29/10/2006

خميس علي/ قرأت لكم – عن موقع الصياد - 22 أكتوبر 2006
 

حبات اللؤلؤ - بقلم: يوسف أحمد ريبت

 
 

http://www.al-saiyad.info/Detail.asp?Show=123

 

هذه طائرة من طراز الحافلة الجوية ثلاثمائة وواحد وعشرين تركت الأرض يلفها سحاب ركامي كثيف ومضت إلى سماء صافية تزدان بحبات اللؤلؤ المضيئة وقد بدا قائدها هادئاً سعيداً وهو يستقر عند ارتفاع تسع وثلاثين ألف قدم حيث تدنت الحرارة الخارجية إلى سبع وخمسين درجة مئوية تحت الصفر وانطلقت طائرته تشق الهواء بسرعة تدنو من سرعة الصوت وقد حملت على ظهرها مائه وثمانين راكبا جلسوا مطمئنين يعلو وجوههم البشر يتحدثون ويأكلون ويشربون لا يخطر ببال أحد منهم أن هذه الطائرة كانت ذات يوم ذرأت تناثرت في التراب ولم تحلم أبداً بالسباحة في السماء.
 
صار التراب طائرة تسبح في الفضاء وعاد الطين رجلاً ينطق ويقرأ ويفكر ويسمع أحياناً ويبصر وغدت هذه الحروف كتاباً يهدى المؤمنين إلى الحق ويخرجهم من الظلمات إلى النور.
(الر تلك آيات الكتاب المبين) 1/12.
 
وكما نبت آدم (عليه السلام) من الأرض أشرق من الغيب أول الحروف . كان نقشا صغيرا يسند ظهره إلى حجر وقد اتسعت عيناه وهو ينظر إلى الكائنات بوجه تملأه الدهشة لكن الأيام لم تعد أبدا كما كانت قبله فما اتحد حرفان حتى أصبحا كلمة وولد الكتاب وأضحى للفكر وعاء يسهل حمله وحفظه ونقله. ورحلت حروف الهجاء مع الناس إلى كل بقاع الأرض وتلونت بألوانهم وفتح نون والقلم باب العلم على مصراعيه وبدأت منذ آلاف السنين أول الخطوات في طريق الإنسان إلى سطح القمر.
 
ونزلت صحف إبراهيم وموسى وما أوتى عيسى والنبيون من ربهم وجاء جبريل عليه السلام إلى غار حراء وهو يحمل ذات الرسالة لكن التنزيل كان هذه المرة بلسان عربي مبين.
(اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) . 1-5 / 96 .
 
وفي ليلة فلكية الأبعاد تنزلت رسالة الحق في وعاء من الحروف وعرفت اللغة العربية أفقا جديداً أفاق الفكر المدهش وعرف العرب حروفهم لكنهم أنكروا بضاعة لا تقدر بثمن استناخت بها عند البيت العتيق. وكاد قلب النبي صلى الله عليه وسلم يتفطر حزناً لأن أكثر الناس آثروا الفقر وخسروا ثراءً لا شاطئ له.
 
وقد خلق الله الإنسان من تراب فجاء التراب كالبدر يمشى على استحياء وكذلك طلع في هذا الليل الحالك ضياء القرآن العظيم وكان الحرف هو مادة الكتاب الأولى وأقبلت آياته تذكر الحروف والأنبياء والرسل والشمس والقمر وعجائب الكون الكبرى ودل هذا على شرف الحروف وعلو منزلته.
 
أما نحن فقد دارت بنا الأرض حتى توارت عنا وراء الأفق الغربي حقيقة الحرف المذهل.
(طسم تلك آيات الكتاب المبين لعلك باخع نفسك ألاَ يكونوا مؤمنين) 1-2-3 / 26
 
تلك هي الحروف التي عرفها سوق عكاظ ونطق بها عنترة وامرؤ القيس غير أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ينادى بها مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وبد الإعجاز واضحاً في آيات السموات والأرض كما بدا واضحاً في آيات الكتاب ووقفت كل المخلوقات عاجزة عن خلق ذبابة أو حبة قمح أو قطرة ماء أو خلية واحدة من ريشة طائر.
 
(إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له) 73 / 22
 
وهذا أيضاً وجه الإعجاز في آيات الذكر الحكيم.
 
(قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً). 88/17.
 
ذلك لأن آيات القرآن وقطرة الماء وحبة القمح والذبابة وريشة الطائر هي بعض كلمات الله التي تعجز الخلائق أن تأتي بمثلها إلا بأذنه.
(حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم) 1-2/40.
 
وما كان القرآن كتاباً للألعاب السحرية أو مجلة للكلمات المتقاطعة أو متاهة للألغاز التي يحار الفهم فيها ومن شاء أن يسيَر الجبال ويقطع الأرض ويكلم الموتى أو أن يركب البحر جزر الأوهام فلن يجد في القرآن شراعاً ينشره إلى أوهامه.
 
(قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) 15/ 5.
 
فكيف كنا سنقرأ آيات الكتاب أو نسمع دعوة الحق لولا هذه الحروف العجيبة ؟
(يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشراً ونذيرا  وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً) 45-46/33 .
 
ذاك هو الهدف الأسمى للقرآن العظيم وآيات الذكر الحكيم كلها خطة ميدانية محكمة لمن كان يرجو ( الآن ) لقاء ربه ويطمع في النظر إلى نور وجهه الكريم فاغتنم ضوء النهار عسى ربك أن يهديك سواء السبيل وأدع لهذا الركب إن شئت بسلامة الوصول فتلك تباشير الفجر لاحت تلهو بحبات اللؤلؤ وقد آن للربان أن يباشر الهبوط إلى المحطة القادمة وعن قليل سوف تراه وقد ترك التراب يعانق التراب في بهجة اللقاء بين الطائرة والأرض بين الفرع والأصل بين الكتاب والحروف.

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com