01/10/2007
 

مخاوف خليجية من ضرب إيران
تقرير: عمر الكدي (إذاعة هولندا-العربية)

 
يبدو أن العقوبات الجديدة التي تخطط لها الولايات المتحدة على إيران ستؤجل إلى شهر ديسمبر القادم. هذا ما أتضح قبل اجتماع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا في نيويورك اليوم الجمعة. والسبب في ذلك هو معارضة روسيا الشديدة للمقترح، والتي وصلت إلى تلاسن حاد بين وزير خارجية روسيا سيرجي لافروف، ونظيرته الأمريكية كونداليزا رايس، أثناء مناقشة الموضوع بين وزراء خارجية مجموعة الدول الثماني على هامش جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل يومين.
 
ترى روسيا أنه يجب انتظار ما تسفر عنه جهود الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تجري دراسة لمعرفة أنشطة إيران الذرية لن تنتهي قبل شهر ديسمبر القادم، وقال لافروف إن قرارات مجلس الأمن في هذا الصدد "يجب أن تتسم بالتوازن والاستجابة للخطوات التي تقوم بها إيران، خاصة في ما يتعلق بالإجابة على أسئلة واستفسارات تتعلق ببرنامجها النووي". وكان الدكتور محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد صرح قائلا "أنا لست في وضع يستطيع الإعلان أن برنامج إيران النووي هو سلمي بالكامل حتى تسمح إيران بعمليات تفتيش واسعة للتأكد من عدم وجود مواقع غير معلنة".
 
المعارضة الإيرانية تصب الزيت على النار
 
ليست روسيا هي الوحيدة التي ترفض فرض مزيد من العقوبات على إيران، وإنما الصين أيضا وإن لم تستخدم لهجة حادة للتعبير عن رأيها. شكا من ذلك برنار كوشنير وزير خارجية فرنسا، الذي قال أنه من الصعب جدا إقناع الروس والصينيين قبل ذلك الموعد، أما ألمانيا فقد عبرت عن موقفها من خلال تصريحات مسئولين حكوميين قالوا إن ألمانيا "ليست مستعدة لتجاوز الأمم المتحدة من أجل فرض عقوبات". كل هذه التحفظات تضع العصا في الدولاب الأمريكي المندفع نحو التصعيد مع إيران، والذي بدأ في إعداد الرأي العام الدولي من خلال تسريبات تؤكد أن إيران لديها برنامج عسكري. جاءت هذه التسريبات من خلال الناطق الرسمي باسم المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، الذي يرأسه مسعود رجوي في مؤتمر صحفي عقد في باريس، حيث قال إن المجلس حصل على معلومات من داخل إيران تفيد بأن السلطات الإيرانية تبني موقعا نوويا جديدا على بعد 5 كيلو مترات من مفاعل ناتانز، محمياً من الهجمات الجوية، ويتم الوصول إليه من خلال نفقين متوازيين، فتحة كل منهما 6 أمتار. وقال الناطق المعارض إن السلطات حولت الموقع إلى موقع عسكري، وأنه سيكون جاهزا للعمل بعد ستة أشهر. وقال إن الموقع الجديد سيحل محل مفاعل ناتانز إذا تعرض الأخير للقصف. ومع ذلك فإن هذه المعلومات حتى في حالة صحتها ستحتاج إلى طرف محايد يؤكدها أو ينفيها، وهو ما تقوم به الوكالة الدولية، التي تعرض مديرها للنقد الحاد من طرف كونداليزا رايس بسبب موقفه الذي يطالب فيه بالتأكد أولا من الاتهامات الأمريكية لإيران.
 

 

سعود الفيصل وزير خارجية السعودية

نحن قلقون جدا
 
تصريحات وزير خارجية السعودية سعود الفيصل تؤكد أن إيران إذا نجت من العقوبات حتى ديسمبر فإنها ليست بمنأى من ضربة عسكرية أمريكية، أصبحت تتأكد يوما بعد يوم، حيث عبر الوزير عن قلقه وقلق بلاده من تصاعد الأزمة بين إيران والغرب بسبب ملفها النووي "إننا قلقون من شكل الخطاب البلاغي من كلا الطرفين، وإن البيان الإيراني هو أيضا تعجيل باتجاه المواجهة". وأعرب الفيصل عن أمله بحل دبلوماسي للأزمة، وصرح بأن بلاده سبق أن سألت إيران "لماذا تتجه نحو المواجهة.؟ وطلبنا من إيران أن ترضي طلبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية". ولم يخف حجم القلق الذي يعتري بلدان الخليج من التطورات قائلا "نحن قلقون جدا من المشهد"، مضيفا "أعتقد أن إيران تعرف موقف الدول العربية بشأن تدخلها في العراق وفي لبنان، وهذا أمر لا يرحب به، وأن الدول العربية سوف تتصرف لحماية مصالحها". وعلق الفيصل على تصريح الرئيس الإيراني الذي قال فيه بأنه إذا انسحب الأمريكان وتركوا فراغاً "سنملأ هذا الفراغ"، بقوله "إن مثل هذا القول خطير جدا واعتقد أنه تصريح غير حكيم أبدا".
 
مخاوف لم تعد سراً
 
لم يسبق لرئيس الدبلوماسية السعودية أن تحدث بمثل هذا الوضوح حول الأزمة التي قد تنتهي بحرب على حدود بلاده، وكانت الدبلوماسية السعودية في السابق تفضل العمل بعيدا عن وسائل الإعلام. لكن يبدو أن السعودية ودول الخليج بدأت تشعر بأن قرار ضرب إيران قد أتخذ في البيت الأبيض، وما يجري الآن هو الإعداد له، وتحبذ دول الخليج أن تنتهي الأزمة دون اللجوء إلى الحرب، التي ستطالها هذه المرة أكثر مما تطال الولايات المتحدة، وهي تخشى المضي مرة أخرى وراء جورج بوش في مغامرة جديدة غير مأمونة العواقب.
 
إذا كانت دول الخليج في السابق، وخاصة بعد احتلال العراق للكويت تمضي خلف الولايات المتحدة دون تحفظ، فهي بعد فشل أمريكا في العراق أصبحت تتردد في ذلك، خاصة وأن إيران الحالية ليست نظام صدام حسين المنهك بسبب الحصار الطويل، والذي لم يصمد جيشه طويلا أمام الاجتياح الأمريكي السريع. وبعيدا عن الحسابات العسكرية التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في حالة إيران، فإن المخاطر المذهبية والاجتماعية كما تجلت في العراق ظهرت بعد نجاح القوات الأمريكية في السيطرة على العراق، وهو أمر يمكن أن يتجدد بشكل موسع بعد ضرب إيران مهددا كل المنطقة، التي تعتبر برميل بارود جاهز للتفجير فوق أكبر احتياطي للنفط في العالم.
 

 

الحرس الثوري الغيراني

صواريخ إيران تطال كل الخليج
 
تخشى دول الخليج من أن تسقط الصواريخ الإيرانية على رؤوسها حتى ولو لم ينطلق الهجوم الأمريكي من أراضيها، وليس أمام إيران خيار آخر غير ذلك، فصواريخها لا تصل إلى الولايات المتحدة، ولكنها حتما قادرة على الوصول إلى القواعد الأمريكية في دول الخليج، وسيكون العراق ساحة المواجهة الأولى على صعيد العمليات الأرضية، حيث ستستهدف إيران من خلال حرسها الثوري، والمليشيات العراقية المتحالفة معها القوات الأمريكية والغربية وخاصة في جنوب العراق. لكن التحرش الإيراني بمن تعتبرهم إيران حلفاء أمريكا سوف يمتد على طول ضفة الخليج المقابلة لإيران.
 
قد لا يعمد الأمريكيون لتحريك قواتهم البرية للدخول إلى إيران، وسيكتفون على الأرجح بقصف المنشآت النووية، وأيضا مراكز السيطرة العسكرية الإيرانية، ومحطات الطاقة، وبعض المواقع الإستراتيجية الأخرى، ثم تنتظر رد الفعل الغاضب من طرف إيران، وهو أمر يقلق الخليجيين، الذين سيجبرون على التوقف عن تصدير النفط من خلال مضيق هرمز الذي سيغلق على الأرجح، وهذا يعني أن يتحملوا تكاليف بناء خطوط أخرى تصب في موانئ البحر الأحمر، أي أنهم سينفقون كل الأرباح التي تحصلوا عليها بسبب ارتفاع أسعار النفط مؤخرا، ولن يستفيدوا كثيرا من الارتفاع القياسي لأسعار النفط بعد الضربة العسكرية مباشرة.
 
قد يتحد السنة والشيعة من جديد
 
ثمة هاجس أخر يقلق الحكومات الخليجية وهو أن الشارع العربي معبأ ضد الولايات المتحدة، مثله مثل الشارع الإيراني، الأمر الذي يجعل إمكانية أن يتحد السنة والشيعة ضد الولايات المتحدة أمراً وارداً كما برهنت أحداث التاريخ في أكثر من مناسبة، وهذا سيسبب حرجا شديدا لأنظمة الخليج، مما يجعلها تعيد حساباتها فالمغامرة الجديدة قد تنتهي باستهداف الأنظمة نفسها.
 
ليست المخاوف محصورة في الخليج، وإنما ستظهر تداعيات الضربة العسكرية ضد إيران في كل الشرق الأوسط. ستنطلق صواريخ حزب الله ضد مدن شمال إسرائيل، وقد تصل هذه المرة إلى "حيفا وما بعد حيفا " كما هدّد حسن نصر الله ذات مرة. وقد تؤدي الأزمة إلى اندلاع حرب جديدة بين سورية وإسرائيل، ستحرج دون شك بغض النظر عن نتائجها أصدقاء أمريكا في المنطقة، وستكون مناسبة لحماس لتصفية حساباتها مع عباس الذي تتهمه بموالاة أمريكا. وستكون الحرب جائزة غير متوقعة لتنظيم القاعدة الذي ينمو وسط أجواء الحروب والعنف.
 

تحالف إسلامي يساري لاتيني
 
الرئيس الإيراني بعد استعرض مهاراته البلاغية في نيويورك، يحاول توسيع المواجهة لتصل إلى أمريكا اللاتينية، من خلال زيارته التي استهدفت اليسار اللاتيني الذي يقوده الرئيس الفينزويللي هوغو شافيز، ورئيس بوليفيا، وهو أمر كان يصعب تصديقه قبل سنوات قليلة، ولكنه الآن أصبح واقعا لا يمكن إنكاره، والذي يتلخص في إمكانية التنسيق بين التيار الإسلامي ممثلا في إيران، واليسار الراديكالي في أمريكا اللاتينية، بما في ذلك لاهوتها الثوري. لن يتمخض هذا التحالف عن شيء يذكر بخصوص المواجهة العسكرية، ولكنه مهم من الناحية الاقتصادية على المدى المتوسط، وكأنه يؤكد قرب أفول الإمبراطورية الأمريكية، فإيران، وبلدان أمريكا اللاتينية هي في حقيقة الأمر دول خرجت عن طاعة الولايات المتحدة، كانت ذات يوم تدور في فلكها، وهو أمر لا يفكر فيه الرئيس بوش، الذي لم يبق له الكثير ليتأمل هذه المعطيات.
 
إيران كبرى بدون أسنان نووية
 
رؤية إيران نووية في الخليج أمر لا تتمناه دول الخليج، التي عانت طويلا من التنافس بين العراق وإيران لزعامة الخليج، والتي اكتوت بنار الاثنين. وإذا كان هناك من يتمنى في الخليج أن تنتهي المغامرة الأمريكية في إيران بتقسيمها، على غرار ما سيحدث على الأرجح للعراق، حتى لا تبقى دولة مركزية تلقي بظلها الثقيل على مياه الخليج الدافئة، فإن ما جرى في العراق يؤكد أن مخاطر الكيانات الصغيرة المنفلتة من جاذبية الدولة المركزية ربما تكون أخطر من دولة مركزية عاقلة، يمكن التفاهم معها حتى ولو كان هذا التفاهم مكلفا، ولكنه ليس أكثر تكلفة من الفوضى. يتمنى الخليجيون أن يكون هذا التصعيد هو مجرد المساومة الأخيرة التي تسبق عقد الصفقة، وهم لا يمانعون في أن تلعب إيران دورا إقليميا يناسب حجمها، ولكن دون أسنان نووية.
 
عن موقع إذاعة هولندا (العربية)
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com