21/07/2008
 

واقع وجذور الليبرالية العربية
 
بقلم: وليد خليفة ـ باريس

 
في المساحة الضيقة بين أحلام سقطت وأحلام في طريقها إلى الهاوية يشتغل الليبراليون العرب على هموم مجتمعاتهم التي استنفذت كافة وسائل التغيير نحو الأفضل، وكأن الانكسار ميزة ولازمة تاريخية لِ و بهذه الشعوب.
 
بعد أن انتقلت راية الثورة الشعبية من سواعد اليساريين المتكسرة بفعل سقوط الأخ الروسي الأحمر في حربه الباردة مع أمريكا وغرب أوروبا إلى أيادي الجهاديين الذين انطلقوا من أكثر تجمعات العالم فقرا وبؤساً، لدك أحد أكثر رموز الرأسمالية شراسة في 11 سبتمبر 2001، وانتقلت بها ومعها ملكية الحقوق الفكرية وحصريتها عربيا إلى أصحاب اللحية والزي الأفغاني، لتختصر مسافات الانتقال من يدٍ كانت تعتبر الليبرالية أحد ألد أعدائها التاريخيين إلى أيادٍ جديدة تزاود في معاداتها لليبرالية تحت لواء استعادة الماضي لمواجهة حاضر الكفر ومنتجاته وفي مقدمها نتاجه الفكري المناقض لفلسفتها بحكم تخاصم المسارات ونقط الالتقاء.
 
في تلك المساحة الضيقة اللاممكنة يترجح الليبراليون العرب في أطروحاتهم التي لا تملك وقع العبارات السحرية لكلٍ من السلفية اليسارية الراحلة والسلفية الدينية التي وصلت أوج الانتحار في اختبارها التاريخي لتحقيق حضورها، فتتخبط ذات اليمين وذات اليسار علها تجد مخرجاً لأجداد عبروا، ولكن يصطدم بحثها بخذلان الأجداد فلا طه حسين يسعف الذاكرة الليبرالية ولا موسى سلامة ولا لويس عوض بقادر، فكل العابرون يفتقدون شفافية الفكرة ونقائها الواجب كشرط لامتدادها داخل المعنى والمضمون من جهة ومن جهة أخرى نحو الانتشار والتجذر في الشارع كضرورة حياتية لها ولهذه المجتمعات.
 
تضيق مساحات اشتغال الليبراليين على مناقشة الفكرة لترتكن في الغرف المغلقة داخل جامعات أو مقالات صحفية أو برامج تلفزيونية سرعان ما يتم تهميشها شعبيا لترتهن تماما للزوايا الضيقة بين الصحب المهمومين بقضايا العصر ، فيما تمضي بعض شكليات الفكرة متغلغلة داخل البنى المجتمعية تحت مسمى تقليد الغرب بعيدا عن التأثر بفكره، حتى أنها وجدت ضالتها مع أكثر قيعان التحليل المعتمد على أصولية الدين وتطرفها في زي أوروبي كما حال الداعية "عمرو خالد" الذي يصنف عربيا كممثل لليبرالية الدينية العربية الصاعدة، فيما الحقائق تشير إلى كونه نتاج لارتباك الفكرة وآلام ولادتها كنسق فكري وحياتي مجتمعي بعيدا عن تأدلجها كما حال السابقَين الذين ما زالت بقاياهم تعارك موتها " القوميين العرب والناصريين والشيوعيين والجهاديين".
 
لم تجد الليبرالية في الواقع العربي إلا بعض الكوى الضيقة ولكنها لم تعدم في طريقها لهذه الفتوحات بعض الرموز التي تتكئ عليها في درب المخاض ، فأول الجدران التي تصطدم بها ،الغربة ، القادمة من اكتشافها المتأخر لنفسها في تربة لا تقبل بها "غياب الجذر الاجتماعي للفكرة"، أما أكثر آلام مخاض الليبرالية العربية ونقاط ضعفها فتتمثل في الحامل الاجتماعي للفكرة، إذ لم تستطع حتى الآن جذب إلا القليل من اليساريين المتحولين بحكم الظروف نحو بديل حلمي، وبعض بقايا الأحزاب البرجوازية المدينية الهشة عربيا، ولم يستطيعوا حتى الآن صياغة خطوات هادئة لحراكهم بسبب جذورهم الاجتماعية والتجربة السياسية لهذه الحوامل فتسيطر الأشكال القومية واليسارية على مفاهيم معظم مؤيدي وحاملي فكرة الليبرالية الجديدة مما يضعف من قدرتها على تخطي عقبات الحضور الأولي وهذا ما يتوضح في تجربة أكثر من تجمع ليبرالي في مصر وسوريا.
 
لم يبق من أمل للفكرة وحضورها وضروراتها إلا الوسائل التي هي في صلب إنتاجها كما هو الانترنت والفضائيات والإذاعات وهذا ما انتبهت له جماعات الليبراليين الجدد وسيضاف إلى حضورهم الخجول أكثر من منبر ليؤكدوا بذلك حضورهم وضرورتهم في مسرح الأيام القادمة.
 
* سبق نشر المقال بصحيفة "السياسي"
 

مقالات سابقة للكاتب:
 
  وديعة إيران وموسم القطاف الأمريكي
  فيلم إسرائيلي طويل وقاتل وأبطاله قادة الممانعة

 


 

تعليقـــــــــــات القراء


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة