21/08/2007
 

 
 
سيف الإسلام القذافي يقترح دستورا بأربعة خطوط حمر
تقرير: عمر الكدي- إذاعة هولندا العالمية
 

 

دعا سيف الإسلام القذافي رئيس مؤسسة القذافي للتنمية إلى وضع دستور للبلاد، وقال في خطاب أمام 40 ألف من أعضاء الروابط الشبابية في مدينة بنغازي يوم أمس الاثنين إن:" التحدي القادم هو أن نضع حزمة من القوانين التي يمكن أن نسميها دستورا أو عقدا اجتماعيا أو غيرها. المهم هو عقد ينظم حياة الليبيين." ولكنه حدد أربع خطوط حمر لا يمكن تجاوزها في هذا الدستور وهي:"الإسلام، أمن البلد، الوحدة الوطنية، ومعمر القذافي."
 
الاقتراع السري
 
كما دعا إلى استقلالية عدة مؤسسات من بينها المحكمة العليا، المصرف المركزي، الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني. مطالبا بتعيين أعضاء المحكمة العليا مدى الحياة، وأن تتيح الاستقلالية لمصرف ليبيا المركزي أن يتخذ قراراته بعيدا عن أي حسابات سياسية، وأن يتولى الإعلام المستقل كشف كل أشكال الفساد في المجتمع والدولة.
 
ودعا نجل القذافي إلى:" حوار كبير يشمل الشعب الليبي بالكامل لنصل في أقرب وقت إلى الصيغة المثالية لهذه لقوانين." وتحاشى سيف الإسلام القذافي في هذا الخطاب أي نقد لنظام والده كما فعل في خطابه بنفس المناسبة من العام الماضي، عندما قال بأنه لا توجد ديمقراطية في ليبيا، وندد بما سماه "بالقطط السمان"، وعلى العكس من ذلك حاول هذه المرة الجمع بين " نظام المؤتمرات الشعبية" المعتمد في ليبيا مع بعض الإصلاحات، حيث دعا إلى الاقتراع السري، بدلا من الاختيار المباشر للمسئولين بطريقة "التصعيد"، كما دعا إلى الجمع بين الاقتراع لاختيار المسئولين على إدارة الدولة، وتعيين كبار موظفي الدولة وفقا للكفأة والخبرة، مشيرا إلى أن من حق رئيس الحكومة أن يختار أعضاء وزارته الذين ينسجم معهم، مضيفا أنه يريد تقوية النظام الحالي للبلاد لجعله أكثر كفاءة.
 
منابر سياسية
 
كما دعا سيف الإسلام إلى توسيع الحوار السياسي خارج " اللجان الشعبية"، مقترحا إنشاء منابر سياسية، وهو ما لا يزال يتم تجريمه في ليبيا. كما حذر من ثلاثة أشياء قال أنه يجب مواجهته بشدة، وهي الإرهاب، مضيفا أن من يريد الجهاد عليه التوجه إلى العراق أو فلسطين، والهجرة غير الشرعية انطلاقا من ليبيا، والتآمر مع جهات خارجية.
 
خطة جديدة للتنمية
 
كما تطرق نجل القذافي في خطابه إلى تفاصيل خطة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، تصل ميزانيتها إلى أكثر من 82 مليار دولار، حوالي 104 مليار دينار ليبي، تركز على الإسكان والصحة والتعليم، والبنية التحتية. وكانت مؤسسة القذافي للتنمية قد أنفقت على زواج 1500 زوج من الشباب في نفس اليوم الذي ألقي فيه الخطاب، كما حضر الخطاب 4000 طالب وطالبة في طريقهم إلى الدراسة خارج ليبيا.
 
الرهان على الشباب
 
تأتي هذه التطورات التي عاش الليبيون طويلا في انتظارها، بعد أن أقفلت ليبيا كل ملفات خلافها مع الغرب، بعد سنوات طويلة من انتهاج سياسات مناهضة للغرب، أدت إلى عزلتها، وإلى إفقارها، وأنعكس ذلك بشكل واضح على شريحة الشباب، وهي الشريحة الأوسع في البلد التي خرجت إلى الدنيا ولم تجد في انتظارها أي شئ، وتحولت مع سيادة الخطاب الأصولي إلى قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت، لذلك توجه سيف الإسلام منذ ظهوره المثير للجدل على المسرح السياسي في بلاده إلى هذه الشريحة، حيث أنشأ تجمع الروابط الشبابية، التي تنتشر روابطها في كل البلاد، محاولا إيجاد معادل للجان الثورية المنتشرة بدورها في كل البلاد، وبالرغم من أن سيف الإسلام القذافي لا يحتل أي منصب رسمي، إلا أنه ومن خلال مؤسسته " مؤسسة القذافي للتنمية" استطاع إيجاد حلول لكل الملفات المستعصية وخاصة مع الغرب، مثل ملف لوكربي، وطائرة اليو تي أي الفرنسية، وأخيرا ملف الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني، الذين اتهموا بحقن 438 طفلا بالفيروس المسبب لمرض الإيدز، في مستشفى الأطفال في مدينة بنغازي، والذين أعلن سيف الإسلام بنفسه أنهم كانوا أبرياء، وأن بلاده اختلقت القضية منذ البداية للثار مما لحق بها بسبب قضية لوكربي، وأن الممرضات والطبيب تم تعذيبهم لاجبارهم على الاعتراف بالتهمة، وقد بينت هذه التصريحات هدف سيف الإسلام الحقيقي وهو رغبته في خلافة والده بموافقة الليبيين وأيضا بموافقة الغرب، الذي سيرى في مثل هذه التصريحات نوعا من الشفافية التي لم يجرؤ أي مسئول ليبي على الإدلاء بها.
 
ويرى بعض المراقبين أن كل ما في الأمر أنه سينفق عدة ملايين أخرى لتعويض الطاقم الطبي البلغاري، وبالمثل سيفعل مع الليبيين الذين لم يعد أمامهم أي خيار آخر إلا السير خلف سيف الإسلام، بسبب القبضة الأمنية التي منعتهم من التعبير علنا عما يجيش في صدورهم، وأيضا بسبب سياسة الحرمان الاقتصادي التي انتهجها العقيد القذافي بسبب عواقب قضية لوكربي، في الوقت الذي يرى فيه الليبيون ثروات نفطهم تذهب بعيدا لتصب في أدغال إفريقيا.
 
مصلح أم وريث ؟
 
تبدو خطة سيف الإسلام لخلافة أبيه في حاجة إلى مثل هذه التنازلات على مستوى الدستور، وحرية الإعلام والحكم الرشيد، بعد سنوات طويلة من التمسك بأن كل ما جاء من حلول في الكتاب الأخضر هي الحلول الأخيرة والنهائية التي تفتق عنها العقل البشري، وإذا كان والده قد احتكر السلطة طوال 38 سنة بحجة أنهم سلم السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب، وأن المؤتمرات الشعبية هي صاحبت القرار في البلد، فإن على سيف الإسلام أن يقول العكس لتحقيق نفس الهدف، ومن الواضح أن الدوغما التي كبلت خطاب الوالد، هي التي أعاقت انتقال السلطة في غضون خمس دقائق، كما حدث عندما تولى بشار الأسد مقاليد الحكم خلفا لوالده.
 
في "الجماهيرية العظمى" لا يمكن القيام بذلك، لأن الجميع تواطأ أن السلطة فعلا بيد الشعب. لذلك كان على سيف الإسلام أن يتحاشى كل المؤسسات التي بناها أبيه، وأن يبدأ السباحة على ضفاف مؤسسات محروسة بالهتاف والبنادق والفساد، ذلك أنه كان سيقامر بوراثة تركة متورمة بالمشاكل التي ليس لها حل، إلا بإلغائها، وكأنها لم تكن.
 
وحتى يضمن سيف الإسلام نجاحه لا بد من وجود "حرس قديم"، يحاول حماية ركام من "الانجازات"، وهذا يضمن "للوريث" تأييدا شعبيا، وخاصة من شريحة الشباب، ليصبح التوريث خيارا شعبيا، وليس أمرا فوقيا.
 
البحث عن الزمن الضائع
 
إذن سيكون لليبيين دستور مرة أخرى، بعد أن كان لهم دستور صدر في عام 1951 عرف بدستور دولة الاستقلال، ألغاه العقيد القذافي بعد انقلابه العسكري عام 1969، وكان الدستور المذكور من أكثر الدساتير تطورا في المنطقة، حتى أنه تمكن من إلغاء مراسيم ملكية بحكم صادر عن المحكمة العليا.
 
البيان الأول
 
ورغم التباين الشديد بين من يرحب بالدور الذي يلعبه سيف الإسلام القذافي، باعتبار أنه لا يوجد أي خيار آخر يمكن الركون إليه، وبين من يعارض هذا الدور، على اعتبار أن الابن سر أبيه، فإن تعقيدات الواقع الليبي قد تكشف عن سيناريوهات أخرى، لذلك كان سيف الإسلام هذه المرة حذرا في انتقاء كلماته، على خلاف خطابه في العام الماضي، عندما انتقد نظام والده كما لم ينتقده أي معارض آخر، ولهذا وضع والده خطا أحمر لا يمكن الوصول إليه، لعله بذلك يقترح الحل " الشيلي"، عندما أبعد الجنرال بيونشيه، دون أن يجرؤ أحد على محاكمته، ولذلك أيضا ختم سيف الإسلام خطابه بإعادة قراءة البيان الأول، الذي كان والده قد قرأه صبيحة يوم انقلابه، وليس بالمصادفة أن يكون الاثنان قد اختارا مدينة بنغازي، المعروفة في وسائل الإعلام الليبية ب"مدينة البيان الأول"، هل يمكننا القول أن سيف الإسلام قد قرأ بيانه الأول؟ أم أن الوالد الذي لا يزال يمسك بمقاليد البلاد والعباد، قد يرى مزاجه الجيب أمرا آخرا ؟.
 
عن موقع إذاعة هولندا (العربية)
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com