12/10/2006

 
مراسل طبرق ـ أخترت لكم / عن موقع الصياد:
 
يعيش بزو البصل
 

بقلم: سعيد خير الله صالح

 

2/9/2006

 
[[1]]
 
بالأمس البعيد القريب وبالتحديد في سنة 1960م كان اسمها مدرسة طبرق الثانوية ، ثم لاحقا تقهقرت فأصبحت تسمى مدرسة النور الابتدائية ، ثم حالياً كومة من الأنقاض على يمين الجسر اليتيم.
 
وأنا أيضاً الآن مثلها تماماً تلاشى شبابي وهدني كيد العمر بالشيب وبوادر المرض ، وكنت قبل هذا يا مدرستي فتياً يافعاً وطالباً عضواً في جمعية الجغرافية بأروقتك المتقدة بالحماس.
 
في يوم من أيام ذلك الامس وقف رائع الذكر أستاذنا مدرس الجغرافيا الفلسطيني "عبد السلام كرامة" مخاطباً أعضاء جمعية الجغرافيا بالاستعداد بعد غد تشد الرحال مع لوحاتنا الجغرافية الى مدينة درنة الزاهرة للاشتراك في المعرض السنوي للمدارس المقام هناك.
 
كان وقع الخبر ساراً لعدة اعتبارات منها تقييم وتقدير جهد الجمعية في مدرستنا ، وأيضاً لزيارة مدينة درنة لأول مرة والتي استمدت شهرتها في عقولنا الغضة بجمالها ومذاق الحلاوة في عرائش موزها ، وأعظم من كل ذلك تفردها الحضاري والثقافي في طول البلاد وعرضها، فحظوظ زيارتها هبة من السماء.
 
وانقضى الغد وجاء بعد الغد وأزفت الساعة وحضرت السيارة المستعارة وغادرت بالرفاق ولم أحضر في الميعاد المقدس رغم مشوار الركض الصباحي بين داري النائية بعدة كيلومترات والمدرسة ورغم وصولي سابحاً في بحر من العرق إلا أن الفرصة الأولى السانحة أخطأتني.
 
[[2]]
 
لقد أخطأت الموعد...
 
ولكن كان لإدارة المدرسة تدبيراً آخر.. اصطحبني مشرف المدرسة بحنان إلى وكالة نقل السيارات "الجنسية" القديمة وكانت بجوار "سوق الزجاج " حالياً كان في استقبالنا صاحبيها المرحوم "عبدالسلام بوعلوية " و " احفيظة الضراط".. ورغم أن السيارة الوحيدة القاصدة درنة وبنغازي هي أيضا قد غادرت لتوها قبل مجيئي إلا أن الأمل كان حاضراً.
 
لقد جاءت سيارة "القازوزة" مشروب صداقة الرائع... وهنا استسلم سائقها المدعو" بوشرتيله" لتوسلات مشرف المدرسة وصاحب الجنسية أن يجد لي متسعاً بين الصناديق الفارغة على ظهر شاحنته بعد أن اعتذر عن عدم وجود مقعد شاغر في غرفة القيادة.
 
وهكذا أعد لي متكئاً على فراش من بقايا ألواح الكرتون استوعب جسمي النحيل فتكورت فيه كقط مقرور.. وهكذا ضمنت لنفسي مكاناً على عجل يوصلني الهدف وهو اللحاق برفاقي الذين سبقوني إلى مدينة درنة، وأنا أندس بين صناديق المشروب الفارغة سمعتهم يوصون السائق بي خيراً ويذكرونه " بالحنتور" هذا اللفظ الذي أسمعه لأول مرة.
 
[[3]]
 
وانطلقت الشاحنة التي غنمها صاحبها من مخلفات الحرب العالمية الثانية وأعاد تهذيبها وتحويرها لتكون وسيلة نقل مدنية ، انطلقت منحدرة من الجنسية باتجاه "عقبة قصار" تحت الجسر اليتيم الحالي ، وشرعت تهتز على طريق طبرق درنة الضيق و المموج كأنه محروث بالتجاعيد والمطبات والتفاريع الحادة مسافة 175 كيلومترا ً...
 
ومع بداية هذه الرحلة بدأت الزجاجات الفارغة تتمايل فتعزف ألحانها في أذني دون توقف وكان الهواء يلفح حلقي بالجفاف ولا أخفيكم سراً بأنني كنت أبلل حلقي من حين لآخر بما تبقى من مشروب في قاع الزجاجات الفارغة التي تصلها يدي ...فلا شيء يهون من ملل رحلة الستة ساعات إلا العبث أو ارتكاب سلوك غير مقبول ومقرف ... وأخيراً أطلت درنة وبدأت السيارة في الانحدار الخطير.
[[4]]
 
من فوق صناديق " القازوزة " ومن اعلى قمة في عقبة درنة الشرقية وقع بصري لأول مرة على مدينة درنة في قاع الوادي السحيق فيا له من مشهد رائع وموقف مرعب.... أن تشاهد درنة لأول مرة في مثل حالتي فلا بد أن ترتجف من الكعب الى فروة الرأس ، ويلج بك الخيال فتمتطي صهوة جواد الشؤم وتفكر ماذا يحدث لو خذلت كوابح هذه الشاحنة العتيقة قدم هذا السائق الطيب القلب الأفطس الأنف فتدحرجت وأي نجاة لجسد يتقلب على شظايا الزجاجات الحادة ولكن العناية الالهية كانت حاضرة ووصلنا بر الأمان بأمان ....
 
[[5]]
 
وسط المدينة تماماً ، وفي ميدان فندق "احويمي" تأبطني السائق المديد القامة من فوق كومة الصناديق وأوصلني سالماً رعديداً ..واصماً في أذني وقر طنين فوارغ صداقة، فبالكاد سمعت ترداد لفظ "الحــــنتور" للمرة الثانية ، وتعرفت عليه عندما جاء الحصان يسعى باتجاهنا بناءً على نداء مسبق، توقف يومئ برأسه المزركش بفتلات الخيوط الملونة وكأنه يحيينا .. وانتشلني " سايس " الحنتور من ذراعي وأجلسني أريكته الخلفية الظليلة قاصداً مديرية عزوز الداخلية ... سنابك الحصان الذي يجرنا توقع الحانها على قطران الطريق وبدت درنة تبتسم لسلامة الوصول .. كل ما فيها ...بساتينها الخضراء .. تيجان نخيلها .. وأزهارها .. وعرائش منازلها وأشجار موزها الطرية.. وخرير سواقيها الفضية .. وقوارير مياه الزهر في أيدي أطفالها .. وعقود الياسمين المنظومة ببراعة في ذراع صبية تلقي بالتحية على صاحب الحنتور قائلة:" خير" فيرد عليها بتحية من " صوب خليل" مداعباً دون أن تفهم شيئاً :" ليش ما أنقول خير يا نعجة في دير وامعاها مايئتين راعي " فعرفت أن هذا السايس الذي يحملني في حنتوره له جذور بدوية مثلي فرددت في أعماقي " أهلاً درنة.. البوادي وصلوا؟."!!
 
[[6]]
 
ووصلنا فعلاً إلى مدرسة عزوز المحاطة بخضرة البساتين ، هلل الرفاق أهازيج الفرح لحضور الغائب ، وكانت الشمس بدأت في الاختفاء خلف قمة جبل " باب شيحة " في ميعاد وجبة العشاء المبكرة كما في جميع مطاعم أقسام الداخلي التي لم ارتادها من قبل. ودخلنا صالة المطعم المستطيلة وتقابلنا حول مناضد خشبية مرصوصة ومتآكلة تفوح منها روائح زيوت متراكمة ... كان الطعام موحداً من قدر واحدة وبارد كعادته دائماً و لكن في حالات الجوع الشديد تتعطل الحواس جميعاً خصوصاً عند مسافر مثلي غير أن هناك هذا الطالب الذي يقابلني ربما يكون له أحساس آخر ....
 
لقد أخرج من جيب معطفه بحركة مواربة " بزو " بصل أخضر ، بدأ يهذبه من القشور الزائدة وبقايا التربة العالقة وهم أن يلحقه باللقمة الأولى فاذا بيد خشنة تمتد من خلف ظهره تحول بين شفتيه وبزو البصلة، لقد قبض عليه مشرف الطعام متلبساً بالجرم الأكبر كما علمت فيما بعد ...
 
اصطحبه المشرف من ذراعه خارج القاعة ومعه المبرزة ... غاب لفترة ثم عاد بدون المبرزة ... عاد الطالب السارق يغلف وجهه برقع من حمرة الخجل بسبب التوبيخ والتأنيب الشديد والتحذير بالطرد من الدراسة اذا تكرر منه هذا السلوك الشائن وهو سرقة البصل من مزارع درنة المجاورة للمدرسة.
 
للحقيقة أن اخضرار أوراق البصل والنعناع والفول على حواف سواقي درنة الفضية لا تقاوم شاهدت ذلك أثناء مرور الحنتور، ولكن هذا الاغراء لا تستطيع أن تقنع مثل هذا المشرف بأن مثل هذه السرقة بسيطة ومشروعة وان يجد لهذا الطالب العذر لكي يتناول بزو البصل من مصدر حرام ليغير به نكهة طعام القسم الداخلي الذي لا يبلع الا " بحدور ".
 
أن فلسفة التربية والعقيدة السمحة عند هذا المشرف تقول ان نكهة السرقة والسطو هي أقبح بكثير من نكهة الطعام الرديء إذا دخلت جوف الإنسان السوي.
أما فلسفة التربية في هذا الزمان الرديء فتتيح للآباء الشواذ الاستحواذ والسطو لتربية أبنائهم، وتتيح لأبنائهم التقليد ...
 
فينشأ الناشئ منهم على ما عوده أبوه، فنجني ثمار جيل عنيف يحطم ويحرق ويسرق بمباركة أهل البيت في غياب الواعز الروحي المستنير لجيل بدأ بثورات الرذيلة ويفجر ذكريات هامدة في ذاكرة كهل مثلي لم يجد من حيلة سوى أن يهتف بملء فيه مبعثر الاسنان "يعيش بزو البصل".
 
مراسل طبرق
عن موقع الصياد
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com