19/07/2007
 

 
عقوبة المؤبد تمهد الطريق لعودة البلغاريات إلى بلادهن
 
تقرير: عمر الكدى (إذاعة هولندا العالمية)

 

 

مجلس القضاء الأعلى خفض عقوبة الإعدام إلى المؤبد

 
قال عبد الرحمن شلقم وزير الخارجية الليبي في لقاء مع قناة الجزيرة، إن المرحلة القادمة ستشهد لقاءات سياسية مكثفة مع بلغاريا، لتفعيل الاتفاق الذي تم التوصل إليه أخيرا بين عائلات الأطفال المحقونين بالفيروس المسبب لمرض الإيدز، وممثلين عن الحكومة البلغارية، والإتحاد الأوروبي وتوسط مؤسسة القذافي للتنمية التي يديرها نجل العقيد القذافي.
 
وكانت عائلات الأطفال الضحايا قد تسلمت يوم أمس مليون دولار لكل طفل مصاب، الأمر الذي جعل العائلات تتنازل عن المطالبة بتنفيذ حكم الإعدام بالممرضات البلغاريات، والطبيب الفلسطيني الذي كان تحت التدريب عند اعتقاله، والذين أدينوا عام 2004 بحقن أطفال مستشفى بنغازي بالفيروس القاتل. وبعد أن ثبتت المحكمة العليا الليبية حكم الإعدام على الممرضات الأسبوع الماضي، لم يبق من أمل للممرضات والطبيب الذي حصل وهو في سجنه على الجنسية البلغارية، إلا الاتفاق الذي شهد عدة فصول من الشد والجذب، حيث طالبت العائلات بتعويض يصل إلى 13 مليون دولار عن كل ضحية، إلا أن نهاية الأسبوع الماضي شهدت التوصل إلى اتفاق نهائي يقضي بتعويض كل طفل مصاب بمبلغ مليون دولار.
 
حمى التعويض
 
مساء أمس اجتمع مجلس القضاء الأعلى الليبي برئاسة وزير العدل وعضوية 9 قضاة، والذي كان أجل اجتماعه المنتظر أكثر من مرة، حتى يمكن العائلات من استلام التعويضات. ويبدو أن القضية التي شهدت تطورات دراماتيكية طوال ثماني سنوات من الإجراءات الروتينية، تسارعت إجراءاتها منذ يوم الاثنين بشكل محموم. حيث فتح فرع مصرف ليبيا المركزي أبوابه طوال الليل لأول مرة منذ إنشاء المصرف، ليمكن العائلات من استلام الصكوك المصرفية الخاصة بالتعويض. وفي اليوم الثاني وصل إدريس لاغا ممثل عائلات الضحايا إلى طرابلس ليسلم لمجلس القضاء الأعلى وثيقة التنازل عن مطالبها بتنفيذ حكم الإعدام في حق الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني. وعلى ضوء التنازل المقدم من طرف العائلات أصدر مجلس القضاء الأعلى قراره بتغيير عقوبة الإعدام الذي سبق أن ثبتته المحكمة العليا يوم 11 يوليو الماضي، إلى السجن المؤبد.
 
في بلغاريا قال وزير الخارجية البلغاري ايفيلو كالفين للصحفيين: "هذا القرار خطوة كبيرة.. وبالنسبة لنا لن تنتهي القضية إلا عند عودتهم إلى بلغاريا." وأضاف إن قرار مجلس القضاء الأعلى يمهد الطريق لتطبيق الاتفاقية المبرمة بين بلغاريا وليبيا عام 1984 والتي تسمح بتبادل السجناء بين البلدين. هذا القرار خطوة كبيرة.. وبالنسبة لنا لن تنتهي القضية إلا عند عودتهم إلى بلغاريا."
 
اتفاق داخل الاتفاق
 
وكشف وزير الخارجية الليبي أن الاتفاق لا يتوقف فقط عند التعويضات المالية، وإنما يشمل علاج الأطفال، وتجهيز المستشفى الذي شهد الكارثة، وتدريب الأطقم الطبية الليبية لتواجه مثل هذه الأوضاع الصعبة.
 
ولم يتحدث وزير الخارجية الليبي عن اتفاقيات سرية أخرى، يرجح مراقبون انها رافقت المفاوضات من أجل إطلاق سراح الممرضات البلغاريات، والطبيب أشرف الحجوج الذي ساقه سوء طالعه ليجد نفسه قبل أن يصبح طبيبا محكوما عليه بالإعدام، والذي يحمل الجنسية البلغارية منذ عدة أسابيع، بينما لجأت عائلته إلى هولندا، بعد أن واجهت عائلته المقيمة في ليبيا منذ مطلع السبعينات ظروفا صعبة. ويبدو أن الوعود التي أطلقها أكثر من طرف على المسرح السياسي الدولي بدأت تؤتي أكلها، فبعد أن عينت الولايات المتحدة أول سفير لها في ليبيا منذ عام 1972، أعلن قصر الأليزيه أن الرئيس نيكولا ساركوزي ينوي زيارة ليبيا خلال الأيام المقبلة بعد أن تجنبها في جولته الأخيرة التي شملت جارتيها الجزائر وتونس. وفي واشنطن قال ديفيد ولش مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية "إنها خطوة ايجابية إلى الأمام ولكن ليست نهاية للمحنة."
 
نظرية المؤامرة تحجب الحقيقة
 
بهذا تكون ليبيا قد عادت إلى المجتمع الدولي بعد طول اغتراب، وبعد سنوات من العزلة والعقوبات الدولية، التي استمرت ثماني سنوات، وهي نفس المدة التي استمرت فيها محنة الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني الأصل. بعض المراقبين يتوقف طويلا عند هذه المصادفة، وكأن ليبيا تنتقم من تلك السنوات التي أجبرت فيها على تسليم اثنين من مواطنيها للمحاكمة بتهمة تفجير طائرة لوكربي. وقد دفعت ليبيا آنذاك تعويضات وصلت إلى المليارات لضحايا طائرة وقرية لوكربي، وضحايا طائرة اليو تي أي الفرنسية التي انفجرت فوق صحراء النيجر، وضحايا ملهى لابيل في برلين، ودفعت تعويضا لعائلة الشرطية البريطانية ايفون فلاتشر التي قتلت برصاصة انطلقت من داخل السفارة الليبية في لندن عام 1984. كما سلمت برنامجها لصنع أسلحة الدمار الشامل بما في ذلك البرنامج النووي الذي كلف أموالا طائلة، بسبب اعتماد ليبيا على تهريب مكونات البرنامج من السوق السوداء. يربط المراقبون بين تلك العقوبات التي فرضت على ليبيا، وبين تشددها في التعامل مع قضية الحقن الملوثة بفيروس الإيدز، حيث اعتقلت الممرضات اللواتي جئن للعمل في ليبيا لتحسين دخلهن، ويؤكد محامو الممرضات أنهنّ تعرضن للتعذيب بالضرب والصعق بالكهرباء، والتهديد بالاغتصاب، والتهديد بحقنهن بفيروس الإيدز لنزع الاعترافات منهن. كما تعرض الطبيب الفلسطيني الذي يقول خبراء أجانب إنه لا يمكن أن يكون مسئولا عما جرى في المستشفى لأنه ببساطة كان يخضع لبرنامج تدريبي، ولم يصبح طبيبا بعد. وكانت السلطات الليبية قد ألقت القبض على ممرضة فلبينية بسبب وجود تأشيرة إسرائيلية على جواز سفرها، واضطرت السلطات إلى إطلاق سراحها بعد أن تأكدت أنها لم تذهب إلى إسرائيل، وأيضا لأنها فلبينية وليست أوروبية. من الواضح أن نظرية المؤامرة الخارجية كانت هي النظرية المعتمدة منذ البداية، وقد تم اعتقال زوج إحدى الممرضات وهو طبيب بلغاري يعمل في مستشفى آخر منذ اعتقال الممرضات وإلى عام 2004 حيث أطلق سراحه بعد أن أصدرت المحكمة حكم الإعدام في حق الممرضات لأول مرة.
 
ارتفاع عدد الأطفال المصابين عند التعويض
 
ما يستوجب التوقف هو تصاعد عدد الأطفال المصابين، ففي المرة الأولى أعلنت السلطات الليبية أن العدد النهائي 426 طفلا، وفي الأسابيع الأخيرة الماضية وصل العدد إلى 438 طفلا، ويوم أمس قال إدريس لاغا ممثل العائلات أن 460 عائلة استلمت تعويضاتها، فهل الزيادة بسبب اكتشاف حالات أخرى لاحقا ؟ أم أن الأطفال تسببوا في عدوى للأمهات؟.
 
ملفات خارجية وأخرى داخلية
 
البلغاريات في طريقهن إلى بلادهن بعد محنة قاسية استمرت ثماني سنوات، أما الأطفال الذين توفي منهم حتى الآن 56 طفلا، فقد لا تمر ثماني سنوات أخرى وهم على قيد الحياة، ما لم يكتشف علاج نهائي لهذا المرض القاتل. ويرى بعض الليبيين أن ما ما تحتاجه بلادهم هو الشفافية القادرة على تشكيل لجنة وطنية محايدة للتحقيق في الكارثة، مثلما ضغطت عائلات ضحايا طائرة لوكربي من أجل معرفة الحقيقة. ويضيف حقوقيون ليبيون إن ليبيا لا تحتاج إلى لجنة واحدة فقط، بل تحتاج إلى عدة لجان وطنية محايدة لمعرفة ماذا جرى في سجن بوسليم عام 1996، عندما قتل في ليلة واحة مئات من السجناء العزل، وأيضا لجنة للتحقيق في الطائرة المدنية التي سقطت قرب مطار طرابلس في مطلع التسعينات، وأيضا التحقيق في ملابسات مقتل الصحفي ضيف الغزال عام 2005 والتمثيل بجثته، بالرغم من أن السلطات ألقت القبض على المتورطين في الجريمة منذ أكثر من عامين، وحتى الآن لم يفتح تحقيق في مقتل حوالي 19 متظاهرا يوم 19 فبراير 2005.
 
من الواضح أن ليبيا وهي تطوي ملفاتها الخارجية المعقدة، تتجه بسرعة بالغة نحو ملفاتها الداخلية الأكثر تعقيدا، والتي ظل معظمها طي الكتمان طوال 38 سنة من حكم العقيد القذافي.
 
عن موقع إذاعة هولندا (العربية)
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com