|
|
|
|
|
خميس علي: قراءت لكم
- عن موقع الصياد (29/11/2006)

أطلال محارب والسفينة بارماتا
بقلم: حسن عبدالرازق البنكة
http://al-saiyad.info/Detail.asp?Show=142 |
عندما تعود إلى مكان عرفته وكانت
لك فيه ذكريات راسخة ينتابك شعور يختلف من إنسان لآخر فالعين ترى كثيرا
والعقل يطلق على تلك الأمكنة بالنسبة لنا هو(الأطلال، الديار، و المواهيم
والأوهام) وآيا كانت الذكريات فان لاسترجاعها شجون مميزة تعجز الكلمات عن
التعبير عن الإحساس به تعبيرا شاملا وان تأثرك يكون أعمق حسب ما عرفته وعشته
في ذلك الوقت سواء بما كانت عليه تلك الأمكنة أو بمن كانوا فيها.
وهذا بحد ذاته شعور ينتاب جميع
شعوب العالم بمختلف أجناسهم ولغاتهم وثقافاتهم وأزمنتهم ومما يجعل لهذه
الإطلال أو الديار أو المواهيم أثراً أقوى غالبا ما يكون حصيلة نتاج الإنسان
في حياته المعاشة والمعاصرة فكلما كان رجوعه لها أكثر شجونا وإحساسا وتأثرا..
وفي هذا المقال لا أريد أن أتحدث عن همومي ومشاعري وتأثري وكم فقدت من
الأصدقاء وكم هوى منهم وكم علا ولكني سأتحدث عن أطلال و مواهيم ذلك المحارب
الاسترالي الذي عبر القارات وجاء بعد مضي أكثر من ستة وخمسين عاما لا لشيء
إلا ليزور رجلا و مغارة كانا الملاذ الأمن والملجأ المنقذ لحياته وحياة اثنين
من رفاقه بعد أن دمرت السفينة الحربية الاسترالية (بارماتا) التي كانوا على
متنها بطوربيد ألماني في 27-11-1941م قبالة سواحل البردي وظلوا يصارعون
الأمواج في زمهرير الشتاء طوال 36 ساعة قبل أن تقف به إلى رمال شاطئ جنزور
وكان عمره آنذاك لا يتعدى العشرين سنة.
ولمعرفة التفاصيل سأرجع إلى الوراء
وبالتحديد لعام 1997م عندما طرق باب منزلي الصديق حمد حامد الطلياني ليقول لي
إن هناك ضيفين قادمين من استراليا رجلا يتعدى السبعين من عمره ترافقه ابنته
ذات الثلاثين لزيارة رجل يدعى محمود الطلياني أو ممن بقي من أسرته على قيد
الحياة وذهبنا لاستقبال ذلك الضيف القادم من بعيد السيد (دوستي ميلر) وابنته
السيدة (كارولين ميلر) وكان لقاؤنا بهم بمنزل الصديق المرتضي حامد بمنطقة
البردي وبحضور الحاج حامد محمود الطلياني الذي قال عنه السيد ميلر(انه نسخة
طبق الأصل عن والده.
وبعد تناول وجبة الغداء وتبادل أطراف الحديث توجهنا غربا إلي منطقة شرق وادي
العتوة لزيارة الأماكن المراد زيارتها وأولها المقبرة التي تضم رفاة المرحوم
محمود الطلياني لما عرفه هذا المحارب فيه من شهامة وخلق ورجولة وأيضا ليقف
بنفسه على تلك المغارة التي كانت وراء حمايته ورفاقه من جحافل جيوش قوات
المحور في تلك الأيام العصيبة وهي مغارة (أم النجوم).
وعندما وصلنا إلى المقبرة ترجل
السيد (ميلر) من السيارة ووقف ممعنا النظر تجاه القبور بصمت مطبق وسكون حزين
ووقار هادئ لفترة من الوقت ثم واصلنا الرحلة بمحاذاة الشاطئ والى هنا والأمور
عادية و لا شيء يثير الفضول أو الاستغراب وكان السيد (ميلر) طوال الطريق
نافيا بإيماءة من رأسه حتى وصلنا إلى منزل الأخ محمود نصيب الشاعري احد
القاطنين بالقرب من المغارة وعند سؤاله أرشدنا إلى مكان وجودها والذي يبعد
قليلا إلى الشمال من مسكنه فالتفت إلى السيد (ميلر) وأخبرته انه بعد دقائق
قليلة سنصل إلى ذلك المكان الذي قطعت المسافات الطويلة وانتظرت السنوات
الأطول لرؤيته.
واتجهنا شمالا حتى شارفنا على
الاقتراب من المكان المقصود وعندما ترجلنا من السيارة وبدأنا السير على
الأقدام إلى أن رأينا الوادي الصغير والذي توجد في سفحه الشرقي مغارة (أم
النجوم) والتي تبعد عن البحر بحوالي 400 متر، وهنا وقف الرجل وشردت عيناه
بذهول تجاه المغارة والشاطئ معا دون أن ينبس بكلمة.. وظل صامتا للحظات ثم قال
بتلعثم أرجوكم ساعدوني على الوقوف فان رجلي لم تعد تقويان على حملي وكأن
الزمن قد رجع به إلى الوراء فجأة واحمر وجهه واختفت عيناه خلف دموع غزيرة
وعندها تذكرت كلمات الشاعر سالم البنكة عند مجيئه لأطلال ديار كان لها في
نفسه مكانة خاصة حيث قال:
جينا على أديار لنا قدايم - الله
هو الدايم - اعيوني فلت دمعهن جا زعايم
جينا علي اديار كانن ابنوري- وابيوت كي الجوري- اوهلهن امبيفين كيف الصقوري
غير عليها الدنيا غروري – زهاها حشايم- أيعاود ابكي او حزن كله ندايم
والنجع المقادي – واليوم فالجبابين تحت اللحادي- امعيشتي بعدهم أمعيشة لعادي
أشداد العزايم – أحماة المخاويل والطبل زايم.
وما أكثر تشابه الأحاسيس والمشاعر
وان اختلفت الظروف والأزمنة والأمكنة ورحم الله الراحل محمد بوفليقة كان يردد
عند حدوث مثل هذه المواقف (إن لكل شيء قمة وقمة الأخلاق الوفاء)
وبدأت خطواتنا بطيئة وثقيلة وكأننا
نجر رجلاً مشلولاً وما إن وصلنا واحتوتنا تلك المغارة الصغيرة حتى جثا ذلك
المحارب على ركبتيه حاني الجبين مطأطئا واضعا رأسه بين كفيه وأجهش بصوت أشبه
بالأنين وانهمرت تلك الدموع الكثيفة بغزارة فتركناه وحده وخرجنا جميعا
وأحداقنا تملؤها الدموع.
وسألتني السيدة كارولين خارجا
لماذا سميت هذه المغارة (بأم النجوم) ولم أكن أنا نفسي اعرف السبب إلا إنني
أجبتها لقد سميت بهذا الاسم لأنها كانت السبب في حماية أبيك وإعطائه الأمان
ليعيش ويتزوج وينجب لنا نجمة هي أنت فنظرت تجاه البحر الذي كان بلون عينيها
واحمرت وجنتاها خجلا واكتفت بالإجابة وبعد حوالي عشرين دقيقة دخلت بخطوات
هادئة على والدها ودخلنا خلفها وتحدث إلينا قائلا حينما كنت ورفاقي نقيم هنا
كان هذا الكهف الصغير كل الأمل الذي بقي لنا في الدنيا ولولا ذلك الرجل الطيب
ورفاقه ما كنا لنعرف كيف سيكون مصيرنا وكل ما أستطيع قوله عنهم أنني رأيت في
حياتي الكثير وقابلت الكثيرين من مختلف بلاد العالم لكني لم أر ولم اعرف اصدق
ولا أطيب و أنبل من أولئك البدو .
وغادرنا المكان عند الغروب شرقا
حيث كانت رحلتهم إلى استراليا عند الساعة الثامنة صباحا من مطار القاهرة
لحضور الاحتفال بيوم المحارب الاسترالي وكان لهذا المحارب حلما وأملا في
إنهاء كتاب عن حياته أوقف إصداره حتى استكمال الفصل الأخير منه وهو زيارته
لذلك المكان وتلك الأطلال وخلال أسبوعين من رحلتهم وصلتنا نسخة من ذلك الكتاب
الذي سأنشر أهم محتوياته في عدد قادم بإذن الله لما فيه من مواقف إنسانية
وأحداث لا يتكرر مثلها كثيرا.
|
|
|
libyaalmostakbal@yahoo.com