01/04/2008
 

عالم التاريخ الأمريكي/ ديفيد لويس: لو لم تتوقف القوات الإسلامية في فرنسا
(سنة 732م.)، لكان عالمنا اليوم أفضل مكانا! (1 من 2) *
 
ترجمة: رمضان جربوع

 
مراجعة ونقد كتاب "بوتقة الرب وتخليق أوروبا .... ماذا لو لم تتوقف جيوش الإسلام عند فرنسا؟ ....
كان عالمنا سيكون أفضل مكانا!" " .... أستاذ التاريخ الأمريكي ديفيد ليفيرنغ لويس،
بقلم جوآن أكوسيللا، نشرت بتاريخ 4/2/2008 بموقع مجلة "نيو يوركر".
  • حضارة الأندلس الراقية بتعايشها مع التعددية كانت أسطورية!
  • توقف العرب عن الاستمرار في احتلال أوربا كان أكبر كارثة في التاريخ لا زلنا نعاني من نتائجها ...!
  • الكتاب يعتبر استجابة لدعوات إدوارد سعيد الراحل بوجوب إعادة النظر فيما سطره المستشرقين عن تاريخ الإسلام!
  • مواد كتاب "بوتقة الرب": المسلمون والإسلام، أسبانيا، الأندلس، الدين، عبد الرحمن الأول.

نص عرض ونقد الكتاب:
 

 
دكتورة الأدب المقارن، جو آن أكوسيللا صاحبة المقالة عن كتاب "بوتقة الرب"
 

 

لوحة بريشة الفنان الهولندي (كارل فون شتوبن) تظهر معركة بواتييه (بلاط الشهداء) في سنة 732 ميلادي، العام الذي عبرت فيه الجيوش الإسلامية جبال البرانس.
 

 
المؤلف (على اليمين) مع عميد جامعة كولومبيا
 

 
صفحة الغلاف لكتاب "بوتقة الرب" دار نورتون يناير 2008.
 
في سنة 610 ميلادي، محمد بن عبد الله (صلعم)، رجل الأربعين سنة من عائلة ميسورة تعمل بالتجارة في مكة، قام بترميم كهف بالقرب من جبل "حراء" ليسكن فيه ويتأمل، كان ذلك انعزالا اعتاد عليه مرات عدة. في تلك السنة، مر بمحنة مختلفة. ظهر عليه ملك وأمسك به، وكلمه بكلمات الله ... جثا محمد (صلعم) على ركبتيه وخرج زاحفا لزوجه وهو يصرخ "زملوني دثروني" .. لقد كان خائفا على رشده وعقله.
 
ولكن، عندما أتى إليه الصوت مرة أخرى، أخذ في الاعتقاد بأنه فعلا من الله، لقد كان يدعوه لإصلاح حال المجتمع، الفقراء يجب أن يعطى لهم، الرقيق يجب معاملتهم بإحسان، الربا يجب تحريمه.
 
رجال قبيلة محمد (صلعم)، قريش، كانوا من الوثنيين متعددي الآلهة، مثلهم مثل بقية سكان شبه جزيرة العرب في ذلك العصر، ولكن الله، يقول بأنه الإله الواحد لا شريك له، وهو نفس الإله الذي يعبده اليهود والنصارى، يسوع المسيح لم يكن ابنا له، ولكنه كان رسولا مثله مثل بقية الرسل المذكورين في العهد القديم، كلمات هؤلاء تم تجاوزها الآن برسالة محمد، عقيدة محمد الجديدة، الإسلام، حلت محل عقائدهم.
 
عندما باشر النبي محمد الدعوة في مكة، كان الناس ينظرون إليه كرجل غريب أطوار، لا يؤذي، ولكنه أخذ في استقطاب أتباع له ومن هنا بدأ في الظهور كمشكّل لتهديد، فمكة كانت مركزا تجاريا هاما بها تجار أغنياء، ومحمد كان يمنع كل تفاخر وتباه، يضاف إلى ذلك، دعوته لإزالة الأوثان وهذا يعني بدوره: نضوب الدخل من مقامات الآلهة الوثنية. في سنة 622 ميلادي، اضطر محمد وصحبه للخروج من مكة. هربوا إلى يثرب، والتي عرفت فيما بعد "بالمدينة"، ومن هناك دخلوا في حرب مع مدينتهم الأصلية. في البداية كان تعامل محمد مع الموحدين أمثاله، من المسيحيين واليهود، تصالحيا، ولكن الديانات الجديدة لا تتأسس عادة بدعم من الديانات القديمة. القبائل اليهودية المحلية تآمرت عليه. وبعد معركة فاصلة في سنة 627، قام محمد بإعدام سبعمائة من اليهود في سوق المدينة المركزي. (قتل المحاربين وسلب أموالهم وسبي نسائهم كان وفقا لتحكيم سعد بن معاذ، الحليف سابقا لليهود ولقد رضي هؤلاء بحكمه قبل صدوره، والحرب كانت نتيجة لخيانة اليهود للحلف المعقود مع المسلمين، حسب رواية ابن هشام، المترجم) في سنة 630، تمكن مع أتباعه من فتح مكة وعند دخوله أمر بتحطيم ثلاثمائة وستون صنما منصوبا حوال أكبر معابد المدينة، الكعبة. ثم أعلن سيادة الإسلام، وذكر عنه بأنه بعث برسائل إلى حكام كل من بلاد فارس وبيزنطة واليمن وإثيوبيا يدعوهم فيها للإسلام.
 
طبقا لكاتبة سيرة حياة محمد (صلعم)، الباحثة البريطانية كارن أرمسترونغ، محمد (صلعم) قضى بقية أيامه يحاول إحلال السلام، أحيانا على عكس ما كان يرغب فيه قادته.
 
بعد وفاته سنة 632، تم تجميع ما أوحي إليه في مصحف "القرآن" ، أما سيرة حياته وأقواله فتم تجميعها في كتب الحديث.
 
في نفس الوقت، انتشر الإسلام بسرعة فريدة النوع في التاريخ. القرآن كان يفرض واجب "الجهاد" وهو ما يعرف لدينا بــ "الحرب المقدسة"، وهنالك العديد من الآيات التي تؤيد مثل هذه القراءة، خصوصا تلك التي تنص "وقاتلوهم حتى يكون الدين لله ... " ولكن هنالك آيات أخرى فيما بعد تقول عكس الندب الأول " لا إكراه في الدين"
 
بعض من مفسري القرآن، خصوصا خلال السنوات الأخيرة، عندما أصبح مفهوم "الحرب المقدسة" يشكل ناقوس خطر للجمهور (الغربي)، يقدمون الحجة بأن "الجهاد" يعني في الواقع جهاد الروح أي المعركة الروحية لمجاهدة النفس، فكل مسلم عليه أن يجاهد نفسه ضد فتنة الشرور.
 
أنا لا أدري كيف لكتاب، تم تجميعه، وليس تأليفه، يجب أن يخضع لمعيار متوافق التسلسل الداخلي، أو لماذا مستند ديني نشأ في مجتمع بادية من الرحّل في القرن السابع، ويشمل فيما يحتوي، الحديث عن القمر عندما ينشق، كيف يمكننا أن نطلب منه التطابق مع فكر ما بعد "التنوير" ؟
 
الإنجيل أيضا يناقض نفسه، وبه حديث عن الماء الذي يتحول إلى خمر ... هذه أمور، في رأيي، ترجع "للحَـرْفيين" .. أما الحديث عن "الأعداء" فلقد ورد، وبحماس في (سفر المزامير):
 
"سيكون سعيدا من يأخذ أولادك ويحطمهم على الصخور" .. ووردت نصوص كثيرة قبل العصر الحديث شبيهة بها.
 
على أي حال، ومهما كان جهاد خلفاء محمد لأنفسهم، إلا أنهم قاموا أيضا، وخلال الثمانين سنة التالية لوفاته، بفتح سوريا ومصر وشمال أفريقيا والأناضول والعراق وبلاد فارس.
 
عند بداية القرن الثامن الميلادي، وقفت القوات الإسلامية في زاوية شمال غرب أفريقيا، وهناك وعند مضيق جبل طارق، أي على بعد تسعة أميال من شبه الجزيرة الأيبيرية، أيبيريا (أسبانيا والبرتغال) التي كان يحكمها الفيزيوغوث (قبائل جرمانية بربرية) وهم شعب مسيحي قام بأفضل ما لديه للقضاء على كافة الأديان الأخرى في أرضه، اليهودية على سبيل المثال، هنالك بعض من الأدلة التي تقول بأن اليهود الأيبيريين هم الذين دعوا المسلمين لفتح البلاد. في سنة 711، قاموا بذلك فعلا، والدولة التي أقاموها هناك وحافظوا عليها طوال أربعة قرون تقريبا، هي موضوع كتاب ديفيد ليفيرينغ لويس "بوتقة الرب .. الإسلام وصناعة أوربا من 570 ميلادي إلى 1215" والذي صدر عن دار نورتون.
 
هذا الكتاب يجب أن يفهم في سياقه، أو بالأحرى في سياقين. الأول يتعلق بفترة ما بعد الاستعمار، وجهود الدارسين الأكاديميين ابتداء من سنوات السبعين من القرن الماضي وما بعده، في سبيل تصحيح الانحياز أو عدم الحيدة، الذي صاحب بل وبرر استعمار ما يقارب من 85% من مساحة كوكب الأرض من قبل القوى الأوروبية في الحقبة ما بين القرن السادس عشر والقرن العشرين.
 
في هذه الحقبة بالذات، وطبقا لما تقدم به الكاتب والباحث "إدوارد سعيد" في مؤلفه "الاستشراق" والذي يعتبر الوثيقة التأسيسية لفكر ما بعد الاستعمار، فكتابة التاريخ عن منطقة الشرق الأدنى والأوسط كانت سلاحا امبرياليـًا. الهدف منه جعل كل الشعوب غير الغربية تبدو بمظهر شعوب غير متحضرة، وبذلك سيمكن تقديم الحجة بأن السيطرة الأوربية كانت ببساطة "نعيما" هبط عليها من السماء.. ومنذ بدايات إدوارد سعيد، صدرت العديد من الكتابات عن مستعمرات أوروبا السابقة من التي تحاول بجهد تصحيح الخطأ وجبر الضرر الواقع من الظلم.
 
السياق الآخر، الذي يجب أن يقرأ فيه كتاب "لويس" هو بالطبع تاريخ الإرهاب، فمنذ أواخر سنوات السبعين من القرن الماضي، انطلق الإرهاب من قبل أناس يدعون بأن لديهم تعليمات من القرآن. عندما بدأ الإرهاب، معظم الغربيين لم يكن لديهم أي فكرة تقريبا عنما هو العالم الإسلامي .. كل ما كانوا يعرفونه ... الحريم .. الأرغيلة .. السجاد، وهذا كل شيء، وحتى بعد الهجومات الإرهابية (11/9) كان من السهل استدراك النقص بأي طريقة مناسبة، ولفترة من الزمن خرج دفق هائل من الكتب التي تتحدث عن الإسلام خلال العقدين الماضيين، العديد منها كان يأخذ موقفا ضد أو مع الإسلام. عدد من المثقفين البارزين، قاموا بإدانة الديانة الإسلامية، غيرهم عارضوهم قائلين بأن غالبية المسلمين لا يؤيدون الإرهاب، بعض الباحثين في التاريخ أدانوا، ليس فقط " شيطنة" الإسلام بل كذلك جهل الغرب بالعالم الإسلامي، وهو قصور ثبت الآن أنه بكل بساطة جنون سياسي، ناهيك عن كونه غطرسة.
 
قام الأكاديميون بالشروع في المهمة وجلسوا على مكاتبهم ليظهروا أمجاد وفخر الثقافات الإسلامية. قالت الباحثة "سالمة الخضرا الجيوسي" بأن التغاضي عن ذكر الإسلام في قصة الحضارة الغربية يعتبر جريمة تاريخية" وكان ذلك في مقدمتها للمجموعة التي تحتوي على 49 مبحثا تصف ليس فقط السياسات والدين في شبه الجزيرة الأيبيرية، بل أيضا مدنها وعمارتها وموسيقاها وشعرها وخطها ومطبخها، باسم جامع خيارات "تراث أسبانيا المسلمة"
 
كتاب "لويس" هو جزء من هذه المراجعة (التاريخية)
 
كتب لويس: المسلمون أتوا لأوروبا، كموجة أولى من الحضارة، والتي عند مقارنتها بأعدائها، كانت أعجوبة أصلية، فيها تتكون الممالك المتناسقة والثقافات والتقنيات في خدمة أجندة ثقافية سياسية، هي تحديدا وبدون منازع أرقى بكثير من حضارة الشعوب البدائية، من الذين لاقوهم هناك بل وفي هيأة لا تتحمل حتى المقارنة.
 
لقد أدوا لأوروبا معروفا كبيرا بغزوهم لها. هذه الفكرة تحديدا ليست جديدة، ولكن "لويس" يأخذها إلى مقام أعلى: فهو، وبكل وضوح يتأسف على كون العرب لم يواصلوا زحفهم لغزو كامل أوروبا. ثم يقول بأن توقفهم كان عاملا رئيسيا في تخليق أوربا متخلفة اقتصاديا، منقسمة كدول البلقان ومتحاربة مع نفسها .. لدرجة أنها، أي أوربا، جعلت من الأرستوقراطية الوراثية وعدم التسامح الديني القمعي، وضيق الأفق الثقافي والحرب المزمنة .. من الفضائل"!
 
ويتابع" لقد أدّى توقف العرب، لأكبر الخسائر ذات الأثر في تاريخ العالم، ومن دون شك، الأكثر نتائج قسوة منذ سقوط الامبراطورية الرومانية" ... هذه فرضية جريئة قطعا.
 
المسلمون حازوا معظم أسبانيا في خلال ثلاث سنوات تقريبا، "الفيزيغوت" كانوا أكثر عددا في الرجال، ولكن العرب كانوا من المحاربين المهرة، كانوا يبدون وكأنهم يرقصون أمام العدو، يهاجمون، ينسحبون، يهاجمون من جديد، كانوا مثل " دواود (ع) وجالوت، أو الملاكم الراقص محمد علي كلاي أمام فورمان ضخم الجثة.
 
هنا، وفي مواقع أخرى من الكتاب، يجـْرد الكاتب الأحمال العظيمة من الذهب والفضة والأحجار الكريمة ومعها أعداد غفيرة من الرقيق والسبايا (للحريم)، التي كان العرب يبعثون بها إلى الخليفة في دمشق، عاصمة الامبراطورية. كان من ضمن الشحنات، رؤوس قادة الفيزيغوت المقطوعة، مخللة في الماء والملح. في سنة 714 ميلادي، كانوا قاب قوسين أو أدنى من جبال البرانس، حدود شبه الجزيرة الأيبيرية التي أصحبت الآن ملكهم والتي أطلقوا عليها اسم "الأندلس"..
 
عندما انتشر خبر الغزو، انطلق العرب من الشرق إلى أيبيريا، وأحضروا معهم نزاعاتهم، خصوصا التنافس الخبيث ما بين عرب الشمال وعرب الجنوب. أول 22 أمير (حاكم) على الأندلس كان متوسط بقاءهم في المنصب سنتين، لكل منهم، الاستقرارا، أو بالقدر الذي عرفته الأندلس الإسلامية، بدأ في عهد عبد الرحمن الأول (عبد الرحمن الداخل)، وهو أمير سوري بالولادة، الذي تولى السلطة في سنة 756 واستطاع البقاء فيها لحين وفاته.
 
عبد الرحمن، هو بطل "لويس" في كتابه "بوتقة الرب" ، ويحبه كثيرا بل ويشير إليه بلقبه الشهير "الصقر"، كان عبد الرحمن حاكما صلبا، أخذ عرشه بالقوة، ولكنه كان أيضا رجلا شعبيا، يصفه "لويس" وهو يتجول في عاصمته قرطبة بدون حراس مرتديا جلابيته البيضاء، ويقوم بالخطبة في صلاة الجمعة بالمسجد. كان محبا للفنون، فهو ربيب القصور أصلا، شيد الجامع الكبير في قرطبة، هو أعظم معلم معماري في أسبانيا المسلمة ولا يزال باقيا حتى الآن. كان من المهتمين بالزراعة والبستنة، استورد لإسبانيا النخيل والحمضيات واللوز والمشمش والزعفران والحنة، كل هذا كان يصب في صالح التجارة التي انتعشت وازدهرت خلال عهده.
 
وتبعتها في ذلك، بقية المدن الأسبانية، بقيادة قرطبة، ذات المائة ألف نسمة في عهد عبد الرحمن. يصف "لويس" العاصمة الكبرى التي تركها عبد الرحمن لورثته قائلا" .. القصر، كان جديدا، تم تشييده عندما أمر الأمير بناء المسجد الجامع، لم يكن يبعد كثيرا عن الحمامات العامة، بقربه على بضع خطوات، كان السوق المركزي حيث السلع الغذائية الأساسية من خبز وخضروات وفواكه وزيت ولحوم، كلها وفق سعر تحت الرقابة، ثم يلي ذلك البسط العجمية، والصناعات المعدنية الدمشقية وحرير الصين، والجلود الراقية والمجوهرات والرقيق .. وغير ذلك حسب طلب السوق العالمي الإسلامي ... شوارع العاصمة لم تكن وفق نمط معين، تنطلق من ضفتي نهر الوادي الكبير، ترتبط بأحياء خاصة حيث يقيم اليهود والبربر والكاثوليك والأرثوذكس، والعرب والمولدين (وهم من معتنقي الإسلام من غير العرب) – كان الجميع يعيشون في عوالمهم الخاصة بهم، الصيادلة السيفارديم (من يهود المشرق)، حدادون من الفيزيغوت، جراحون إغريق، كلهم كانوا يقدمون خدماتهم في شرايين المدينة الضيقة" .. الحدائق العامة تزدان بأشجار البرتقال والليمون تعطر الجو .. خارج المدينة عند سهل الوادي الكبير، ترويه النواعير بكثافة، يظهر مفروشا بزراعات الحبوب من حنطة وقمح وشعير وأشجار الزيتون .. كلها تبدوا وكأنها أبدية .. عندما تراها تود أن تنتقل للعيش فيها ....
 
عبد الرحمن الأول، هو المؤسس الشهير لمبدأ التعايش أو كما يعرف بالأسبانية (كونفيفينسا)، وتعني العيش سويا على الرغم من الاختلافات .. وهنا تكمن فكرة كتاب "بوتقة الرب" الملتهبة، أعتقد بأن هذا بالضبط هو ما دفع "ديفيد لويس" لاختيار موضوعه عن أسبانيا المسلمة، فهو ليس مستشرقا متخصصا باللغة العربية، اشتهر لتأليفه مجلدين عن سيرة حياة (دبيلو. إي. بي. ديبوا صدرا تباعا في سنتي 1993 و 2000) ولقد استحق وفاز بجائزتين (بوليتزر) أكبر الجوائز الأدبية في الولايات المتحدة، عن كل مجلد.
 
ولكن هذا الكتاب ليس عن العرب، بل كان عن العدالة العرقية، وفي سبيل الدفع بفكرة العدل هذه، خلص المؤلف "لويس" إلى الإعجاب اللامتناهي بعبد الرحمن الأول. ومع ذلك، يلفت المؤلف الانتباه، بأن فكرة "التعايش" كانت لها حدود، فهي لم تكن فقط سياسة إنسانية، وهو ما يمليه القرآن بالقول "لا إكراه في الدين" أو سلوكا حضاريا ولكنها كانت أيضا "سياسة واقعية"، فشبه الجزيرة الأيبيرية كانت خليطا من الأديان ومن الأعراق.
 
التسامح، والذي قد نسميه الآن "التعدد الثقافي" كان هو القادر على جمعهم سويا أكثر مما قد يسمح به فرض اعتناق الإسلام بالقوة.
 
إضافة إلى ذلك، "الكونفيفينسا" أو التعايش سويا، لم تؤد أبدا إلى مساواة كاملة، ففي السنوات الأولى، تم وضع عدد من الضوابط على اليهود والنصارى، كان عليهم ارتداء شارات معينة، ولم يسمح لهم بالتبشير، وطلب منهم التعبد بهدوء، لم يسمح لهم بأن تعلوا مساكنهم على مساكن المسلمين، والأهم من ذلك، كان عليهم دفع ضريبة ثقيلة تسمى "الجزية" .. مع مرور الوقت، العديد من هذه القواعد تم التخلي عنها (فيما عدا الجزية)، سمح لليهود، على الخصوص، بالعمل في الخدمة العامة ككتاب وموظفين ومستشارين، كانوا يعلّـمون المسلمين كيف تدار الحكومة. كتب "لويس": العصر الذهبي في الأندلس كان أيضا العصر الذهبي لليهود السيافرديم، فهؤلاء، حتى وإن لم يكن منهم من البارزين، كانوا سعداء، وبدون شك رأوا أن ارتداء الشارة ودفع الجزية هو بالتأكيد أهون من إجبارهم على تغيير ديانتهم أو قتلهم، العديد من اليهود والنصارى اعتنقوا الإسلام، وفي العديد من الحالات لتفادي الضريبة. ففي نهاية القرن الثامين الميلادي، الغالبية العظمى في شبة الجزيرة الأيبيرية كانت من النصارى، ولكن بعد مائتي سنة، أصبحت الغالبية العظمى من المسلمين.
 
المسلمون لم يحكموا كامل شبه جزيرة أيبيريا، بعض الأقاليم، على الخصوص في الشمال، بقيت مستقلة أو متحالفة مع الإمارة، وكثيرا ما كانت تتمرد، كان هنالك أيضا نزاعات حادة في داخل المجتمع الإسلامي، لم يكن المسيحيون واليهود هم الوحيدين الذين تلقوا معاملة غير متكافئة، فكل من كان غير عربي، عانى من ذلك، بمن فيهم من كان من نسل البربر من شمال أفريقيا الذين أضافهم العرب لامبراطورياتهم في بداية القرن الثامن الميلادي، وهؤلاء قدموا مع العرب لأسبانيا.
 
البربر الأيبيريين كانوا من المسلمين وكانوا أفضل المحاربين (طارق بن زياد الذي قاد حملة الغزو، كان من البربر وكذلك كانت كتائب الفرسان التي صحبته)، نشير أيضا إلى أنهم في أسبانيا كانوا يفوقون العرب عددا. وهكذا كانوا يستنكفون من معاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية. طوال تاريخ الأندلس، كان على الأمراء التعامل مع ثورات البربر.
 
السبب الآخر الذي كان يدفع الأيبيريين العرب للعودة للحرب، هو أن معتنقي الإسلام الجدد يتحررون من دفع الجزية، وهذا أدى بدوره إلى نضوب في موارد الخزانة (بيت المال)، وكان على الأمراء العثور على كفار آخرين ليفرضوا عليهم الجزية، وهنا كانت الدعوة للجهاد، فالعرب لم يكونوا أبدا عازمين على التوقف عند حدود جبال البرانس. ففي سنة 732، أي بعد 21 سنة فقط بعد دخولهم لأيبيريا، تسلقوا الجبال الكبرى ونزلوا على الجانب الآخر.
 
المملكة التي قاموا بغزوها كانت "مملكة الفرنجة" تحت حكم شارل مارتل (القادومة)، خسر المسلمون بعض المعارك وكسبوا أخرى، ولكن وبسبب ثورة البربر في الأندلس، اضطروا للانسحاب والرجوع، في سنة 778، كانت الفرنجة بقيادة حفيد شارل مارتيل القادوم، شارل الأول الكبير، أو شارلمان تقوم بالرد على العرب.
 
ترجمة رمضان جربوع
ramadanjarbou@yahoo.com
 

* نشر بصحيفة قورينا 26/3/2008 خاص بموقع شباب ليبيا الغد
 
 رابط المقالة الأصلي:
 
http://www.newyorker.com/arts/critics/books/2008/02/04/080204crbo_books_acocella?currentPage=all

 

 

تعليقات القراء
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة