24/11/2006

خميس علي: قراءت لكم - عن موقع الجمعية الليبية لبيع الريح للمراكب
 

حرية التعبير في أميركا: نظرة عامة

بقلم روبرت إس باركر، أستاذ القانون في جامعة دوكويسني الأميركية

 

http://libyans.125mb.info/

 
في العام 1734 نشر جون بيتر زينغر صاحب مجلة نيويورك ويكلي جورنال الأسبوعية سلسلة مقالات تنتقد الحكومة الملكية بنيويورك. وقد وجهت إلى زينغر تهمة جنائية بالقذف والتشهير. وفي المحكمة أظهر المحامي أن الانتقادات التي وجهت للحاكم كانت صحيحة، ودفع بأنه لا ينبغي معاقبة أي شخص على الانتقادات الحقيقية لمسؤول يشغل منصبا عاما. وتوصلت هيئة المحلفين إلى قرار بأن زينغر "ليس مذنبا". ومنذ ذلك الحين أصبحت القضية تأكيدا أميركيا مبكرا على أن حرية التعبير كانت وينبغي أن تكون مبدأ من مبادئ القانون.
 
ويحتوي دستور الولايات المتحدة، كما وضعت صيغته في العام 1787، على ضمانات محدودة للحقوق، وقد تعرض لانتقادات كثيرة بسبب هذا العيب. وفي العام 1791 أضيفت إلى الدستور الأميركي 10 تعديلات، تمنع الحكومة الوطنية من انتهاك الحقوق الأساسية للشعب، بما فيها حرية التعبير. وقد نص التعديل الأول للدستور الأميركي على ما يلي بخصوص هذا الموضوع: "  يجب ألا يصدر الكونغرس أي قانون ينتقص من حرية التعبير ..."

وكانت تلك الفقرة في صيغتها الأصلية تطبق على الحكومة الفدرالية فحسب، غير أن التعديل رقم 14 (الذي تم إقراره في العام 1868) مثلما شرحت المحكمة العليا جعلت هذا الضمان مطبقا على حكومات الولايات أيضا.
 
وخلال القرن الـ19 دار جدل محدود حول حرية التعبير. فقد قيدت القوانين التي عُرفت باسم قوانين الغرباء والتحريض على الفتنة – التي أقرها الكونغرس في العام 1798- إلى حد كبير حق انتقاد كبار المسؤولين في الحكومة الفدرالية، لكن تلك القوانين انقضى أجل سريانها أو ألغيت خلال فترة تراوحت بين عامين إلى أربعة أعوام. وأي شخص اتُهم بمخالفتها كان غالبا ما يُبرّأ من الاتهام، وإذا أدين فسرعان ما كان يتم العفو عنه.
 
وحينما احتدم الجدل حول موضوع العبودية خلال الخمسينات من القرن التاسع عشر، أصدرت بعض الولايات والمجالس البلدية التابعة لها قوانين تحظر "الإثارة" حول هذا الموضوع، ولم يكن التعديل الأول للدستور الأميركي مطبقا آنذاك على الولايات أو البلديات التابعة لها، لكن على أية حال، فإن تلك القوانين سرعان ما اختفت هي والعبودية نفسها. وأثناء الحرب الأهلية الأميركية احتجزت السلطات الفدرالية آلاف الأشخاص الذين أعربوا عن تعاطفهم مع الجنوب، لكن سرعان ما كان يتم الإفراج دائما عمن اكتفوا بمجرد التعبير بكلمات محدودة أو لم يقوموا بأعمال لمناصرة الجنوب.
 
وبدأ عهد "حرية التعبير" باعتباره موضوعا لأحكام قضائية دستورية أثناء الحرب العالمية الأولى، بمحاكمة عدة أشخاص ممن عارضوا وحاولوا تعويق أو منع مشاركة الولايات المتحدة في الحرب. ومنذ ذلك الحين رُفع عدد كبير من الدعاوى القضائية حول تعريف اصطلاح "التعبير" ومدى الحماية الممنوحة له. وبعض التساؤلات التي ثارت على مر السنوات تظهر مدى حجم وتعقيد مصطلح "حرية التعبير" في القانون الأميركي، ومن بينها التساؤلات التالية:
  • هل تعتبر الدعوة إلى انتهاج سلوك غير مشروع محمية في ظل الدستور الأميركي؟

  • هل تعتبر الافتراءات الزائفة المشوهة للسمعة محمية؟
  • هل تعتبر الكلمات أو الصور أو الأوصاف النابية أو الفاحشة محمية؟
  • هل تعتبر الإعلانات التجارية محمية؟
  • هل يعتبر السلوك غير الشفهي محميا عندما يستخدم في نقل الأفكار أو التعبير عنها؟
ولم يسمح الزمان ولا المكان حتى بمجرد إجراء اختبار أو فحص سريع للكثير من تلك الموضوعات التي رفعت بشأنها دعاوى قضائية خلال الـ85 عاما الماضية. ومع ذلك فإن مراجعة مبادئ محددة قد توفر إطارا لما أصبحت تعنيه "حرية التعبير" في الحياة والقوانين الأميركية. ومثل تلك المراجعة أو الدراسة يمكن أن تستخدم أيضا في تبيان بعض الفروق بين الولايات المتحدة وغيرها من المجتمعات الديمقراطية في هذا الخصوص.
 
أولا: إن حرية التعبير مثلها مثل معظم الحقوق الأخرى التي يضمنها الدستور الأميركي، مقيدة لما تنتهجه الحكومة الأميركية فحسب. أما الأفراد والمؤسسات الخاصة فإنهم حينما لا يتعاملون مع الحكومة، تكون لهم حرية وضع وتطبيق قواعدهم الخاصة بالتعبير في حياتهم الخاصة. لكن على النقيض من ذلك، فإن ضمان حرية التعبير في بعض الدول الأخرى تفرض قيودا دستورية على الأفراد والجماعات الخاصة بالإضافة إلى الحكومة. وعلى سبيل المثال، ينص دستور كوستاريكا على ما يلي: "يجب عدم مساءلة أو تعويق أو منع أي شخص من التعبير عن رأيه ..."
 
ويوضح قانون الإجراءات بالدولة (كوستاريكا) أن هذا الضمان (وغيره من الضمانات الدستورية للحقوق الفردية) تُفرض على الكيانات الخاصة، بالإضافة إلى الحكومة أيضا. وفيما يتشابه مع ذلك، فإن الفقرة الثانية من القانون 71 للدستور الأوروبي المقترح تنص على ما يلي: "كل شخص له الحق في حرية التعبير. وهذا الحق يتضمن حرية أن يكون له الرأي وأن يتلقي وينقل المعلومات والأفكار دون تدخل من السلطة العامة ..."
 
إن الصياغة العامة للجملة الأولى، متبوعة بالنص على أن الضمان يشمل فرض قيود على السلطة العامة، يمكن أن يعني أن الضمان الدستوري قد يقيد الجميع، وليس الحكومة فحسب.
 
ثانيا: في الولايات المتحدة لا تعني "حرية التعبير" أن التفوه بأي شيء يمكن أن يكون محميا حماية مطلقة من قواعد وتعليمات الحكومة. فالفحش ليس محميا على الإطلاق، والدعاية التجارية (بمعنى الحديث عن أي عمليات تجارية مثل الإعلان عن أدوية أو أغذية أو التبغ أو استشارات القانونية أوغيرها من السلع والخدمات) لا يحظى بنفس الدرجة العالية من الحماية التي تحظى بها حرية التعبير عن موضوعات مختلفة.
 
ثالثا: حينما تفرض الحكومة قيودا على التعبير بسبب المضمون أو وجهة النظر التي يعبر عنها، فإن ذلك الحظر عادة ما يكون غير دستوري إلا إذا استطاعت الحكومة أن تبرهن على أن هناك مصلحة ضرورية من هذا التقييد، وأن فرض تلك القيود سيحدد في أضيق نطاق لتحقيق تلك المصلحة. وعلى النقيض من ذلك في بعض الدول الأخرى يكون الحديث عن موضوعات محددة – مثل القضايا الجنائية التي لم يتم البت فيها أو الحديث الذي يتضمن مناشدة السلطة الدينية أو الاستشهاد بها – ليس مشمولا بالحماية، بل وقد يكون محظورا دستوريا. والحديث عن وجهة نظر معينة، على سبيل المثال "الدعاية للحرب"، أو التعبير عن انتقاد لمجموعة عرقية أو إثنية معينة أو رئيس دولة أجنبية، هو أيضا إما غير محمي أو محظور في بعض الدول.
 
رابعا: في الولايات المتحدة، تعتبر أي محاولة للحكومة لفرض "حظر مسبق" على التعبير غير دستورية فرضا. ولذلك فإنه حينما بدأت صحيفتان أميركيتان بارزتان في العام 1972 نشر وثائق حكومية مسروقة حول تاريخ تورط الولايات المتحدة في فيتنام، قررت المحكمة الدستورية أنه من غير الممكن حظر نشر تلك الوثائق لأن الحكومة أخفقت في إثبات أن نشرها قد يلحق أضرارا خطيرة بالمصلحة الوطنية. هذه الجرأة الشديدة ضد قيد مسبق يتناقض بشكل ملحوظ مع ممارسات العديد من المجتمعات الديمقراطية الأخرى التي تمكن فيها قوانين الرقابة الحكومة من الحصول على أحكام قضاية بحظر أنواع متعددة من وسائل التعبير.

إن المنع بصفة عامة يلمس فقط سطح "حرية التعبير" في الولايات المتحدة. وما بدأ كحق في انتقاد سياسة الحكومة والمسؤولين في المناصب العامة أصبح يستشهد به أو يقاس عليه (بدرجات متفاوتة من النجاح) لحماية ممارسات أخرى قد تصل إلى موضوعات متباينة مثل: رقص العراة، أو إحراق العلم، أو الدعارة على شبكة الإنترنت، أو خطب جماعة كلو كلوكس كلان المتطرفة، أو المؤامرات الشيوعية، أو التهديدات النازية.
 
إن إدراك أن حرية التعبير كان غالبا ما يستشهد بها في قضايا مشكوك فيها أو خبيثة، لا يحط من قدر هذا الضمان في حد ذاته؛ ولا يدل ضمنا على أن كل طرق التعبير متساوية في القيمة. وفي عالم مثالي أو يقارب الكمال يكون كل تعبير يرمي إلى الخير محميا، بينما يكون أي تعبير يرمي إلى الشر غير محمي. لكن القوانين والدساتير يقصد بها حكم أو إدارة مجتمعات وأفراد لم يصلوا إلى درجة الكمال، وكل ضمان يقترح منح سلطة للحكومة يجب أن يقيم بمدى الخطر الذي يمكن أن يسفر عنه استخدام تلك السلطة يوما ما في الاستبداد والطغيان.
 
وفي تفسيرها لضمان حرية التعبير في الدستور الأميركي، فإن المحكمة العليا بالولايات المتحدة عملت لمدة عقود على أساس مبدأ معين وهو أنه في الحالات الصعبة عادة ما تخاطر المحكمة باحتمال الوقوع في الخطأ لصالح الحرية وتفضل ذلك على منح سلطة أوسع للحكومة.
 
ولم تحقق كل الدول الديمقراطية الحرة نفس القدر من التوازن الذي حققته الولايات المتحدة؛ وعلى ما يبدو فإنه لا يوجد إجماع بالموافقة على الأحكام القضائية التي أصدرتها المحكمة العليا في كل قضية. وليكن ذلك، فلا بد أنه سيوجد عدد قليل من الأشخاص في أي مكان ممن سينكرون أن حرية التعبير مزدهرة في الولايات المتحدة.
 
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com