صل الي ليبيا
الرئيسان السوداني عمر البشير والتشادي إدريس ديبي لحضور
مراسم توقيع اتفاق سلام بين الحكومة والمعارضة التشادية
توسطت فيه الجارة ليبيا وعقد جلسة مباحثات وتشاور قبل بدء
المفاوضات بين الحكومة السودانية ومتمردي دارفور تحت إشراف
الأمم المتحدة، والإتحاد الإفريقي، في مدينة سرت الليبية يوم
السبت القادم.
وقبل أن ينطلق
الرئيس السوداني بإتجاه طرابلس اجتمع على نحو مفاجئ مع نائبه
الأول سلفا كير ميارديت، زعيم الحركة الشعبية لتحرير
السودان، والذي غادر الخرطوم قبل أيام غاضبا من التصريحات
التي أطلقها نائب الرئيس السوداني علي عثمان طه، والتي
رفضتها الحركة الشعبية بشدة. عودة سلفا كير المفاجئة إلى
الخرطوم تؤكد أنه تمكن من تجاوز الخلافات في صفوف الحركة
بخصوص الاتفاق الأخير الذي عقده مع البشير، والذي يقضي بعودة
الوزراء التسعة عشر إلى الحكومة، وأن شريكه في السلطة قد
استجاب بطريقة أو بأخرى إلى بقية مطالب الحركة، كما أن عودة
ميارديت إلى العاصمة المثلثة له علاقة بأزمة دارفور وليس
الجنوب فقط، خاصة وأن جوبا عاصمة الجنوب كانت قد استضافت
محادثات بين الفصائل المتمردة في دارفور بغية الوصول إلى هدف
موحد، قبل الذهاب إلى مؤتمر سرت الذي تشرف عليه الأمم
المتحدة والإتحاد الإفريقي، ولم تنجح محادثات جوبا في الخروج
بهذا الموقف الموحد، الذي حرض عليه كثيرا سلفا كير ميارديت،
آملا أن يسافر المتمردون إلى سرت بوفد واحد، وبمطالب واحدة.
القطار لا ينتظر الركاب
حتى الآن أعلنت ست
حركات متمردة رفضها حضور مؤتمر سرت. ومن بين الفصائل التي
وصلت بالفعل إلى طرابلس اليوم الخميس، حركة العدل والمساواة،
خلافا للتصريحات التي سبق أن هددت فيها بعدم الحضور إلى سرت،
وهذا يشكل مشكلة في تحديد الفصائل المتمردة، التي انشقت عن
الفصيل الرئيسي وتناسلت بسرعة، وأحيانا تستخدم أسماء متشابهة
تجعل المراقب في حيرة من أمره، فلا يعرف من منهم سيشارك ومن
سيمتنع عن الحضور إلى سرت، أما حركة تحرير السودان فصيل عبد
الواحد نور فقد قررت مقاطعة مفاوضات سرت، وبرر القائد
الميداني للحركة أحمد عبد الشافي أن قرارهم جاء: "لأن وسطاء
الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لم يستجيبوا لطلبات
المتمردين تأجيل المحادثات بما يسمح لهم بصياغة موقف موحد
والاتفاق على وفد يمثلهم". مضيفا أنه بعد أن بدأ 70 موفدا
يمثلون حركات التمرد في دارفور محادثاتهم في جوبا تفاجأوا أن
"الأمم المتحدة بدأت في توزيع الدعوات بينما الموجودون في
جوبا يتحدثون عن الوحدة" معتبرا ما يجري مؤامرة لمنع الفصائل
من الوصول إلى موقف موحد، الأمر الذي دعا مندوب السودان في
الأمم المتحدة إلى القول: "إنه ليس من العدل أن تجعل القطار
ينتظر ليلحق به كل الركاب."
الحكومة تفوز ببعض النقاط
في الخرطوم أعلن
مستشار الرئيس السوداني الدكتور عثمان إسماعيل أن حكومته
شكلت وفدها المفاوض برئاسة مساعد رئيس الجمهورية نافع علي
نافع، وأنها منحت الوفد تفويضا كاملا للتوصل إلى تسوية
سلمية، وأكد أن الحكومة سترسل وفدها في الزمان والمكان
المحددين.
في ظل هذه
التطورات يبدو أن الحكومة السودانية حققت نجاحا دبلوماسيا في
مواجهة المتمردين، خاصة وأن مجلس الأمن هدد أمس الأربعاء
بفرض عقوبات ضد أي جهة تعرقل مفاوضات السلام في سرت، وأكد
المجلس ضرورة التوصل إلى اتفاق سياسي دائم "يضمن استقرار
الأوضاع في دارفور، على أن تشرف الأمم المتحدة والاتحاد
الأفريقي على تطبيقه." وأنه "يعلن استعداده للتحرك ضد أي طرف
يسعى إلى تقويض اجتماع السلام المقرر عبر القيام بأعمال
عدائية أو عرقلة حصول المفاوضات أو وصول المساعدات
الإنسانية."، خاصة وأن الحكومة السودانية ستعلن وقفا لإطلاق
النار في الإقليم "كمبادرة لحسن النية". وسيكون لهذا الموقف
قيمة رمزية خاصة إذا امتنعت أغلب الفصائل المتمردة عن حضور
المفاوضات.
ضغوط دولية على المتمردين
الرئيس التشادي
إدريس ديبي الذي سبق الجميع إلى طرابلس سيوقع اتفاقية سلام
مع أربعة فصائل متمردة ضده، تمكنت طرابلس من إقناعها بوضع
السلاح، والانخراط في العملية السلمية، وإذا سارت الأمور كما
تشتهي انجامينا فإن هذا الموقف سيشكل ضغطا جديدا على متمردي
دارفور، ذلك أن التمرد ضد السلطة المركزية في تشاد نتج بسبب
أزمة دارفور، فالقبائل التي تقطن دارفور هي نفس القبائل التي
تعيش في تشاد، وهي التي كانت وراء تردي العلاقات بين تشاد
والسودان، مهددة باندلاع الحرب بينهما. يذكر أيضا أن فرنسا
التي تستضيف عبد الواحد نور زعيم حركة تحرير السودان سبق أن
هددت بفرض عقوبات على المتغيبين عن مفاوضات سرت، ولكن إذا لم
تحضر أهم فصائل المتمردين ماذا سيفعل المجتمع الدولي لإنهاء
النزاع في الإقليم الذي خسر حتى الآن 200 ألف قتيل، وأكثر من
مليوني نازح.
مناورات اللحظة الأخيرة
مبعوث الأمم
المتحدة يان الياسون الذي يتوسط في المفاوضات إلى جانب مبعوث
الإتحاد الإفريقي سالم أحمد سالم، صرح بأنه سيكون هناك متسع
من الوقت في سرت للوصول إلى موقف مشترك بين الفصائل المتمردة
قبل الدخول في المفاوضات النهائية "سنتيح للحركات متسعا من
الوقت للتشاور فيما بينها لان المفاوضات الحقيقية لن تبدأ
قبل أن تكون جميع الأطراف مستعدة تماما." بينما صرح سالم
أحمد سالم لهيئة الإذاعة البريطانية قائلا "سنفعل كل ما
بوسعنا للتشاور معهم وكذلك مع الأطراف الأخرى ذات العلاقة
كمنظمات المجتمع المدني والتجمعات العشائرية وغيرها. . فلن
يفرض الاتحاد الإفريقي أو الأمم المتحدة شكل السلام الذي يجب
أن يتمتع به إقليم دارفور. إن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا من
خلال التشاور من اجل التوصل إلى اتفاق يرضي الأطراف جميعا."
هل يعني هذا أن
الوسطاء الذين يمثلون الأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي بسبب
رفض الفصائل عدم الحضور إلى سرت يحاولون إقناعها بأن سرت
ستكون امتدادا لجوبا، وفيها ستستأنف المحادثات بين فصائل
المتمردين بهدف الوصول إلى موقف موحد، قبل البدء في
المفاوضات الرسمية مع الحكومة؟ أم أن الوسطاء الذين تمرسوا
بمعرفة خريطة الصراع في دارفور يريدون استدراج الفصائل
المتمردة، من أجل وضع حد للقتال بأي صيغة كانت، وفتح صفحة
جديدة يكون عنوانها الاحتجاج السلمي ضد الحكومة؟. خاصة بعد
الهجوم التي تعرضت له قوات حفظ السلام الإفريقية في وقت
سابق، والذي حملت مسئوليته لفصائل المتمردين، وأيضا بعد
الهجوم الذي تبنته أمس حركة العدل والمساواة على أحد أماكن
التنقيب على النفط، والذي تم فيه اختطاف رجلين احدهما عراقي
والآخر كندي.
خلاف حول جمل
هل ستنطلق
المفاوضات بين الحكومة السودانية والمتمردين يوم السبت
القادم في مدينة سرت الليبية؟ أم أن سرت سترث محادثات جوبا
بين المتمردين قبل أن تبدأ المفاوضات مع الحكومة؟ الأمر لا
يزال غامضا، في ظل المعطيات الحالية، وقد تبدأ المفاوضات في
مكانها وموعدها المحددين، وما تم التصريح به من طرف الفصائل
المتمردة لا يعدو أن يكون آخر السهام قبل المواجهة السلمية
بين الحكومة والمتمردين، والتي عادة يستخدم فيها كل طرف آخر
صيحات الحرب ودق الطبول، قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات من
أجل اقتسام الجمل على حد وصف العقيد القذافي، الذي قال خلال
هذا الأسبوع إن أزمة دارفور بدأت بـ"خلاف حول جمل ثم تحول
إلى أزمة دولية".