نداء لحرية الرأي في بوسطن"
من خطاب فريدريك دوغلاس،
1860 **
المناسبة: كما يتضح في
الخطاب، فقد ألقي هذا الخطاب في قاعة الموسيقى ببوسطن في الأسبوع الذي
أعقب عرقلة اجتماع لمناهضة الرق من قبل غوغاء من "السادة". وطبقا لديفيد
جي. برووير فقد سجل الخطاب في الرابع من كانون الأول/ديسمبر 1860 في مجلة
ليبيريتر لوليام غاريسون. أعظم الخطب في العالم (سانت لويس: فيرد. بي.
كايزر، 1899) الجزء 5، صفحة 1906.
********************************************************************
بوسطن مدينة عظيمة – وتتمتع
قاعة الموسيقى فيها بشهرة لا تقل في مدى اتساعها عن بوسطن نفسها. ولم يتم
التوكيد على مبادىء الحرية الإنسانية أكثر مما هي هنا. ولكن بالنظر
للظروف آنفة الذكر، فسيكون من قبيل التجاسر تقريبا من جانبي أن أقول أي
شيء عن هذه المباديء. ومع ذلك، فإن الجو الأخلاقي حتى هنا في بوسطن مظلم
وكئيب. ومبادىء الحرية الإنسانية، كما أدركت حتى أنا على وجه اليقين، لا
تجد إلا دعما محدودا في ساعة الاختبار هذه. ويتحرك العالم ببطء، ولا
تختلف بوسطن كثيرا عن العالم. وكنا نعتقد بأن مبدأ حرية التعبير حقيقة
منجزة. وقد اعتقدنا هنا قبل أي مكان آخر بأن حق الناس في التجمع وفي
التعبير عن آرائهم شيء مضمون. وقد دافع الدكتور تشاننغ عن هذا الحق، وأكد
السيد غاريسون هذا الحق من الناحية العملية، وحافظ عليه ثيودور باركر
بثبات وإخلاص حتى النهاية.
ولكننا هنا اليوم نتجادل حول
ما كنا نعتقد بأننا حققناه منذ سنوات عديدة. والحقيقة المؤلمة والمخزية
البادية للعيان هي أنه رغم أن قاعة فانيويل والنصب التذكاري لبنكر هيل
قائمة، فإن حرية التعبير قد ألغيت. وليست هناك حاجة لتقديم تفاصيل مسهبة
للحقائق. فهي معروفة بالفعل بسلبياتها، وأكثر بكثير مما نتمنى بعد عشر
سنوات من الآن.
ويعرف العالم أن اجتماعا عقد
يوم الإثنين الماضي لبحث مسألة "كيف سيتم إلغاء الرق"؟ وكما يعرف العالم
فإن غوغاء من السادة اجتاحوا وأهانوا واستولوا على ذلك الاجتماع، وأن
الاجتماع توقف وتفرق بأمر من رئيس البلدية الذي رفض حمايته، مع أنه دعي
للقيام بذلك. ولو أن ذلك كان مجرد تعبير عن انفعال أو تعصب بين أشخاص من
الدرك الأسفل، أصابهم شرب الروم بالحماقة وحرضهم سياسي مخادع لتحقيق مأرب
عاجل، أي مجرد حدث استثنائي، فقد يسمح بالاكتفاء بما قيل بالفعل. ولكن
زعماء الغوغاء كانوا من السادة. كانوا رجالا يفخرون بأنهم يحترمون
القانون والنظام.
وقد جلب هؤلاء السادة
احترامهم للقانون معهم وجاهروا بذلك في ذات الوقت الذي خرقوا فيه
القانون. فقد كان قانونهم هو قانون الرق، ولكنهم داسوا بأقدامهم على
قانون حرية التعبير وقانون حماية الاجتماعات العامة، فيما كانوا يرفعون
من شأن قانون الرق.
لقد علّمنا المشهد درسا مهما.
فنادرا ما يرى الناس مثل هذا المزيج للسيد والفوضوي، كما رأينا في تلك
المناسبة. وبرهن ذلك على أن الطبيعة الإنسانية هي نفسها لا تتغير، سواء
كان ذلك في قماش مشمّع أو جوخ حريري. ومع ذلك، فعندما يتعامل السادة معنا
بشخصيات الخارجين عن القانون والمتسكعين اللامبالين – ممارسين في تلك
اللحظة سلوكاتهم وأمزجتهم – فيجب أن لا يلوموا إلا أنفسهم إذا نظر إليهم
نظرة لا تليق بمستواهم.
وليس هناك حق رأى مؤسسو
الحكومة أنه مقدس أكثر من حق حرية التعبير. فقد كان في أعينهم، كما هو في
أعين كل الأشخاص العقلاء، المصلح الأخلاقي العظيم للمجتمع والحكومة. ووصف
دانيال ويبستر ذلك بأنه حق يتربى عليه الإنسان في منزله وامتياز يتمتع به
في حياته البيتية. والحرية لا معنى لها حيث يتوقف الحق في التعبير عن
الأفكار والآراء. وهذا الحق هو مصدر خوف الطغاة من بين جميع الحقوق. وهو
الحق الذي يقضون عليه قبل غيره لأنهم يعرفون قوته. ولا بد للعروش ومناطق
السيادة والإمارات والسلطات المبنية على الظلم والخطأ أن تهتز إذا سمح
للناس أن يفكروا بالفضيلة والاعتدال وحكم العقل لأن توجد في حضورهم.
والعبودية لا تبيح حرية التعبير. فوجودها على مدى خمس سنوات سيقصي مجموعة
البيع بالمزاد العلني ويحطم كل سلسلة وقيد في الجنوب. ولن يقبلوا بشيء من
ذلك هناك، لأنهم يتمتعون بالسلطة. ولكن هل ينبغي أن يكون الأمر كذلك هنا؟
وحتى هنا في بوسطن، وبين
أصدقاء الحرية، فنحن نسمع صوتين: أحدهما يستنكر الغوغاء الذين عطلوا
اجتماعنا يوم الإثنين كانتهاك خسيس وجبان، والآخر يستهجن ويأسف على عقدنا
لمثل هذا الاجتماع من قبل مثل هؤلاء الأشخاص، في مثل هذا الوقت. وقد
أبلغنا بأن الاجتماع عقد في وقت غير ملائم وبأن الأطراف المعنية لم تكن
حكيمة.
فلماذا، وما هو الخطب بالنسبة
لنا؟ فهل سنخفف الأمر ونجد عذرا لانتهاك واضح وسافر لحق التعبير عن حرية
الرأي، عن طريق القول ضمنا بأن ممارسة ذلك الحق ليست ممنوحة إلا لأشخاص
ذوي وصف معين؟ وهل يتعين علينا، في مثل ذلك الوقت، وعندما يتم القضاء على
مبدأ عظيم، أن نكبت السخط الأخلاقي الذي يثيره هذا العمل، عن طريق توجيه
اللوم إلى الأشخاص الذين ارتكب الانتهاك بحقهم؟ وبعد كل تلك الحجج للدفاع
عن الحرية التي استمعت إليها بوسطن على مدى أكثر من ربع قرن، فهل ينبغي
عليها أن تدرك أن الوقت لتأكيد حق ما هو الوقت الذي يثار فيه النقاش حول
ذلك الحق ذاته، وأن الأشخاص الذين ينبغي عليهم أن يؤكدوه هم الأشخاص
الذين حرموا منه؟
ولن يكون من قبيل تبرير الحق
في حرية التعبير أن نبرهن على أن سادة معينين من علاة القوم في علمهم
ومقدرتهم يسمح لهم بالتعبير عن رأيهم بحرية حول جميع الموضوعات، بما في
ذلك موضوع الرق. ومثل هذا التبرير، بحد ذاته، يحتاج إلى تبرير. ومن شأن
ذلك أن يزيد الأمر تفاقما. وحتى اجتماع إلغاء الرق التقليدي لا يستطيع
تبرير ذلك الحق في بوسطن في هذا الوقت. ولن يكون هناك حق للتعبير عن حرية
الرأي إذا كان هناك شخص واحد، مهما علا شأنه أو صغر، ومهما كان صغيرا أو
كبيرا، يروّع بالقوة ويرغم على كبت مشاعره الصادقة.
ولا يقل عن ذلك وضوحا الحق في
الاستماع. فكبت حرية التعبير عن الرأي خطأ مزدوج لأنه ينتهك حقوق المستمع
وحقوق المتحدث. وحرمان شخص من حقه في الكلام والاستماع عمل إجرامي بقدر
ما هو سرقة ماله. وليس لديّ شك في أن بوسطن ستبريء هذا الحق. ولكن لا بد
لكي تفعل ذلك أن لا تقدّم أي تنازلات للعدو. وعندما يسمح لشخص أن يتحدث
لأنه ثري وصاحب نفوذ، فإن ذلك يزيد تفاقم جريمة حرمان الفقير والمتواضع
الحال من ذلك الحق.
ويجب أن يستند هذا المبدأ إلى
أساس صحيح. وإلى أن يمنح الحق إلى أكثر الناس تواضعا بحرية كما يمنح
لأرفع مواطن شأنا، فإن حكومة بوسطن لن تكون سوى اسم فارغ، وستكون حريتها
مهزلة. ولا يتوقف حق الإنسان في حرية الكلام على أين ولد أو على لون
بشرته. والطبيعة البسيطة للرجولة هي الأساس الصلب لهذا الحق، وسيبقى
الأمر كذلك إلى الأبد.
*******************************************
فريدريك دوغلاس (1818-1895)
رجل أسود ولد عبداً في ولاية ميرلاند، ولكنه هرب في العشرين من عمره إلى
نيويورك حيث وجد حريته. عمل صحافيًّا في جريدة «المُحرر» التي يملكها
وليام لويد غاريسون وتعاونا في مناهضة العبودية. برع في الصحافة واكتسب
شهرة كبيرة خطيباً بليغاً ضد العبودية. تعرف على أبراهام لينكولن وساعد
في إقناعه على إصدار إعلان تحرير العبيد. يوصف بأنه مؤسس حركة الحقوق
المدنية الأمريكية. ، وليام لويد غاريسون (1805-1879) رجل أبيض ولد في
ولاية ماساتشوستس، واشتهر بمناهضة العبودية. أنشأ جريدة «المُحرر»
المناهضة للرق واهتم بالإصلاح الاجتماعي