بمناسبة الذكرى
الخامسة والأربعين لثورة 26 سبتمبر، ألقى الرئيس اليمني علي
عبد الله صالح خطابا تضمن مبادرة للإصلاحات الدستورية، وشن
خلاله هجوما على المعارضة، متهما بعض القوى السياسية اليمنية
بافتعال أزمات سياسية، للهروب من مواجهة المشاكل الداخلية،
من خلال تنظيم الاعتصامات والتظاهرات:" إن هناك افتعالا
للأزمات من بعض القوى السياسية هروبا من مشاكلها الداخلية،
حيث تحاول بذلك تصدير أزماتها إلى الشارع، ولكن شعبنا واع
ويعرف من هي هذه القوى التي تفتعل ألازمات مستغلة موجة
الاعتصامات والمسيرات لعناصر من ضباط الجيش والأمن
المتقاعدين ليحاولوا تأجيج الشارع بشكل غير مسئول بما يعرقل
تنفيذ المشاريع ويعيق الاستثمارات ويعطي صورة غير جيدة عن
الشعب اليمني ".
الرئيس يحكم مرتين فقط !
وأطلق الرئيس
اليمني خلال خطابه حزمة من الإصلاحات الدستورية، تشمل شكل
النظام السياسي في البلاد، حيث ووفقا لمبادرة الرئيس صالح،
سيكون النظام السياسي في اليمن رئاسيا كاملا، على أن تخفض
فترة الرئاسة من سبع سنوات إلى خمس سنوات، وأن يحكم الرئيس
لفترتين انتخابيتين فقط، كما ستكون فترة السلطة التشريعية
المتكونة من مجلسي النواب والشورى أربعة أعوام، بدلا من ستة
أعوام. وسينتخب أعضاء مجلس النواب حسب عدد سكان كل منطقة،
بينما سيكون هناك تمثيل متساو لكل مناطق اليمن في مجلس
الشورى، وسيبدأ تنفيذ هذه التغييرات من الانتخابات الرئاسية
القادمة عام 2013.
15 % من مقاعد البرلمان للنساء
ووفقا لمبادرة
صالح سيختار الناخبون سلطاتهم المحلية في المحافظات
والمديريات، التي ستشرف على الضرائب والموارد المحلية، كما
سيكون في البلاد أمن عام مركزي يتكون من كل المحافظات، وتشمل
المبادرة تغييرات في اللجنة العليا للانتخابات، حيث ستشكل
لجنة من 14 شخصا يختارهم مجلس القضاء الأعلى من ذوي
الكفاءات، ويختار من بينهم رئيس الجمهورية سبعة أشخاص يشرفون
على الانتخابات. ولم تغفل المبادرة النساء، حيث سيخصص لهن 15
% من مقاعد مجلس النواب.
تكتل اللقاء المشترك يرفض
المبادرة
ودعا صالح كل
القوى السياسية في اليمن لمناقشة مبادرته، وخاصة أحزاب تكتل
اللقاء المشترك (خمسة أحزاب معارضة رئيسية) التي قاطعت
الدعوة التي كان قد وجهها الرئيس لمناقشة مبادرته، كما رفضت
الحضور للاحتفال للاستماع إلى مبادرته. وأتهم الرئيس معارضيه
بأن أحزابهم غير ديمقراطية:
"إذا أمنت الأحزاب
بالديموقراطية في أطرها الداخلية، فتلك خطوة متقدمة، لكن إذا
افتقدت هذه الأحزاب للديموقراطية وظلت تنظر للديموقراطية لدى
الآخرين دون أن تمارسها داخل صفوفها فتلك مشكلة".
الرئيس مسئول عن كل شيء
وبرر الرئيس
اليمني اختياره للنظام الرئاسي وليس للنظام البرلماني
بقوله:"أن يكون هناك نظام رئاسي كامل.. لماذا كاملا ! .
.لأننا أخذنا في دستورنا الحالي بنظام الجمع بين النظام
الرئاسي والنظام البرلماني وذلك لكي يكون هناك اكبر عدد من
المشاركين في هذا الإطار، ومن خلال تجربتي في الحكم على مدى
28 سنة أو 29 سنة لمسنا أنه لذا ارتفع سعر الطماطم أو إذا قل
البصل في السوق أرجعوا ذلك إلى الرئيس وحتى إذا ما احتجزت
السلطات المختصة شخص يحمل السلاح بدون ترخيص ويتجول به في
الشارع، قالوا هذا بأمر من السلطات العليا وكلها سلطات عليا
إذا مازلنا نعمل بأثر رجعي على محطة رقم واحد، كما كان الحال
في النظام الشمولي والنظام الأمامي، وطالما هناك من يريد كل
شيء في رأس واحد، فليكن هناك نظام رئاسي كامل ويتحمل الرئيس
هذا الأمر وأي رئيس جمهورية سينتخب يأتي ويتحمل كامل
المسؤولية أمام الشعب ويحاسب عن أي تقصير " وقال الرئيس صالح
في خطابه إذا رغب الشعب في نظام برلماني "فسنلبي رغبته دون
عناد".
مناورة جديدة للاحتفاظ بالسلطة
ومن جهتها قللت
أحزاب المعارضة من أهمية مبادرة صالح، معتبرة أنها محاولة
للالتفاف على الإصلاح السياسي الحقيقي في اليمن وذلك بتوسيع
دائرة المشاركة في الحكم، من خلال تحويل النظام السياسي إلى
نظام برلماني، ووصف المعارضون هذه المبادرة بملهاة جديدة
للقوى السياسية.
ووصف بعض
المعارضين مبادرة صالح بكونها مناورة لضمان فترتين رئاسيتين
جديدتين، وثمة من وصف المبادرة بكونها حل لمعضلة التوريث
التي وصلت إلى طريق مسدود. ويذكر أنه سبق تعديل الدستور وذلك
بتمديد الفترة الرئاسية من خمس سنوات إلى سبع سنوات، منذ
انتخابات عام 1999، وأيضا في انتخابات 2006، والتي كان
الرئيس صالح قد أعلن قبلها أنه لن يترشح للرئاسة مرة أخرى،
ثم غير رأيه بسبب المظاهرات التي خرجت تطلب منه الترشح من
جديد، وهي الانتخابات التي فاز فيها بنسبة فاقت السبعين في
المائة، وكان الرئيس صالح قد وصل إلى السلطة في اليمن عام
1978، بعدما كان يشغل منصب نائب رئيس أركان القوات المسلحة
اليمنية برتبة مقدم، ونظرا لموجة الاغتيالات التي أدت إلى
مصرع الرئيس إبراهيم الحمدي، ومن بعده الرئيس الغشمي لم
يتقدم أحد لملء المقعد الشاغر و " المفخخ ". وكانت أفضل
التوقعات ترى أن الرئيس الجديد سيبقى في السلطة عدة أشهر،
ولكنه بقى حتى الآن 28 سنة متواصلة، انهار خلالها الاتحاد
السوفيتي، واختفت اليمن الجنوبي بتوحدها مع الشمال.
44 سنة سلطة
ويلاحظ المراقبون
أن المعارضة في المنطقة تتهم الأنظمة الحاكمة بتثبيت سلطاتها
من خلال "الإصلاحات". هذا ما حدث في مصر عندما أقرت
التعديلات الدستورية، وحتى في ليبيا عندما طرح سيف الإسلام
القذافي مبادرة للإصلاح السياسي في البلاد، من خلال وضع
دستور بدل الدستور الذي تم إلغاؤه عام 1969، ولكنه وضع خطوطا
حمرا شملت والده. وفي باكستان اشترط الجنرال برويز مشرف أن
ينتخب رئيسا للجمهورية مقابل تخليه عن بزته العسكرية، بينما
تطالبه المعارضة بالتخلي أيضا عن قيادة القوات المسلحة، وفي
كل هذه البلدان لا يمكن الفصل بين الإصلاح الحقيقي، ومحاولة
الاحتفاظ بالسلطة أطول فترة ممكنة، خاصة وان الفشل الذريع
للولايات المتحدة في العراق، قد أدى إلى تغيير خطاب الغرب من
تجذير الديمقراطية في المنطقة، إلى الدعوة إلى استقرار
المنطقة من خلال دعم الأنظمة الحاكمة، والضغط عليها من أجل
تحقيق بعض الانفراجات هنا وهناك. فهل مبادرة الرئيس صالح تصب
في خانة إصلاح اليمن "السعيد"، أم أنها مجرد محاولة لضمان
البقاء في السلطة لأربعة وأربعين عاما متواصلة
؟
عن موقع إذاعة
هولندا (العربية)
|