03/08/2008
 

يوسف شاهين.. الفرد في مواجهة الجماعات

أميرة الطحاوي (إذاعة هولندا العالمية)


 

 

 
صورة تجمع المخرج الراحل يوسف شاهين مع الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك
 
ودعت مصر هذا الأسبوع مخرجها العالمي يوسف شاهين، والذي كان لحرية الرأي مكانة خاصة في مسيرته: حريصا على إظهارها في أفلامه، وأصبح نفسه هدفا لهجمات..ممن ضاقوا بهذه الحرية.
 
علي.. سائق في الثلاثين من حي إمبابة الشعبي يقول أنه لا يفهم أفلامه، ويندهش عندما تخبره أن "باب الحديد" من إخراجه، فقط يتذكر له باعتزاز فيلم "الأرض". عادة ما يريح التلفزيون الوطني نفسه من عناء تعريف المواطن بغير الممثلين وأخبارهم، وبالأخص عندما لا يكونون من الموالين له.
 
الحرية أم العدل؟
 
"باب الحديد" ورغم أنه يعرض حياة عمال محطة قطار لكنه بدا وقتها (١٩٥٨) بعيداً عن الأفلام التي كانت تعرض الفقراء بمواجهة الأغنياء، كان هذا تصنيفا مريحا لنظام كرر القول بانتصاره للفقراء الذين قام بالثورة من أجلهم، ولم يكن مألوفا أن تعرض الأفلام صراعات بين مسحوقين وبسطاء ولكن في درجات مختلفة داخل نفس الطبقة. بينما ظهر الأثرياء والنخبة الجديدة في نفس العمل مجرد عابرين على الفيلم وعلى محطة قطاره، أو محل سخرية مبطنة (الشاب ابن الطبقة الوسطى الذي يترك صديقته للتعليم بالخارج دون أن يمنحها حتى فرصة توديعه بسبب انصياعه لقيود أسرته، الناشطة النسوية التي تخطب في الصحافيين مرتدية بدلة صارمة.. لكنها ما أن عرفت أنهم قد وصلوا حتى استعدت: بمراجعة زينة وجهها في المرآة).
 
يعلن شاهين أن هناك أفلاما لا يحبها أولا يحب أن يتذكرها، ومنها فيلم "حب الى الأبد"-١٩٥٩رغم أنه ناقش وبحبكة درامية متقنة قضية العدالة: بين محامِ يستغل نص القانون لينقذ شقيقه الأصغر من العقاب على جريمة قتل ارتكبها بالخطأ. ويورط مكانه صديقته لمجرد أن الأدلة الظاهرة تدينها. بينما تعترف هي بالجريمة لإنقاذ شخص ثالث قاده حظه العاثر للتواجد بمكان القتل ثم..تنتحر.
 
تقول الناقدة "ماجدة موريس" إن شاهين كان لديه انتصار لقيمة الحرية، وحرص على تضمين ذلك في معظم أعماله، ورغم أنه لم يعتقل لكنه لاقى تهميشا في فترة الستينات بالأخص عندما انتقدت أفلامه النظام، وأشارت بوضوح للفساد في السلطة التنفيذية والتشريعية كأحد أسباب الهزيمة العسكرية عام ١٩٦٧. ومع شبه المقاطعة التي شنتها ضده مؤسسة السينما المملوكة للدولة يضطر للعمل في انتاج مشترك خارج مصر، فتطاله تهم أخرى جاهزة وسهلة الترويج وفعالة التأثير: العمل لصالح الجهات الممولة، تضيف موريس أنه حتى عندما أخرج فيلمه "القاهرة منورة بأهلها" امتعض البعض من بعض مشاهده رغم أنها تسجيلية من الواقع واتهموه بتشويه سمعة مصر، وقال أحدهم أنه حرص على المبالغة في تصوير التدهور العام وانتشار المد الديني في مصر، بل طالبه ناقد" أن يترك البلاد طالما لا تعجبه"
 
تهم متنوعة
 
ويستمر الهجوم على أعماله التي تعني باللمسة الفنية أكثر من القصة والحبكة الدرامية أوتخرج عن السائد في السينما وقتها خاصة مع سلسلة أفلامه التي اتخذت من سيرته الذاتية منطلقا.. ببساطة: اعتبروها لا تلتفت لقضايا الوطن..اعتبروها ترفا وربما غرورا.
 
في١٩٩٤ عاد الهجوم، ولكن لأسباب دينية هذه المرة، حيث اعتبر إسلاميون أن فيلم "المهاجر" تجسيد لقصة النبي يوسف، وطالبه محام باعلان توبته وعودته للإسلام. "لكن أنا مسيحي" قال شاهين.. هجوم آخر على نفس الفيلم ولكن من كتاب قوميين والعلة أنه يقدم العلاقة بين بني مصر وبني إسرائيل كأمر طبيعي. وأنها دعاية مبطنة للتطبيع مع إسرائيل. ١٩٩٧هجوم علي فيلم "المصير " لأنه اختزل الصراع ضد الأصوليين بالأندلس في الحق في الغناء والرقص.
 
شاهين نفسه يتعرض لعنف الأمن بمواجهة تظاهرات معارضة للحرب على العراق في ٢٠٠٣. وعندما يصل توحش الشرطة لحد التحرش بالنساء من المتظاهرات يقدم نصائحه للمتظاهرين أن يتسلحوا حتى بأدوات المطبخ ليصدوا هجوم الشرطة! كان شاهين واحدا ممن زاروا المعتصمين المتضامنين مع مطالب القضاة الإصلاحية.
 
وحسب المنشور وقتها فإنه كان يخطط لفيلم يرصد حالة الحراك في الشارع المصري، لكن ما اكتمل هو فيلم روائي بعنوان "هي فوضى"، وتبدأ مشادات مع الرقابة التي تصر على تغيير العنوان، وينتهي الأمر بوضع علامة استفهام ليصبح العنوان تساؤلا أكثر منه إقرارا بحالة عامة تمر بها البلاد أو تتوقع أن تكون عليها. فهل كانت معركة حقيقية لفيلم هو الأخير له؟ وحسب متابعين فإن شاهين لم يشارك إلا بالقليل في تنفيذ هذا العمل بسبب مرضه وإن تابع مراحل من تنفيذه ومونتاجه، وأصر على وضع اسم تلميذه خالد يوسف كمخرج بجوار اسمه.
 
الإعلام: سقطة هنا ونجاح هناك
 
في مرضه الأخير نشرت جريدة «24 ساعة» المصرية صورة له داخل العناية المركزة، وتلتها قناة «الحياة» الخاصة التي بثّت لقطات لعملية نقله من غرفة العناية المركّزة إلى السيارة التي أقلته للمطار. وبينما أكدت نقابة الصحافيين المصرية أن من حق المتضرر من نشر الصور أن يلجأ لها لفتح تحقيق فإن أسرة شاهين كانت منشغلة بحالته الصحية ولم يتقدم أحد بشكوى.
 
بعد وفاته أعادت مواقع وفضائية مصرية نشر نفس الصور واللقطات. ثم لا تعليق أو مساءلة على هذا الانتهاك لخصوصية إنسان بين الحياة والموت. على نفس المنوال نذكر أنه في اليوم الثاني لتعرضه للغيبوبة بثت فضائية جديدة مختصة بالكوميديا حلقة يقلده فيها ممثل بافتعال لا يحتمل.
 
بعد رحيله تمتلئ الصحف بملفات كاملة عنه. تستطلع "المصري اليوم" آراء حي الضاهر حيث جرت الصلاة على جثمانه فيتحدثون بدهشة عن اهتمام الحكومة عشية الجنازة بتنظيف المنطقة بعد طول إهمال. وبينما يخرج النعش من الكنيسة يصرخ المخرج خالد يوسف لإفساح الطريق. صورة الأخير واضعا يده على النعش تكرس ما جرى تكراره أنه خليفة شاهين: لكن في أي شيء تحديدا؟
 
القنوات الفضائية تسابقت على عرض الجاهز لديها من مواد أو استضافة نقاد، مذيع يكرر أنه مصادفة أن يبقى في غيبوبة لأربعين يوما بعدد أفلامه ليتوفى بعدها!
 
تنفرد قناة "او تي في" بسؤال عمال المحال التي كان يتردد عليها، بواب عمارته، جيرانه: يجمعون على أنه "متواضع ..هاديء" عكس الصورة الشائعة عنه "عصبي..مغرور". لكنه أيضا كذلك: عصبي أثناء التصوير، معتز بنفسه. عندما يسأله صحافي عن عبقريته يرد بحدة أن الأمر ليس مجرد موهبة بل "عمل ومثابرة".
 
صحيفة "الدستور" اليومية المستقلة خرجت بتحليل يكاد أن يجزم أن الإعلان عن وفاة الرجل تأخر ليوم كامل حتى يغطي على أحكام البراءة لصالح متهمين في قضية غرق ١٠٣٤ مصريا قبل عامين.
 
كما كان ما كتبه الناقد المعروف سمير فريد عن الراحل محل جدل في صحف القاهرة؛ حيث ذكر أن شاهين اضطر للتنازل عن عالمه الفني ليستمر بالعمل في ظل حكم الحزب الواحد (١٩٥٢-١٩٧٦) وأعلن تأييده للنظام الاشتراكي الجديد بالبدء في تصوير فيلم «الناس والنيل» عن بناء السد العالي عام 1964، وفيلم «فجر يوم جديد» عام 1965.
 
فيما استمر الاعلام المصري وبالاخص التلفزيوني في الحفاظ على تقليد ثابت لديه عند وفاة شخصية مبدعة: وهو المبالغة في تقدير الراحل ربما محاولة لتصوير قيمة الفقد..مع استخدام اللغة الرنانة في الحديث واستضافة نفس الوجوه الأشهر للحديث ايجابا عن الراحل وغالبا ما كرر بعضهم القصص ذاتها عنه، التي تصب ولو بطريق غير مباشر في الاعلان عن أنهم كانوا مقربين له.
 
في الخارج
 
نعي رسمي من فلسطين والجزائر واحتفاء به في صحف المغرب العربي. كانت قضايا التحرر الوطني حاضرة في أفلامه. كان حلمه أمريكيا لكن فرنسا هي التي احتفت به في حياته وبعد رحيله: رئاسة الوزراء والخارجية والحزب الاشتراكى والرئيس السابق شيراك ينعون شاهين. وتكتفي مصر السلطة بنائب عن الرئيس وآخر عن وزير الثقافة.
 
تنهي اللبنانية منى غندور عملا من ثلاثين حلقة عنه وتنتظر تسويقه ليعرض في رمضان القادم على الفضائيات.. فهل سيعرضه أيضاً التلفزيون المصري؟
 
يقول الناقد المصري المقيم بباريس صلاح هاشم يقول أن فيلما مثل "الاسكندرية كمان وكمان" يؤسس لـ "سينما المكاشفة" ويؤكد على قيم "الفردية" بمواجهة الأفكار والجماعات التي تحارب كل ما هو نبيل وانساني، وتريد أن تكتسح بتياراتها السلفية الظلامية المتعصبة الفكر الآخر، وتعمل علي إخراس الألسنة. فهل يعني أن التكريم الحقيقي يكون بمواصلة المشوار و المعركة؟ حسنا: فليتقدم المقاتلون.
 

عن موقع (إذاعة هولندا العالمية) - 2/08/2008

 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com