07/05/2006


   


 

من وحي الذكريات

 

خاطرة في ذكرى إستشهاد الحاج أحمد احواس *

 

بقلم: ابي مالك

 

التاريخ: 15 اكتوبر 1961
المكان: الكلية العسكرية بمنطقة "نهر الليتي" في ضواحي مدينة بنغازي.


الحدث: مجموعة من الطلب المستجدين تنضم إلى الكلية العسكرية لتشكل الدفعة الخامسة بالكلية.. في ذلك اليوم كنت ضمن هذه المجموعة من المستجدين بعضنا كان يعرف بعضاً، ومعظمنا كان يلتقي للمرة الاولى، وكنا جميعاً نشترك في التوجس من الحياة الجديدة التي كنا نقبل عليها في يومنا ذلك، وربما كنا نتقاسم الطموح والأمل حتى وإن تعددت مشاربنا واختلفت.. وبدون شك فقد كنا جميعاً نمتطي تلك السيارة العتيقة التي غادرت لتوها مبنى رئاسة أركان الجيش شاقة طريقها الخالي نحو الكلية العسكرية..


لم يدر في خاطري – ذلك اليوم – سوى محاولة إستيعاب ما يدور حولي من نمط جديد غريب للحياة داخل أسوار الكلية.. كان على أن اتعرف على مصطلحات غريبة على سمعي.. وكان عليّ ان التقي بأناس أراهم للمرة الأولى..


هكذا كانت مناسبة لقائي الأول مع أخي وصديقي ورفيقي أحمد إبراهيم احواس. ومنذ ذلك اليوم ارتبطنا سوياً في مشوار طويل تضمنا فيه الحياة تارة، وتباعدنا تارة أخرى.. تتشابه ظروفنا وتختلف ما تشابهت الظروف واختلفت بين الناس. إنها غريبة وعجيبة.. وتلك سُنة الحياة.. تجمع وتفرق.. تجمع في لقاءات عابرة لا تمتد إلا لأيام وربما لسويعات.. وتجمعهم في لقاءات قد تطول ما طالت الحياة نفسها.. وتفرق بينهم في فترات أخرى قد تطول أو تقصر.. وربما يكون الفراق لا إلى لقاء على أديم هذا الكوكب الفاني الذي نسميه الأرض تارة ونسميه الذنيا تارة اخرى.


لم يكن أحدنا في ذلك اليوم يقدر أن هذا اللقاء إنما هو نقطة البداية لمشوار سوف يمتد فترة تربو على ثلاثة وعشرين عاماً من عمر الزمان.. فلم أكن سوى صالب مستجد.. ولم يكن أحمد سوى طالب في الدفعة الرابعة التي يتكون منها الفصيل المتوسط بالكلية.. وكان نظام الكلية يضع قيوداً صارمة وحافة في اسلوب التعامل والعلاقة بين طالبين من دفعتين مختلفتين.. ومع هذا فقد كان اللقاء عاديا مثلما يكون اي لقاء بين شخصين لا يعرف أحدهما الآخر.. وقد اضفت عليه نظم الكلية شيئاً من الجفاف الموحش بالنسبة لمستجد مثلي..


شاءت الاقدار ان نلتقي بالكلية – للمرة الاولى والاخيرة في تاريخها – ثلاثة دفعات.. الدفعة الثالثة التي تكون فصيل المتقدم الذي يقع على عاتقه عبء قيادة طلبة الكلية.. والدفعة الرابعة التي تشكل منها الفصيل المتوسط.. ودفعتنا الخامسة التي كونت الفصيل المستجد.. ولهذا فقد استحدث بالكلية نظام جديد يتولى فيه الطلبة الأوائل من الفصيل المتوسط مراكز نواب أمراء حظائر1 الدفعة المستجدة.. وكان فصيلنا قد قُسم حظائر.. كنت ضمن الحظيرة الثانية منها.. وكان أحمد احواس هو نائب آمر الحظيرة التي اتبعها.. هذا الوضع أدى إلى أن يكون مقعدي في قاعة الطعام ملاصقاً لمقعد أحمد.. وكان جاراً لي في قاعة المنام.. ولم يكن هذا بالأمر الذي أحسد عليه إذ انه يعني وضع مزيد من القيود على القدر الضئيل الذي يتمتع به الطالب المستجد من حرية لوجودي المستمر بالقرب من نائب آمر الحظيرة.. غير أنني وجدت نفسي سعيداً بهذا الوضع بحكم طبيعة أحمد واسلوبه في التعامل مع افراد حظيرته.. فقد اصبحت في وضع يمكنني من الاستفادة من خبرته في التعامل مع الامور اليومية التي تحدث بالكلية.. ومن ان اكون طرفاً في كثير من الاحاديث الخافتة التي كانت تدور بين أحمد ونائب آمر الحظيرة الاولى الذي كان يقابله في مقعده بقاعة الطعام.. كان الحديث يدور عادة حول أحداث الكلية اليومية.. أو عما يعتمل في صدور الطلبة من تطلعات وآمال.. أو عما يكابده الطلبة من جهد وعناء.. وربما يدور الحديث عن تاريخ المعارك التي جرت في بلادنا إبان الحرب العالمية الثانية.. وفي كثير من الأحيان تتشعب الاحاديث فتتطرق إلى حياة البادية – وقد اتفق أن ثلاثتنا قد عاش في البادية مرحلة من عمره – والحديث عن حياة البادية كان يجرنا بالضرورة إلى أغاني "صوب خليل" التي كان يجيدها أحمد ورفيقاه، وكنت أجهل عنها الكثير، ولا زلت اذكر كم يكون أحمد سعيداً ومنتشياً عندما تتسلسل أغاني "صوب خليل" لتتكامل معانيها.


كان التسابق بين نواب الحظائر يدور رهيباً لإثبات جدارتهم في مساعدة امراء الحظائر.. وكان أحمد غيوراً على أداء حظيرته لدرجة تجعله يبدو قاسيا في أحيان غير قليلة.. ولكن معاملته لأفراد حظيرته قد استمت بتكوين صلات صحبة ورفقة أكثر منها علاقة رئيس بمرؤوس، وقد كنا نحن أفراد الحظيرة نحرص على ألا نخذل نائب آمر حظريتنا أكثر من حرصنا على إرضاء آمر الحظيرة نفسه الذي كان يتميز بأسلوب عسكري جاف للغاية.


من مهمات نائب آمر الحظيرة الاشراف على نهوضنا في الصباح والقيام بتجميع الحظيرة خارج قاعة المنام إستعداداً لتفتيش أمر الحظيرة على أفرادها، كما كان من مهماته أيضاً التفتيش على حسن ترتيب كل طالب لفراشه ولأدواته.. وكان نظام الكلية يقضي أن يتم هذا كله في ظرف لا يزيد عن خمسة دقائق.. ورغم ذلك فقد كان أحمد يحتفظ بهدوء كامل وهو يعد نفسه ليومه الجديد ويشرف على أفراد حظيرته وهم يستعدون، ولم تكن هذه الميزة في أحمد بسبب خبرته كطالب فحسب، وإنما كانت بسبب كونه يتفرد عن بقية طلبة الكلية جميعاً في خبرته بالحياة العسكرية قبل أن ينضم إلى الكلية، فقد كان جندياً بالجيش الليبي، وكان يواصل دراسته الثانوية في المدارس المسائية ثم التحق بالكلية بعد أن وصل في دراسته إلى مرحلة تؤهله لذلك.. ومن هذا فقد خبر الحياة العسكرية كجندي ثم خبرها كطالب بالكلية. وليس هذا الشئ الوحيد الذي كان ينفرد به أحمد عن بقية زملائه الطلبة، فقد كان أحد الطلبة القلائل المتزوجين وبدون شك فقد كان بعده عن اسرته طيلة الاسبوع امراً قاسياً على نفسه، وإن لم أسمع منه – خلال أحاديثنا في قاعة الطعام – أي شكوى أو تضجر من هذا الوضع، والمرة الوحيدة التي اذكر انني رأيت في وجهه شيئاً من الكدر عندما صدرت عقوبة ضده تحرمه من الخروج من الكلية عطلة نهاية الاسبوع.


ورغم صلاتي هذه بأحمد فقد كنت أجهل أشياء كثيرة عنه – في ذلك الوقت – لم أكن في موقف يسمح لي بتوجيه أسئلة كثيرة، علاوة على أن احمد كان كثير الأسئلة عن أفراد حظيرته، ولا اذكر مرة واحدة – خلال جلوسنا على مائدة الطعام – لم يسألني فيها عن أحد من أفراد الحظيرة.. فلم أكن أعرف أنه أصلاً من قرية "جردينة" الصغيرة.. وكان يعرف أنني عشت طفولتي في أحضان الجبل الاخضر.. في "الفائدية" وفي "لبرق"، وكان يسألني عما إذا كنت أعرف إحدى العائلات التي تقطن في "لبرق"، ولم أعرف إلا مؤخراً بأنه على صلة قرابة بتلك العائلة. كان يتحدث عن قرية "لبرق" حديث من يعرف القرية ويلم ببعض تفاصيلها.


وكانت مهمة نائب آمر الحظيرة أيضاً أن يشرف على أداء أفراد حظيرته في قاعات النوم والطعام وأن يتأكد من إعدادهم لأنفسهم للمنام بعد نهاية الجمع المسائي.. وكان أحمد يستغل تلك الفترة بين موعد النوم وبين الجمع المسائي لاعطاء توجيهاته وملاحظاته إلى افراد الحظيرة، وكانت تلك الملاحقات تأخذ صيغة التندر بالأخطاء التي يكون أحدنا قد إرتكبها، وكان هذا يزيد من العلاقات القائمة بين أفراد الحظيرة بعضهم بعضاً ومع نائب آمر حظيرتهم.


لم يستمر هذا الوضع طويلاً.. فقد بدأت الإستعدادات تجرى لتخرج الدفعة الثالثة.. وكان هذا يعني تغييراً في وضع أحمد وكان يعني أيضاً تغييراً في طبية العلاقة القائمة بينه وبيني..


كان ذلك بدءً لحديث الذكريات الذي سوف أواصله في أيام قادمة بإذن الله...
 


1. الحظيرة: أصغر تشكيل عسكري وتتكون عادة من عشرة أفراد. وبالكلية العسكرية فإن افراد الحظيرة الواحدة يشتركون في قاعة المنام ويجلسون على مائدة واحدة، كما أن التدريب الأساسي يتم لكل حظيرة على حدة.

 


* نقلا عن موقع الجبهة الوطنية لإنقاد ليبيا


 

libyaalmostakbal@yahoo.com