04/10/2007
 

هل لا تزال ارتيريا تبحث عن استقلالها ؟
تقرير: عمر الكدي (إذاعة هولندا-العربية)

 
لم يمنع قرار الولايات المتحدة الأمريكية باعتبار ارتيريا دولة داعمة للإرهاب رئيسها آسياس افورقي من المضي قدما في سياسته المثيرة للجدل. حيث رعت بلاده مؤتمرا لتحالف المعارضة الصومالية، الذي انتخب شيخ شريف أحمد زعيم إتحاد المحاكم الإسلامية رئيسا له. وكان المؤتمر رداً على مؤتمر المصالحة الذي عقد في الصومال، برعاية الحكومة الانتقالية الصومالية. وكان مؤتمر التحالف المعارض قد أمهل إثيوبيا أسبوعين للانسحاب من الصومال، واعتبرت الحكومة الانتقالية في الصومال أن ارتيريا عقبة حقيقية في سبيل عودة الاستقرار للصومال، وهو بالضبط ما سبق أن اتهمت به أرتيريا من طرف كل الدولة المجاورة لها، وحتى البعيدة عنها.
 
لم يثن الاتهام الأمريكي الرئيس الارتيري الذي وصف القرار الأمريكي باعتباره تشجيعا لإثيوبيا للتدخل في الصومال، وقال إن الولايات المتحدة: "تعتمد أساليب خاطئة وخطرة من خلال إرسال قوات إثيوبية إلى الصومال تحت غطاء مكافحة الإرهاب". وأضاف أن أمريكا تتدخل لصالح إثيوبيا في النزاع الدائر بينها وبين أرتيريا على الشريط الصخري الفاصل بينهما، ويرى كما قال في عدة لقاءات صحفية معه أن الولايات المتحدة منحازة إلى إثيوبيا، وضد مصالح بلاده، لدرجة أنها تضغط من أجل عدم تطبيق الاتفاق الذي ابرم بين البلدين بعد الحرب الحدودية، التي اندلعت بين عامي 1998 و2000.
 
القفز السريع من السفن الغارقة
 
تكاد السيرة الذاتية لآسياس أفورقي أن تلخص المعضلة الاستراتيجية لبلده أرتيريا، فهو تكون كماركسي خلال سنوات انتمائه للجبهة الشعبية لتحرير أرتيريا، خلال السنوات التي قضاها في الصين. وحاول الإتحاد السوفيتي التوفيق بين نظام منغستو هيلا ماريام الماركسي في إثيوبيا، والجبهة الأرتيرية، ولكن الطرفين لم يتوصلا إلى أي اتفاق. وهنا انشق أفورقي عن جبهته التي تحول ولاؤها فجأة من السوفييت إلى الأمريكان. ليس هذا التبدل بغريب عن طبائع الأنظمة سواء أكانت في السلطة أو المعارضة في منطقة القرن الإفريقي، فقد تحولت إثيوبيا من أكثر الدول ولاء للغرب زمن حكم الإمبراطور هيلاس هيلاسي، إلى أكثر الدول ولاء للسوفييت زمن حكم منغستو، وبالمثل تبدل ولاء الصومال أكثر من مرة، فعندما كانت إثيوبيا غربية، كانت الصومال بزعامة محمد سياد بري سوفيتية الهوى، وعندما أصبح الإثيوبيين ماركسيين، تغير هوى سياد بري إلى الأمريكان، إلى درجة دفعت السوفييت إلى تدمير السلاح الذي كانوا قد أعطوه لبري. وفجأة انتهت الحرب الباردة، وانتهت الحاجة إلى وجود وكلاء للقطبين في القرن الإفريقي، فاختفت الدولة المركزية في الصومال، وانقسمت إثيوبيا، لتظهر إلى الوجود دولة أرتيريا، التي انخرطت على الفور في تثبيت استقلال جاء مصادفة بسبب غياب القطب الآخر، وكأنها تخشى إذا عاد القطب الآخر أن تفقد استقلالها.
 
البحث عن دور على مسرح الخطر
 
في العام الأول من الاستقلال الاريتري 1993 زار الأسطول الأمريكي ميناء مصوع، وليؤكد أفارقي استقلال بلاده، وحتى لا يشجع جيرانه على ابتلاع بلاده مرة أخرى، أقام علاقة مع إسرائيل التي تولت تدريب حرس الرئاسة، وتزويده بالسلاح، وترتب على هذه العلاقة رفض أفورقي الانضمام إلى الجامعة العربية.
 
لم يكتف أفورقي باستقلال بلاده الذي كان ثمرة تعاون بين جبهته وفصيل إثيوبي يمثل منطقة التيجري بزعامة ميليس زيناوي، والذي يتهمه أفورقي بأنه لا يمثل أكثر من 5 % من سكان إثيوبيا، ويصر على البقاء في منصبه ليحكم أقدم دولة في القارة، ولكن نفس التهمة تنطبق على أفورقي، الذي يتهمه معارضوه الاريتريين بأنه متعطش للسلطة بشكل يجعلهم يندمون على الانفصال عن إثيوبيا، فمنذ 14 سنة لم يخرج الارتيريون إلى صناديق الاقتراع حتى ولو ليعيدوا انتخاب أفورقي نفسه.
 
قتال دائم على القرن
 
لم تمض فترة دون قتال بين الدول التي تشكل منطقة القرن الأفريقي، حتي حين كانت الأجواء تشجع على إقامة علاقات حسن جوار. فقبل أن تؤكد أرتيريا استقلالها هاجمت عام 1996 جزيرة حنيش الكبرى التي تعتبر من أملاك اليمن، واحتلتها عامين كاملين، قبل أن تضطر لتركها لمواجهة الخطر الأكبر المتمثل في إثيوبيا على الدوام، وحتى بعد أن انشغلت إريتريا بحربها على الشريط الصخري لم تكف عن التدخل هنا وهناك، حيث يتهمها السودان بمساعدة المتمردين في شرق البلاد، بعد نهاية حرب الجنوب، كما تحرشت أرتيريا بجيبوتي بالتوغل في أراضيها عدة كيلومترات، ولم تأت هذه الحيوية في التفاعل مع مشاكل دول الجوار بسبب انعكاسات ما يجري فيها سلبا على مصالح أرتيريا، وإنما غالبا كي تؤكد أرتيريا أنها موجودة، ولا يمكن تجاهلها.
 
أسلوب خطر
 
قد يكون هذا الأسلوب الذي يعتمد على التهويل والمبالغة مقصوداً، حتى يتم إخفاء الهدف الحقيقي بمهارة ودهاء. أي إذا دخلت أرتيريا في مشاكل مع إثيوبيا بسبب شريط صخري، ومع اليمن بسبب جزيرة صغيرة، ومع السودان لأي سبب فهي بهذا تدافع عن استقلالها الذي تخشى أن تفقده مرة أخرى. ولكن هذا الأسلوب قد يؤدي إلى النتيجة العكسية وبأسرع وقت ممكن، خاصة وأن التجارب أكدت وتؤكد أن إثيوبيا هي أهم بلد في منطقة القرن الإفريقي، وأن كل محاولات أفورقي لإثبات العكس ستنتهي بالفشل.
 
عن موقع إذاعة هولندا (العربية)
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com