01/10/2007
 

تقسيم العراق.. التسمية الصريحة والتسميات المواربة
تقرير: شعلان شريف (إذاعة هولندا-العربية)

 
 
 
 

نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي

 

 

جلال طالباني وعبد العزيز الحكيم يقودان مشروع "الاتحاد" منذ أوائل التسعينيات

قوبل تصويت مجلس الشيوخ الأمريكي لصالح قرار غير ملزم يوصي بتقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات شبه مستقلة بالرفض والتنديد من قبل بعض الأطراف السياسية في العراق، وبالترحيب من قبل الأكراد، وبالصمت أو بالتعليقات الغامضة من قبل زعماء الائتلاف الشيعي. وبالرغم من الصدمة التي يثيرها مصطلح "تقسيم العراق" إلا أن مضمون المشروع لا يختلف كثيراً عن مشروع الفيدرالية الموسعة الذي تتبناه أحزاب عراقية واسعة النفوذ. ولعل تسمية الأشياء بأسمائها تمثل نقطة إيجابية تجعل الجدل العراقي حول مستقبل البلاد يخرج من دوامة التسميات المواربة، ليجعل الجميع في مواجهة المضامين الحقيقية لتلك التسميات.
 
مخرج اليائسين
 
صوت مجلس الشيوخ الأمريكي يوم الأربعاء لصالح مشروع قرار غير ملزم تقدم به السيناتور الديمقراطي، والمرشح للرئاسة، جوزيف بايدن، يقضي بتقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات شبه مستقلة، شيعي وسني وكردي، تربط بينها حكومة اتحادية محدودة الصلاحيات تتولى حماية الحدود وتوزيع عائدات النفط. حظي المشروع بموافقة 75 عضواً، ورفضه 23 فقط. يعكس مشروع القرار حالة اليأس التي وصل إليها كثير من السياسيين الأمريكيين من إمكانية نجاح سياسة الرئيس بوش في العراق.
 
حظي مشروع القرار بموافقة أعضاء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري. أما المعارضون، وغالبيتهم من الحزب الجمهوري الحاكم، فإنهم يرون في مشروع القرار هذا رسالة خاطئة إلى العراقيين، توحي بأن واشنطن هي التي تصدر الأوامر بشأن مستقبل العراق، وهو ما يتعارض مع توجهات الرئيس بوش القاضية بتوكيد استقلالية الحكومة والبرلمان العراقيين في تحديد مستقبل البلاد.
 
نهاية العراق
 
ليس مشروع السيناتور بايدن جديداً في الولايات المتحدة. فقد طرحت فكرة تقسيم العراق لإنهاء العنف فيه، وتأمين خروج أمريكي مشرف وآمن منه، من قبل عدد من الباحثين الأكاديميين، والمحللين السياسيين. لعل أهم تلك الطروحات ما ورد في كتاب "نهاية العراق" لمؤلفه بيتر غاليبريث، عضو لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس في الثمانينات والتسعينات. اعتبر غاليبريث إن تقسيم العراق قد اصبح أمراً واقعاً، وأن محاولة إبقائه موحداً ليس سوى عبث. يقول غاليبيرث "إن الولايات المتحدة يجب أن تركز الآن ليس على استعادة العراق الموحد الذي دمره سياسيو بوش غير المتمرسين والحمقى ولا على فبركة وحدة مزيفة وكاذبة لهذا البلد ولكن تركز على منع انتشار الحرب الأهلية المدمرة والمميتة."
 
ويختصر غاليبريث رؤيته لمستقبل العراق بالقول "العراق يوغسلافيا جديدة، وينبغي أن يّتم تقسيمه كما تمّ ذلك في يوغسلافيا وان تصبح هناك ثلاث دويلات كردية في الشمال موالية لأمريكا وشيعية في الجنوب موالية لإيران وسنية عربية في الوسط تعمّها الفوضى... "
 
مخاوف عربية
 
لكن هذه هي المرة الأولى التي تخرج فيها طروحات تقسيم العراق في الولايات المتحدة من مراكز البحوث وحلقات النقاش الأكاديمية إلى مواقع صناعة القرار عبر طرح المشروع للتصويت في مجلس الشيوخ. وقد أثارت فكرة التصويت على مستقبل العراق بحدّ ذاتها مخاوف واستنكار واسع في العراق وفي المنطقة العربية. فقد ردت الجامعة العربية في اليوم التالي ببيان شديد اللهجة، استنكرت فيه أن يقوم الأمريكيون بمناقشة مثل هذا الموضوع. ووصف البيان مشروع القرار بـ "العمل التخريبي" ودعا العرب إلى تعزيز حضورهم في الساحة العراقية رداً على مشاريع التقسيم الأمريكية. ورفض وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل فكرة التقسيم قائلاً إنها ستؤدي إلى سفك المزيد من الدماء.
 
رفض سني قاطع
 
أما في العراق فقد دعا عدد من البرلمانيين إلى اتخاذ مواقف صريحة وقوية لمواجهة مشروع التقسيم الأمريكي. فقد عقد زعيم كتلة الحوار الوطني (سنية- علمانية لها 11 مقعداً) مؤتمراً صحفياً الخميس دعا فيه الشعب العراقي إلى رفض مشاريع التقسيم ومواجهتها بقوة. وطالب صالح المطلك في المؤتمر الصحفي الذي عقده في قصر المؤتمرات الدول العربية والأمم المتحدة ودول العالم استنكار قرار تقسيم العراق كونه خروجاً على القانون الدولي مشيرا الى انه "اذا كانت أمريكا متخوفة من الحرب الأهلية فأن مشروع التقسيم سيكون بداية للحرب الأهلية."
 
وتهجم النائب عن جبهة التوافق (سنية 44 مقعداً) حسين الفلوجي بشدة على الخطوة التي اتخذها مجلس الشيوخ قائلاً "أعتقد هو قمة السقوط الأخلاقي عندما تتورط أمريكا في تدمير العراق وتوغل بقتل أبناء الشعب العراقي وعندما تفكر بالخروج لا تبحث إلا بمشروع لتقسيم العراق". أما النائب مثال الآلوسي رئيس حزب الأمة (علماني، مقعد واحد) فقد دعا إلى اعتبار السيناتور جوزيف بايدن "شخصية غير مرغوب بها في العراق"
 
مواقف شيعية متباينة
 
وتكررت بيانات الرفض من قبل ممثلين عن بعض التكتلات الشيعية، في مقدمتها التيار الصدري (30 مقعداً في البرلمان) وحزب الفضيلة (15 مقعداً)، والكتلتان معروفتان بمواقفهما الرافضة أو المتحفظة تجاه مشاريع الفيدرالية في العراق.
 
ولم تصدر مواقف واضحة من الشخصيات القيادية في المجلس الإسلامي الأعلى الذي يتزعمه عبد العزيز الحكيم، زعيم كتلة الائتلاف الشيعي في مجلس النواب، ولا عن حزب الدعوة الذي يتزعمه رئيس الوزراء نوري المالكي. واكتفى القيادي في المجلس الإسلامي الأعلى، نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي الذي يزور القاهرة ودمشق حالياً بالقول "إن العراقيين وحدهم يبحثون في شؤون بلدهم ويقررون مستقبله".
 
وتكررت هذه النبرة المتحفظة والتي تقع بين القبول والرفض في مواقف نواب الائتلاف من كتلتي المجلس الإسلامي الأعلى وحزب الدعوة، حيث قالت النائبة سميرة الموسوي "نحن مع تقسيم العراق إلى أقاليم لكن أن يقرر الكونغرس الأمريكي تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق حسب العرق أو الطائفة.. فهذا ما لا نرضاه ولا نقبل به لأنه ليس تقسيم مناطق بل تقسيم لسيادة العراق هذا التقسيم العنصري والطائفي الذي دعا إليه الكونغرس الأمريكي شيء مرفوض".
 
ترحيب كردي
 
الأكراد وحدهم كانوا أكثر وضوحاً في تأييد قرار مجلس الشيوخ الأمريكي. فقد أكدت تصريحات أدلى بها أعضاء في برلمان إقليم كردستان على توافق هذا القرار مع الدستور العراقي الذي ينص على الشكل الفيدرالي اللامركزي للدولة العراقية، وعلى حق المحافظات والمناطق في تشكيل أقاليم تتمتع بصلاحيات واسعة. لكن ممثلي الإقليم في العاصمة بغداد، سواء في الحكومة أو البرلمان، التزموا الصمت، لكي لا يثيروا، على ما يبدو، غضب الوطنيين العراقيين الذين يتهمون السياسيين الأكراد أصلاً بالسعي إلى الانفصال وإلى ترسيخ فكرة تقسيم البلاد.
 
مشروع "تحالف المعتدلين"
 
إذا رجعنا لمواقف التيارات السياسية العراقية الرئيسية، فإننا نجد أن المشروع الذي طرحه السيناتور الأمريكي بايدن، يتوافق إلى حد كبير مع المشروع السياسي لقوتين مهمتين داخل العراق، هما التيار القومي الكردي بزعامة الحزبين الرئيسيين، والتيار الشيعي الذي يتزعمه عبد العزيز الحكيم، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في العراق، والذي استطاع إقامة تحالف قوي مع أحد منافسيه السابقين على الساحة الشيعية، أي حزب الدعوة الإسلامية بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي. هذان التياران شكلا تحالفاً قوياً منذ سنوات المعارضة، ولا سيما بعد أحداث عام 1991 التي انتهت بقمع الانتفاضة في الجنوب وخروج إقليم كردستان عن السلطة المركزية العراقية. أما بعد الإطاحة بالنظام السابق فقد هيمن هذا التحالف على مقاليد العملية السياسية، وقاد الحكومتين الثانية برئاسة إبراهيم الجعفري، والثالثة الحالية برئاسة المالكي. وقد اتخذ التحالف بين الأحزاب الأربعة هيكلية جديدة في الشهر الماضي حين أعلنت عن تشكيلها "تحالف المعتدلين". ومع إن حزب الدعوة كان أقرب إلى التيار المنادي بوحدة الدولة العراقية، إلا أن الموازنات السياسية المستجدة دفعته بقوة إلى أحضان المجلس الإسلامي الأعلى، وصار مضطراً لتبني خيار الفيدرالية الموسعة، المطابقة تقريباً لما يدعو إليه السيناتور الأمريكي.
 
يرتكز المشروع السياسي لهذه الأحزاب على فكرة تفكيك الدولة العراقية السابقة إلى مكوناتها الأصلية (الشيعة والسنة العرب والأكراد) وجعل الدولة الاتحادية مجرد صيغة للتوافق بين هذه المكونات الثلاثة. في المقابل ينطلق المعارضون لهذا الطرح من أولوية الدولة الواحدة التي تضم في إهابها الموحد جميع المكونات، ككيانات اجتماعية وثقافية، وليست سياسية، وإن كان هؤلاء المعارضون يعترفون بخصوصية إقليم كردستان، وحقه في إقامة كيان سياسي أو إداري خاص به ضمن العراق الموحد.
 
"الاتحاد" و"التقسيم" اسمان لمسمى واحد
 
يحظى الطرح "التقسيمي" الذي يتبناه "تحالف المعتدلين"، بشبه إجماع في الوسط الكردي، ويقابله شبه إجماع على رفضه في الوسط السني العربي، بينما تتذبذب مواقف الشيعة العرب منه بين التأييد والرفض المطلقين. في بداية الأمر كانت الدعوة إلى تقسيم العراق إلى كيانات على الأساس العرقي والمذهبي مقتصرة، في الوسط الشيعي على أنصار "المجلس الإسلامي الأعلى"، لكن أعمال العنف والإرهاب التي نفذّها تنظيم القاعدة المتطرف ضد المدنيين الشيعة، بتحالف أو بصمت من قبل بعض الأطراف السنية العربية، دفعت وتدفع بالمزيد من الشيعة العرب إلى تأييد فكرة التقسيم كحل وحيد يمكن أن يوفر لهم الحماية من الإرهاب، ويمنع احتمال عودة البعثيين، أو عودة الهيمنة السنية على السلطة.
 
في الحقيقة لا يختلف مشروع السيناتور بايدن عن مشاريع السياسيين الأكراد والحزبين الشيعيين الرئيسيين، إلا في التسميات. ففي حين يسمي السياسيون العراقيون المؤيدون للفكرة مشروعهم بـ "الاتحاد" يسميه الأمريكيون بـ "التقسيم". أما من ناحية المضمون فلا يوجد أدنى اختلاف بين المشروعين.
 
النقاط على الحروف
 
يمكن القول إن الصراع بين تياري "العراق الواحد" و"العراق المتحد" سيكون هو الصراع الرئيسي الذي سيتحدد بموجب نتائجه شكل العراق في المستقبل، وكذلك شكل منطقة الشرق الأوسط إلى حد ما. يتبنى التيار الأول مشروع دولة عراقية تعترف بإقليم كردستان ضمن دولة واحدة ذات سلطة مركزية قوية، ومحافظات تتمتع بصلاحيات إدارية واسعة. وينطلق التيار الثاني من مشروع كيانات ثلاثة مستقلة تتعاهد في ما بينها على مشتركات الحد الأدنى، تحت مسمى الفيدرالية الموسعة.
 
عن موقع إذاعة هولندا (العربية)
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com