يتواصل التصعيد
العسكري بين الجيش التركي وحزب العمال الكردستاني قرب الحدود
العراقية التركية. وجددت تركيا اليوم قصفها لقرى كردية داخل
الحدود العراقية. يأتي هذا القصف رداً على عملية شنها حزب
العمال ليلة السبت على الأحد استهدفت القوات التركية وقتل
فيها 12 جندياً حكومياً على الأقل. شكلت هذه الخطوة
التصعيدية من قبل مقاتلي حزب العمال ضربة للجهود العراقية
والأمريكية لاحتواء الأزمة وإقناع أنقرة بالعدول عن خططها
باجتياح شمال العراق.
حصل الهجوم على
القوات التركية في محافظة هكاري في أقصى الجنوب الشرقي
التركي قرب المثلث الحدودي مع العراق وإيران. تمتاز هكاري
بجبالها العالية الوعرة التي تتداخل مع سلاسل جبلية تمتد إلى
البلدين المجاورين. يتخذ مقاتلو حزب العمال الكردستاني من
هذه الجبال مقرات عسكرية لهم ينطلقون منها لتنفيذ عمليات
عسكرية ضد الدولة التركية.
تعقل وتصميم
أثار الهجوم
المزيد من الغضب في أنقرة، وزادها تصميماً على تنفيذ
تهديداتها بشن هجوم عسكري لمطاردة مقاتلي الحزب داخل الأراضي
العراقية. وقد تزامن هذا التصعيد مع مؤتمر صحافي عقده زعيما
الحزبين الكرديين العراقيين الأحد للردّ على التهديدات
التركية. كرر الزعيمان رفضهما للعمليات العسكرية التي يخوضها
حزب العمال، كما رفضا التهديدات التركية باجتياح إقليم
كردستان العراقي. وقال مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي
الكردستاني ورئيس إقليم كردستان إن الأكراد لن يكونوا طرفاً
في الحرب بين تركيا وحزب العمال، لكنهم سيدافعون عن أنفسهم
في حال تعرض إقليمهم لاعتداء. من جانبه رفض جلال طالباني
رئيس جمهورية وزعيم حزب الإتحاد الوطني الكردستاني المطالب
التركية بتسلم قادة أكراد.
بالرغم من
التصعيدات الأخيرة فإن الجهود الدبلوماسية لا تزال متواصلة
أيضاً لاحتواء الأزمة. وكشف رئيس الوزراء التركي رجب طيب
أردوغان أن وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس قد طلبت
منه مهلة أسبوع لإعطاء مزيد من الوقت للجهود الدبلوماسية قبل
أن تقرر تركيا ما تفعله للقضاء على مقاتلي حزب العمال. وحاول
أردوغان طمأنة المعترضين على التهديدات الأمريكية، لا سيما
في واشنطن، بالتأكيد على أن هدف العمليات المزمع القيام بها
يقتصر على مطاردة التنظيم الانفصالي المسلح وقال "ليست لدينا
أي مشكلة مع السكان المحليين في شمال العراق". كما أكد أن
الإذن الذي حصلت عليه حكومته الأسبوع الماضي من البرلمان لا
يعني بالضرورة حصول هجوم سريع على شمال العراق، وقال إن
حكومته "ستتصرف بتعقل وتصميم."
رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان
لا نحتاج إذناً
وقال أردوغان في
لقاء لقناة "24 ساعة" التركية إنه عازم على حسم مسألة التدخل
العسكري التركي المحتمل في شمال العراق مع واشنطن بشكل صريح
وقاطع خلال زيارته للولايات المتحدة في 5 نوفمبر المقبل،
وإنه يأمل في الحصول على نتيجة نهائية بهذا الشأن موضحا أن
ملامح التحرك التركي وشكل العملية العسكرية المحتملة ستتحدد
بعد هذه الزيارة. وللتعبير عن قوة تصميم حكومته قال أردوغان
رداً على تساؤلات حول احتمال إصرار واشنطن على معارضة الخطط
التركية "إن تركيا ليست بحاجة لطلب الإذن من أية جهة أو
دولة" وشدد على أن الحكومة التركية تتخذ جميع خطواتها بما
يتماشى والمصالح الوطنية لتركيا.
ويرى مراقبون إن
حزب العمال الكردستاني قد يخسر التعاطف غير المعلن الذي يحظى
به لدى الساسة الأكراد العراقيين بسبب خطواته التصعيدية التي
جعلتهم في موقف أكثر حرجاً. ففي الوقت الذي يبذل هؤلاء
الساسة كل جهودهم، مستخدمين علاقاتهم مع واشنطن، لإقناع
أنقرة بالعدول عن تهديداتها، أضاف حزب العمال سبباً جديداً
يسبغ المشروعية على تلك التهديدات عبر هجومه على القوات
التركية، وقتله اثني عشر جندياً. هذا هو الرقم الذي أعلنته
المصادر العسكرية التركية، التي أكدت أيضاً مقتل 32 متمرداً.
ونفى الجيش التركي وقوع أفراد منه في الأسر، وهو الأمر الذي
أعلنه الناطق باسم حزب العمال عبد الرحمن من موقع الحزب في
سلسلة جبال قنديل الحدودية.
أنابيب النفط
وقد سبق هذا
الهجوم تصعيد آخر من قبل حزب العمال عبر إعلانه الجمعة عن
أنه سيعتبر الأنابيب التي تنقل النفط العراقي عبر تركيا
أهدافاً عسكرية لمقاتلي حزبه، وهو ما أثار استياء العراقيين
في بغداد وفي إقليم كردستان. لكن مهما كان الموقف الكردي من
حزب العمال فإن المستبعد أن يكون بمقدور الأكراد إخراج
عناصره من الإقليم. لذلك لا يستبعد أن تقوم الولايات المتحدة
بنفسها بقيادة هجوم، قد تشارك فيه قوات عراقية، وكردية من
البيشمركة لتطهير المناطق الجبلية من عناصر الحزب.
في هذا الصدد كشفت
صحيفة واشنطن تايمز الأمريكية عن جهود تبذلها واشنطن للضغط
على قادة الأكراد من أجل استخدام قوات البيشمركة التابعة لهم
للقيام بعملية ضد مقاتلي حزب العمال. ونقلت الصحيفة عن
مصدرين عراقي وأمريكي لم تذكر اسميهما قولهما إن السفير
الأمريكي في بغداد رايان كروكر ابتدأ الأسبوع الماضي بدراسة
إمكانية أن تشن البيشمركة هجوما على جبل قنديل يستهدف مقرات
حزب العمال المتحصنين فيها.
ليس من المتوقع أن
يقوم الأتراك بشنّ هجوم كاسح على شمال العراق، نظراً للضغوط
التي تمارسها واشنطن لثنيهم عن ذلك. لكن التصعيد التركي
الحالي يحمل الكثير من الرسائل التركية إلى أكراد العراق قبل
غيرهم بأن تركيا لن تقف متفرجة على الطموحات الكردية
بالاستقلال في شمال العراق، وما يعنيه ذلك من دعم معنوي، قد
يتحول إلى دعم مادي، للمتمردين الأكراد في أراضيها. لذلك ربط
عديد من المراقبين بين التصعيد التركي الأخير وبين المشروع
الذي صوتت لصالحه غالبية مجلس الشيوخ الأمريكي قبل أسبوعين،
والقاضي بتقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات ذات استقلالية
واسعة، يكون إقليم كردستان أحدها.