورة
(البطل) و(المنتصر) ! .. وكذلك فإن بعض الدول الغربية لها مصالحها
الإقتصادية والأمنية (الإستراتيجية) مع نظام القذافي أو (آل القذافي)
في ليبيا ولذلك ستجد نفسها وللحفاظ على هذه (المصالح الحيوية الضخمة)
مضطرة ً – بدافع المصلحة - إلى أن تساهم بشكل ما – وبسهم ما - على
إعادة تأهيل هذا النظام بل والعمل على تعديل وتجميل صورته داخليا ً
أمام شعبه وتقوية موقفه المعنوي والسياسي وتعزيز مشروعيته بعد أن شاركت
في مرحلة سابقة في إذلاله وإضعافه ومحاصرته بغرض تأديبه ومعاقبته ! ..
وتكون عملية تحسين الصورة هذه عن طريق إعطاء (القذافي) بعض (الجوائز
والمكافآت) مقابل (حسن السيرة والسلوك) بعد مرحلة التعديل وإعادة
التأهيل .. هذه (الجوائز والمكافآت) التي تعمل على تجميل صورته إعلاميا
ً ودعائيا ً ! .. هذه (الجوائز والمكافآت) التي مابرح القذافي يصرخ ليل
نهار في وجه الغرب وهو يطالب بها متذمرا ً كمقابل (الخدمات الكبيرة)
و(التنازلات المريرة) التي قدمها للغرب خلال مرحلة الإنبطاح والعبور من
(الممر الوسخ) تكفيرا ً عن ذنوب الماضي ! .. وأعتقد أن الجائزة التي
يحلم ويطمع بها (القذافي/النظام) والتي يرى أنها ستشكل بالنسبة له (نصرا
ً إعلاميا وسياسيا ً) يستعرض بها نفسه إعلاميا ًأمام الشعب وأمام العرب
لسنين طوال تتمثل في مايلي:
1- هدية من
إيطاليا : تتمثل في التعويضات الإيطالية عن سنين الإحتلال الغاشم
لليبيا .. وستكون في صورة إقامة شبكة طرق على إمتداد ليبيا ونزع
الألغام ومشروعات طبية وترفيهة ومجهودات فنية في محاربة الهجرة غير
الشرعية تكلف إيطاليا بضعة (مليارات الدولارات) .. والتي يعرف العارفون
بخبايا السياسة والإقتصاد أن إيطاليا ستقبض بالشمال ما ستدفعه باليمين
وزيادة ! .. حيث أنها ستحصل مقابل هذا (النصر الإعلامي) الذي ستعطيه
لحليفها الأساسي في ليبيا وشريكها التجاري العربي رقم (1) ( العقيد
معمر القذافي) صفقات تجارية ومشروعات إستثمارية ضخمة طويلة الأمد في
ليبيا تجعلها تسترد ما دفعته كتعويضات أضعافا مضاعفة في بضع سنين ! ..
ولا ننسى أن إيطاليا دولة ثرية وأن ميزانيتها تساوي ميزانية الدول
العربية مجتمعة !!!؟؟؟ وبالتالي فدفع بضعة مليارات الدولارات كتعويضات
لليبيا لايشكل أمرا ً موجعا ً بالنسبة لها فكيف وهي تعلم مسبقا ً بأنها
ستسترجع ما دفعته باليمن بالشمال بل أضعافا ً مضاعفة !!؟؟.
2- هدية من
أمريكا : وتتمثل في تعويضات تقدمها أمريكا لأهالي ضحايا الغارة
الإمريكية على ليبيا عام 1986 ولكن لن تصل طبعا ً إلى قيمة التعويضات
التي دفعها القذافي من جيب الشعب الليبي عن ضحايا طائرة لكوربي والملهى
الليلي !.
3- هدية من
بريطانيا : وتتمثل – ربما – في إطلاق سراح المقرحي بدعوى عدم كفاية
الأدلة إذا أمكن إعادة محاكمته من جديد أو – على الأقل – تسليمه لليبيا
تحت ستار إتفاقية تبادل السجناء بدعوى أنه سيقضي بقية (محكوميته) في
سجن ببلده حيث سيقام إحتفال كبير لإستقباله ويعتبر النظام هذا الأمر
نصرا ً تاريخيا ً يؤكد براءة النظام من جريمة لكوربي وأن ... وأن
........ ثم يتم حجز المقرحي – صوريا ً - في (فيلا) بمعسكر من
المعسكرات بدعوى حمايته أو لإستكمال مدة (محكوميته) فيما يشبه (الإقامة
الجبرية) بينما بعيدا ً عن الأضواء يتصرف (المقرحي) بحرية في حياته
الإجتماعية إلى أن تتم مدة الحكم ! ... وهذا النصر ستقدمه بريطانيا –
بموافقة – إمريكية بشرط أن لا تطالب ليبيا بإسترجاع التعويضات في حالة
إطلاق سراح المقرحي بحكم محكمة ! . إلا أن تسليم المقرحي لليبيا لقضاء
بقية فترة الحكم في ليبيا هو الإحتمال الأكبر من إحتمال إطلاق سراحه !.
وهكذا – وبهذا النصر الإعلامي – الذي ستقدمه للقذافي
بعض الدول الغربية المرتبطة معه بمصالح إقتصادية وأمنية وحيوية سيحاول
النظام تحسبن سمعته وتجميل صورته داخليا ً وإقليميا ً بعد أن تلوثت
سمعته وتشوهت صورته كثيرا ً في الفترة الأخيرة لكثرة التنازلات المريرة
والإنبطاحات الكبيرة التي قدمها للغرب ولأمريكا والتي فرضت عليه فضلا ً
عن دفع فاتورة الحساب والثمن الباهض المادي – بمليارات الدولارات - من
جيب الشعب الليبي كتعويضات عن جرائم تفجير الطائرة الإمريكية (لكوربي)
والطائرة الفرنسية وتفجير ملهى ليلي بألمانيا يرتاده جنود إمريكيون
أجبرته على الزحف على بطنه عبر (الممر الوسخ) نحو نيل رضا (العام سام)
!!.
سليم نصر
الرقعي
مقالات سابقة للكاتب:
هذه
مصالحة ! .. أم مسرحية سخيفة !!؟
لماذا تم التعجيل بخطاب سيف هذا العام !!؟؟
تعليقات القراء
عبدالسلأم: هل
تعلم اخي ان العقيد المعقد ينوي توقيع هذه المعاهدة مع السيد برلسكوني
في قصر المنارة فى مدينة بنغازي وذلك لتكون لحضته التاريخية وذلك
باعتبار مالهذا القصر من خصوصية لدى الليبيين لعلى اهمها الأعلأن
التاريخي لأستقلأل ليبيا من قبل الملك المعظم ادريس السنوسي رحمه الله.
ahmed - bejing: مع احترامنا للكاتب
القدافي سيمول كل التعويضات كما قي البلغلريات, الرؤساء في الغرب
وامريكا لايمكن لهم التعهد باي مبالغ مالية لاي دولة الا بعد الرجوع
لبرلمانتهم وهدا لم يحدث مع ليبيا , ليبيا ستدفع وشركلتهم تنفد ومقابل
دلك السكوت على التوريث, والقدافي لايستحي حتى لو كلف اموال ليبيا كلها
وهو امن الاسرة الفاشية.
Libyan brother in exile:
Brother Saleem... Most of your article analyses are correct and was
expected earlier than later.
|