27/04/2008 |
|
||||||||||
|
|
|||||||||||
|
|||||||||||
بسم الله الرحمن الرحيمأثناء قيامي بتصنيف كتاب (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) كانت هناك تعليقات ترد من داخل الوطن ومن خارجه مفادها أن الخوض في سيرة مؤسس الحركة السنوسية وأبنائه وأحفاده وأتباع هذه الحركة دونما التعرض للبعد العقدي لديهم لهو من قبيل التجاوز غير الموضوعي لدراسة تاريخ هذه الدعوة الإسلامية التي نشأت في مكة وازدهرت في ليبيا خلال القرن الثالث عشر الهجري – التاسع عشر الميلادي. وقد حاولت جهدي أن أوصل فكرة مؤسس الحركة الإمام (محمد بن علي السنوسي الحسني) وأبرز شخصياتها من بعده متمثلة في الإمام (محمد المهدي السنوسي) والإمام المجاهد (أحمد الشريف السنوسي) وأن هذه المدرسة قد بنت لبناتها الأولى على علم شرعي رصين تمثل في تلقي الإمام السنوسي الكبير العلوم الشرعية على أيدي أكابر علماء المغرب العربي من جامع القرويين بفاس غرباً مروراً بجامع الزيتونة والأزهر الشريف وانتهاءً بمكة وشيوخها أواخر عام 1241 هجري – 1826 ميلادي. ثم الإجازة العظمى التي حصل عليها الإمام (محمد بن علي السنوسي) من شيخه الحبر العلامة إمام وقته و حجة عصره الإمام (أحمد بن إدريس الحسيني) وذلك بعد ملازمته له بمكة المكرمة وأخذ العلم الشرعي عنه وانقطاعه إليه إنقطاعاً فكرياً وروحياً ً... وقبل مغادرته إلى اليمن صارح السيد (أحمد بن إدريس) كافّة أتباعه وتلاميذه بأنه خلف عنه تلميذه الوقور السيد (محمد بن علي السنوسي) وأنابه عنه في حالة حضوره وغيابه وموته وحياته .. وصار يقول لهم: ابن السنوسي أنا وأنا ابن السنوسي فمن تبعه تبعنا ومن خالفه خالفنا .. وقد رجع الإمام السنوسي إلى ليبيا بهذه المرجعية العلمية الشرعية والإجازة التي تشرف بها ليبذل هذا العلم وفنونه في ربوع برقة وطرابلس التي أحبها ونال القبول عند أهلها ..التاريخ يُعيد نفسهلم أعي مراد المطالبين بالتعرض للبعد العقدي لدى السنوسيين هل هو من قبيل الإستفهام والعلم بالشيء?!. أم أن هناك مدرسة فكرية قديمة جديدة وصفها الشيخ (محمد الغزالي) بقوله "خوارج القرن العشرين" كانت عبارة الشيخ الغزالي شديد وقعها عسير هضمها .. ومعروف عن الغزالي تمسكه بمنهج الوسطية ونفوره من مدرسة التكفير والتبديع وإقصاء الآخر بأدنى شبهة ..خاصة إن صدر الحكم من أنصاف علماء أو أشباههم !! ولكني عندما كنت أقرأ مقالات تطعن في عقيدة أبناء الحركة السنوسية .. وقد اختار أحد الطاعنين في أيمان أبناء الحركة السنوسية عنوان "الدرر البهـية في بيان ضلال عـقائد الفرقة السنوسية" ظهرت هذه التجنيات في موقع "ليبيا وطننا" وبعد ذلك وصلني تعليق من أحد القراء ينقل تأثره البالغ بما نقل صاحب هذا المقال من أدلة دامغة على ضلال الفرقة السنوسية خاصة وقد ساق نصوصاً من بعض أدبيات كتب الإمام محمد بن علي السنوسي . أقول ... إذا كان الإمام (علي بن أبي طالب) كرم الله وجهه لم يسلم من أصحاب مدرسة الفكر الخارجي .. فقد انبعث أشقاهم "عبد الرحمن بن ملجم" ليطعن الإمام علي من الخلف بحجة أنه حَكَّمَ الرجال في دين الله ومن ثَمَّ حكموا عليه بالكفر .. وإذا كان العلم مدينة فعليٌ بابها كما أخبر بذلك رسولنا عليه الصلاة والسلام .. ومع ذلك لم يسلم الإمام علي من غلو الفكر الخارجي وانحرافه ..فهل يسلم منهم أحفاده من الحسنيين أو الحسينيين ؟!ولما كان ابن السنوسي الحسني هو أقرب تلميذ للإمام (أحمد بن إدريس الحسني) فإني أنتقل بالقارئ الحصيف إلى حادثة فريدة وقعت للإمام الإدريسي عندما هاجر من مكة إلى اليمن ..فقد كانت هناك الدعوة الوهابية على أشدها .. وقد تعرض الإمام "بن إدريس" لهجوم سافر من قبل أشباه المتعلمين !! والذين أخذوا يطعنون في عقيدة الإمام و ينسفون مدرسته الفقهية .. فكان أن قام أتباع محمد بن عبد الوهاب بالتحريض السياسي ضد الإمام الإدريسي .. واتهامه بالزيغ و الضلال والانحراف العقدي ... وقد سجل لنا أحد تلاميذ الإدريسي "مناظرة تاريخية نادرة" وهو السيد حسن بن عبد الله بن عاكش .. كانت هذه المناظرة الفقهية النادرة عام 1245 هجري – 1829 – ميلادي. وقد قامت جامعة الإمام (محمد بن سعود) بنشرها في بداية تأسيسها .. وأترك لكم فرصة الإطلاع على حيثيات المناظرة من سجل مخطوطات الإخوان الأدارسة في الحجاز ... على أمل أن يستقي منها – أصحاب الفكر الجامد على الظاهر من النصوص – عبرة يعيدون من خلالها نظرتهم لتاريخ الحركة الإسلامية في ليبيا وعقيدة مؤسسها الإمام (السنوسي الكبير).مناظرة فقهية تاريخية نادرة بين الفكر الوسطي والفكر الخارجي الإقصائي((أحببت هنا أن أنقل من دوحة الصفا مناظرة قطب دائرة التقديس السيد أحمد بن إدريس الحسني الشهير وهو شيخ السيد محمد بن على السنوسي الحسني مع الوهابية عند بداية ظهورها.. وكان السيد احمد بن إدريس وقتها في قرية صبيا باليمن ((اليوم بجنوب المملكة)) وقد انتقل إليها السيد احمد من مكة.يقول الفقير إلى مولاه تعالى، حسن بن أحمد بن عبد الله بن عاكش غفر الله له:الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وآله المطهرين، وصحبه أجمعين وبعد فقد سألني الأخ العلامة الصديق الفهامة الجليل، المحقق النبيل: عز الإسلام، ونور حدقة الأنام محمد بن شيخنا الشريف عبد الرحمن بن سليمان الأهدل، مد الله أيامه؛ أن أشرح له صورة المناظرة التي وقعت في شهر جمادى الثانية سنة 1245هـ بين شيخنا الرباني العارف بالله، الجامع بين علمي الشريعة والحقيقة (سيدي أحمد بن إدريس الحسني المغربي) وبين الفقيه ناصر الكبيبي الجوني وبعض فقهاء عسير؛ وهم عبد الله بن سرور اليامي، وعباس بن محمد الرفيدي، إذ كنت حاضراً في ذلك الوقت، وأنا أسبح في ذلك البحر، بسبب ما ساعد البخت، وذلك أن الله تعالى قد من علينا بقدوم شيخنا المشار إليه لبلدة صبياً في تلك المدة في شعبان سنة 1244 وكان ذلك من أجل نعم الله على هذا القطر، وكانت صبيا في تلك المدة تحت حكم الأمير على بن مجثل، فاختارها الأستاذ للإقامة، وقد أجرى عليه الأمير الكفاية، وكان له في ذلك الشرف الأصيل، والذكر الجميل ولما استقر صار كمية للقاصدين وهرع الناس إليه من كل فج، في كل وقت وحين، حتى كانت صبياً تضئ بالأنوار أيامها، وتنشر على سائر البقاع أعلامها ولله در القائل:وإذا نظرت إلى البقاع وجدتها *** تشقى كما يشقى الرجال وتسعدكان يحضر لديه جماعة من علماء تهامة، وكنت أنا من جملتهم، وله في اليوم مجلسان مجلس بعد الإشراق حتى يتعالى النهار، ومجلس بعد العصر حتى وقت المغرب، وكان يحضر في ذلك الوقت أمم من الناس فينثر عليهم درر الفوائد في البكور والآصال، على قدر مقام السائلين، ويعطي كل أحد جوابه على قدر مداركه، بحسن عبارة لها الجمادات تلين.وكان الفقيه عبد الله بن سرور مقيماً في صبيا، ويحضر مجلسه في غالب الأوقات وينفر طبعه مما يسمع من كلام الأستاذ الإمام، ويشمئز ثم يكثر من الأسئلة، فأتولى الجواب على سؤاله عن الحاضرين، لتخريج العبارة على وجه يقبله ذهنه، ولهذا السبب وجد المنكر على الجانب الإدريسي من الجامدين على الظاهر باباً للقيل والقال، أما أهل الدراية ومن يعرفون مصطلح السنة والكتاب، فيعرفون أن طريقته جارية على صحيح الكتاب والسنة، وفي الحقيقة إنه لم تصدر منه إلا علوم زاخرة، ومعارف باهرة لأنه من العلماء الربانيين فإني بحمد الله قد لازمته، وأخذت عنه علم الطريقة وعثرت من معارفه على زبد الحقيقة، فهو رباني هذه الأمة المحمدية، وقطب دائرة الولاية الأحمدية، التي لم يصل إلى مداها أحد من أهل عصره، ولم يتحل بحلي معارفه عالم من علماء دهره. قد خاض في بحر من العلوم بتوفيق القدير، فدع قول غيري ممن مال عنه، وخذ بقولي فلا ينبئك مثل خبير.والفقيه عبد الله بن سرور هذا ممن حفظ القرآن، ولم يتفقه إلا بشيء يسير أخذه من بعض علماء تهامة، ولم يتمكن في العلوم، حتى يميز بين المعلوم والموهوم، واتخذ بلاد عسير وطنا له، ودان بمعتقد الطائفة النجدية أي الذين هم على مذهب محمد بن عبد الوهاب في إطلاق الشرك الأكبر على جميع الأمة المحمدية، من غير تفريق بين الموحد منهم والمشرك الذي يعتقد النفع والضر في غير الله تعالى، وقد حدثت بين المتقدمين من أمرائهم وقائع مختلفة بسبب هذا الاعتقاد، حتى سالت بها سيول من الدماء، في هذا القطر التهامي. كما هو مسطر في تاريخ علماء اليمن، ومعلوم بالتواتر لمن عقل، وليس العهد ببعيد.فتلقى الفقيه عبد الله تلك الكلمات من بعض أولئك الأتباع، في مجلس أصحاب شيخنا السيد أحمد نفعنا الله به وعرضها على ما بلغ إليه علمه، فأعتقد أنها خارجة عن معتقده، وأنها ليست من العلوم التي دان بها هو وأهل بلده ومازال يراجعني فيما كان يسبح. وأرشده إلى ما يصون عرضه ودينه، فلم يذعن لنصائحي، وقد تحقق أني لا أقبل منه طعنة في شيخنا، رضي الله عنه.ومازال يصرح أن (السيد أحمد بن إدريس) يعتقد مذهب ابن العربي من الاتحاد والحلول، يعني أن الله تعالى يحل في كل صورة، ويتحد بها. وهذا كفر، وهو مذهب النصارى تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وقد كتب نسخة حصر فيها اعتراضاته على شيخنا منها اعتقاده بهذه النحلة الكفرية، وأن أصحابه يبالغون في تعظيمه بما يقرب من عبادة الخالق، من تقبيل يديه ورجليه، والخضوع الزائد له وأنهم يحملونه على السرير إلى بيته إذا خرج، ولا يرضون مشياً على الأرض إكباراً وتعظيماً، وأن هذا عين الشرك، لأنه لا يستحق التعظيم بمثل ذلك إلا الله تعالى وإن أصحابه قد أشركوا بمثل هذا الفعل، وأن إقرارهم عليه خطأ، وأنه اعتقاد مذهب ابن العربي كفر كما كفره بذلك طائفة من العلماء وأن السيد أحمد يفسر القرآن بغير ما تدل عليه اللغة العربية، مما لا تقتضيه دلالة الكلام، على اختلاف أنواعه وأنه يؤخر صلاة العصر حتى تصفر الشمس، ويصلي فريضة المغرب بقرب صلاة العشاء، بسبب تطويل الركعتين قبل صلاة المغرب وكلا الأمرين منهي عنه.ولما كتب عبد الله بن سرور هذه المسائل في رسالة. بعث بها إلى الأمير على بن مجثل فأرسلها الأمير أولاً إلى الشيخ العلامة إبراهيم بن أحمد الزمزمي، وهو من العلماء الراسخين في العلم. وبعد إطلاعه عليها أرشد الأمير إلى إعدامها وتمزيقها، وألا يصغى إلى شيء مما فيها، ويزجر مؤلفها ويمنعه من التعرض لما لم يبلغ إليه فهمه. فلم يصغ الأمير إلى كلامه، واستحسن رأي (مطاوعته) مثل الفقيه ناصر الكبيبي الذي تولى تقرير ذلك الأمر في الاعتراض واعتقد أن ذلك من نصرة الدين. حتى أدى الحال إلى أن الأمير أرسل كتاباً يخطه إلى السيد (محمد بن حسن بن خالد). عامل صبيا يشير عليه بأن من يتبع أقوال السيد أحمد بن إدريس من أصحابه يؤمر بالخروج من صبيا. ويُسَّفر إلى البلاد البعيدة. فلم يستحسن ذلك الصنع. بل راجع الأمير هو وبعض علماء الجهة في عدم استحسانه هذا الرأي. أما ناصر الكبيبي هذا فذو دعوة عريضة في العلم. وليس هو في الحقيقة كمستواه، وإنما هو ذو مكر ونفاق. وقد خدع بمكره ونفاقه من لا يدري الحقائق. ولو أنه جلس بين يدي من يرشده إلى الصواب لرجع عن تخطئة غيره ورميه بكل مكروه فلما نزل الأمير من السراة إلى أبي عريش لمحاربة الأتراك الموجودين فيه، ووصل إلى صبيا أعاد الخوض في هذه المسألة فقام ناصر الكبيبي؛ وقال للأمير أنا أقوم بمناظرة السيد أحمد بن إدريس، وأورد عليه المسائل التي نسبها إليه عبد الله بن سرور، وإلى أصحابه، وبعد استقرار الأمير بصبيا استدعى يجمع من العلماء من أهل المخلاف الموجودين بصبيا، فممن حضر من علمائهم وأعيانهم السيد يحيى بن النعمي، والسيد العلامة على بن محمد بن عقيل الحازمي، والسيد العلامة عيسى بن على، والقاضي العلامة عبد الله بن محمد السبيعي، والقاضي العلامة إسماعيل بن بشير، والسيد العلامة على بن محمد الشوش. والفاضل السيد حسن بن محمد بن عبده، والفقيه محمد بن عبده الجاوي؛ وغيرهم من فقهاء البلد. وكنت ممن دُعِيَّ إلى حضور ذلك المجلس فحضرت ولما تم اجتماع من ذكروا كافة بحضرة الأمير على طلب إحضار فقهائه. فحضر ناصر الكبيبي. وعبد الله بن سرور. وعباس بن محمد الرفيدي وقال الأمير: إني لم أجمعكم إلا لما قد علمتم ما نحن عليه من الدعوة الإسلامية وإنا قائمون في تجديد التوحيد. وهدم الشرك وهذه رسالة كتبها عبد الله بن سرور، فيها حوادث جارية مما ينافي التوحيد. ويقدم في جانب الإسلام وأهله. والمقصود إطلاعكم عليها. فإنا لا نقول ولا نفعل إلا بقول أهل العلم، فقرأت تلك الرسالة في ذلك المجتمع. وتولى قراءتها الفقيه يحيى كاتب الأمير.وبعد أن ألقاها تماماً قال الأمير: ما تقولون ؟ فبادر السيد على بالجواب وقال: هذه الأمور لم تكن صادرة من السيد أحمد. فعارضه ناصر الكبيبي قائلاً: لا تقل السيد أحمد، فإن السيد هو الله. بل قل الشريف أحمد أو أحمد ابن إدريس. فقال له قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبطه الحسن "إن ابني هذا سيد" وقال للأنصار لما أقبل سعد بن معاذ "قوموا لسيدكم"، ولفظ السيد إطلاقه في الشرع شائع لا محظور فيه.فقال الأمير ليس هذا من مقصدنا ، إنما القصد أن تتكلم يا علي. فقال على ابن محمد بن على: أنا عرفت السيد أحمد بن إدريس أيام مهاجرته في مكة سنة 1236هـ. وهو من العلماء الأكابر، ولا نظير له فيما علمنا بالأقطار الإسلامية، في معارفه في العلوم الشرعية وعلوم الحقائق، وليس يوزن بأحد من أهل هذا الزمان إلا رجحه. وقد أقر له بكمال العرفان الجهابذة من علماء الشرع الذين هم القدوة لنا في هذا الزمان. وهم مثل مشايخنا السيد عبد الرحمن بن سليمان. والقاضي عبد الرحمن بن أحمد البلهكي، صاحب بيت الفقيه ومن في طبقاتهم من علماء اليمن والشام، ومثل عالم صنعاء القاضي محمد بن على الشوكاني الذي عرفه بالمكاتبة. وأطنب في الثناء عليه، وأرشد الناس إلى الاستكثار من علومه. فقال إنها حديثة عهد بربها. فيما رأيته في خطاب له إلى السيد عبد الرحمن بن سليمان وكذا السيد الحافظ عبد الله بن محمد الأمير، وأخوه المحقق قاسم بن محمد وابن أخيه العلامة يوسف بن إبراهيم. فإذا كان مثل هؤلاء العلماء الذي تسنموا غارب الاجتهاد. وما منهم إلا وله مصنف في علوم الإسلام. وهم رضي الله عنهم أئمة نقاد. طأطئوا رؤوسهم له أدباً. وأذعنوا له فماذا يكون مثل ناصر الكبيبي !! وعبد الله اليامي !! الذين نسبتهما إليه كنسبة صبيان المكتب إلى الجهابذة من العلماء . فإنكارهما على السيد أحمد منكر ولا ينبغي لك أن تساعدهما على ذلك.فلما سمع الأمير قوله التفت إلى السيد يحيى بن محسن فقال له ما تقول أنت وهؤلاء العلماء. وكل منكم يتكلم بمفرده، ويبدي رأيه . فهذا دين ما فيه محاباة فقال السيد يحيى: هذا الأستاذ رجل كما وصفه على بن محمد ويزيد على ذلك بأنه في الدرجة مثل السيد الصادق، والسيد الباقر من أهل البيت، وأنت قد نشرتم بقدومه إلى بلادكم . والآن بهذا العمل معه تكدرون المشرب فإذا لم تريدوا أن يقيم معكم في البلاد التي تحت حكمكم، فاطلبوا منه الارتحال عنها، لأنه قد فارق أشرف البقاع بدون هذا الإزعاج، وأما فتح باب الاعتراض عليه من أمثالنا، وأمثال هؤلاء الإخوان الذي تحت خدمتكم وطاعتكم، فهو أمر لا يليق، وحيثما توجه هذا السيد الإمام لقي الإكرام وقد سبح في بحر لسنا من الذين يخوضون فيه، وما هلك من عرف قدر نفسه، بل يكون ذلك من باب اعتراض من لا يدري على من يدري، وهذا هو الجهل البسيط.وقال عبد الله السبيعي وكان في طبعه حدة أنا بحضرتكم الآن وبموافقة هؤلاء الأعلام أناظر لكم ناصر الكبيبي وعبد الله، وما اسألهما إلا عن بعض مسائل من ظواهر الشرع في باب الطهارة والمواقيت، فإن أجابا على الصواب عرفت أنهما عالمان، وحسن إطلاق (لفظ) عالم وفقيه عليهما وإن عجزا عن مناظرتي أيقنت أنهما عاجزان عن مناظرة سيدي أحمد بن إدريس، حيث إنه البحر الذي لا ينزف. وقد صوب كل الحاضرين هذا الرأي، وتكلم كل أحد عن نفسه مستحسناً ما قرره هؤلاء العلماء.فغضب عبد الله بن سرور وكان فيه طيش، وقال للأمير إن هؤلاء الناس قبل أن يصلوا إليك، تواطئوا على هذا الرأي فيما بينهم، ثم التفت إلى الجماعة وقال لهم أنتم يا علماء تهامة، ألا تغضبون لهذه المنكرات الصادرة من أصحاب السيد أحمد، وعندكم عقائد في الصالحين، تخافون من السيد أحمد ولا تخافون من الله ؟ فقال له بعض الحاضرين من العلماء إن هذا الكلام سفه، فالغضب لله تعالى يكون عند وجود المنكر، وفعل السيد معروف، وأنت قد خلطت المعروف بالمنكر، وأردت أن نساعدك عليه، وقد برأنا الله سبحانه وتعالى من أن نُرْضِي مخلوقاً فيما يغضب الخالق، أو نقر باطلاً، ولكن رأينا أن افتراء المعائب على مثل هذا السيد الإمام مما تعجل عقوبة المفتري عليه، وأما قولك إننا نخافه فهو في غير محله، لأنه لم يكن بيده سيف ولا سنان، بل إن سلاحه الذي يحارب به المعاندين والمكابرين أدلة السنة وقطعيات القرآن، وسهام الأدعية التي لا تخطئ مستحقاً وقد جاء في الحديث الصحيح "من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب" وإذا لم يكن العلماء أولياء لله فما في الدنيا ولي. ومن بارز الله تعالى بالمحاربة فقد هلك. فقال الأمير نحن مالنا في جدالكم وخصامكم شئ، وإنما نلزمكم في هذه الليلة أن تتوجهوا ومعكم ناصر الكبيبي، وعبد الله بن سرور وتعقدوا مجلس المنازلة بينهما وبين السيد أحمد بن إدريس بوجودكم، والحق أكبر من كل أحد، ولا نقر أحداً في بلادنا على الباطل، وحبل الدين متين، فتفرقوا على هذا الاتفاق من عقد مجلس المناظرة.المناظرة التاريخية النادرةولما جاء وقت الاجتماع عين الأمي وطائفة من خواصه من عسير، ليحضروا وقت المناظرة، فأقبلوا وهم يحفون بالفقيه ناصر الكبيبي، والفقيه عبد الله. ولما وصلوا إلى مكان السيد أحمد بن إدريس وجدوه جالساً على سرير وبين يديه من ذكر من علماء تهامة، وتلاميذه كافة فعند وصولهم صافحوه وحفوا بسريره من كل جانب وجلس ناصر في صدر السرير وبالجانب الشرقي محمد بن حسن بن خالد والسيد علوان بن محمد، وكثير من سادات المخلاف، وكبار بني شعبة وبالجانب الغربي عامة الناس، فلما غص المجلس بالحاضرين، تنحنح ناصر الكبيبي. وابتدأ بخطبة في الوعظ على عادة النجديين (الوهابيين) وثنى بشرح دعوة النجدي. وكان استهلال كلامه إن الناس كانوا في جاهلية يعبدون الأصنام، ويستحلون المحرمات فتجرد للدعوة محمد بن عبد الوهاب.فقال السيد أحمد صواب هذا الكلام : فبعث الله رسوله محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام لأنه هو الذي أنقذ الناس من الجهالة. وتحمل أعباء الرسالة، وشرع شرائع الإسلام، فقال الكبيبي: محمد بن عبد الوهاب مجدد الإسلام. فقال السيد أحمد إنا لا ننكر فضله، وله مقصده الصالح فيما صنع وقد أزال بدعاً وحوادث، ولكن شاب تلك الدعوة بالغلو، وكفر من يعتقد في غير الله تعالى من أهل الإسلام واستباح دماءهم وأموالهم بلا حجة فقال الكبيبي، ما فعل إلا ما هو الصواب، فقال السيد أحمد هو عالم من العلماء والعصمة مرتفعة عن غير الأنبياء، وهو يخطئ ويصيب، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وهو معفو عنه في خطئه، ولكن لا يحل لكم أن تقلدوه فيما أخطأ فيه، لأن ذلك مبلغ علمه، وما وفق له، ولم يكلفه الله إلا بذلك، وأنتم مع هذا بمعزل عن أخذ دليله، ومعرفة سبيله . فقال الكبيبي الشرك الأكبر قد عم الأقطار كلها. والناس كلهم قد رأوه. وضعف الإسلام في المشرق والمغرب. واليمن والشام. ولولا أن الشيخ محمدا جدد الإسلام. لكان الناس قد غرقوا في ظلمة الكفر . فقال السيد أحمد معاذ الله تعالى. ما كان هذا مذهب الشيخ محمد. أنا تعرفت في مكة بأولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب عبد الله وحسين وسليمان. وكذلك تعرفت بمسعود بن عبد العزيز فرأيته رجلاً عالماً. ومن ذكرتهم لك علماء يعرفون الحجة ويلتزمون اللوازم عند واضح المحجة. ولم يكن اعتقادهم ما أنت عليه. وهم بريئون مما تنسبه إليهم. وإنما أنت نشأت في بلدة أهلها عوام. وما عرفت من يرشدك إلى الصواب. بل حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء. وهذه الأمة المحمدية. ((الحكم عليها كلها في جميع الأقطار الإسلامية بالشرك الأكبر والضلال العام)). يرده صريح الأدلة، وقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن أمته نصف أهل الجنة. هذا مع ترادف القرون من لدن آدم صلوات الله عليه. إلى بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم في ألوف من السنين، وهم أمم متكاثرة، لا يعلمهم إلا رب العالمين، ومع هذا فهم نصف، وهذه الأمة المحمدية نصف، فزن كلامك بميزان الشرع، لتعرف الخطأ من الصواب، فقال ناصر هذه المشاهد والقباب الموضوعة في اليمن، ليست إلا الاعتقاد في أهلها، فقال السيد أحمد لاشك أنه وقع من كثير من العامة، ومن هو قريب منهم من الخاصة شئ من العقائد المفضية إلى الشرك، وتنوسي الشرع المحمدي بسبب إهمال الملوك لذلك، وعدم استماعهم لإرشاد أهل العلم، والدنيا مؤثرة في كل زمان ومكان، وأما خواص الأمة، ففيهم طائفة من العلماء وغيرهم، لا يزالون ما بقيت الدنيا قائمين على الحق، يحفظ الله بهم الشرع، فهم منزهون عن الشرك ولا يخلو قطر من الأقطار منهم، فلا يصح لكم الحكم بالشرك على الأمة جميعها بسبب من جهل من عوامهم، ومن لم يتقيد بالشرع من خواصهم، ومن كفر مسلماً فقد كفر بنص الأحاديث، وأما القباب والمشاهد ، فهي بدعة منافية للشرع المحمدي، لم يحدثها على القبور سوى جهالة الملوك ومياسير العوام من غير مشاورة العلماء، والباطل لا قيد له. فوجم ناصر، وأحصر عن الجواب، ثم قال يا أحمد إنك لا تعرف الفرق بين الدينين. فقال السيد أحمد لا إله إلا الله هي الفرق بين الدينين، ويا سبحان الله المثلى يقال هذا المقال ؟ وإنما أنت رجل محمول على السلامة، لكونك ساكناً في البادية، وفي الحديث (من سكن البادية فقد جفا) وقد خاطب جفاة الأعراب سيد الخليقة صلى الله عليه وسلم بما كدر خاطره فصبر، ولنا به أسوة حسنة ثم قال ناصر، أنت تعتقد نحلة بن العربي، وهو يقول بوحدة الوجود ويصوب فعل إبليس، لما ترك السجود لآدم، وقد جعل العلماء سؤالاً في ذلك وأجاب علماء الإسلام من أهل عصر هو غيرهم بكفره، وكفر من يعتقد مذهبه، فقال السيد هذا ابن عربي توفي في سنة 726هـ وبينك وبين زمانه فوق الخمسمائة من السنين، فهل شافهك بهذه المقالة، حتى تهتك ما حرم الله عليك من رمي مسلم بالكفر، ونحن من إسلامه على يقين؛ فلا ننتقل عنه إلا بمثله فلا تتقول عليه، فقال ناصر، هذا الاعتقاد مذكور في كتبه صريحاً – فقال السيد وما يدريك أنه قائله، لاحتمال أنه مدسوس عليه من البعض، فاحكم على هذا الكلام إن ضاقت عليك وجوه التأويل أنه كفر، ولا تحكم على ابن عربي أنه كافر، لأنه لا يصح لك بأي طريق الجزم بكفره، ولو عرفت الحقيقة ما خضت في هذا المجال الذي يضيق عنه بكل حال، ولست من رجال هذه الطائفة، وأهل كل فن يسلم لهم في فنهم، وأضرب لك مثلاً يليق بالمقام؛ رجل دخل السوق وعرف مخازنه، وما اشتمل عليه من أنواع الفواكه والمعاطر وغيرها، ورجل لم يدخل ذلك السوق، فضمهما مجلس، فاندفع داخل السوق يحدث الناس بما شاهده فيه، ويصف الذي رآه عياناً، وذلك الذي لم يدخله يعترض عليه فيما شاهده، فهل هذا شأن عاقل بل يحكم عليه العقلاء بالجهل والسفه، لأنه اعتراض بما لا حقيقة له به، وفي مثل هذا أنشد بعضهم شعراً:
فإذا كنت في المدرك غـرا ثم أبصرت
حاذقا لا تمارى
|
|||||||||||
|
|
|
تعليقات القراء: |
|
|
|
|