27/10/2007

تشاد: اتفاق سلام نهائي مع أربع حركات متمردة
تقرير: عمر الكدي (إذاعة هولندا-العربية)

 
متمردوت تشاديون
 
أعلن مساء أمس الخميس في مدينة سرت الليبية على التوصل إلى اتفاق سلام نهائي بين الحكومة التشادية، وأربع حركات متمردة. ينص الاتفاق الذي وقع بحضور العقيد القذافي، الرئيس التشادي، والرئيس السوداني على وقف فوري لإطلاق النار، وعلى تشكيل لجنة تتولى دمج الفصائل المتمردة في هياكل الدولة التشادية. وبموجب هذا الاتفاق تتحول الفصائل المتمردة إلى أحزاب سياسية مرخص ومعترف بها، بينما يدمج مقاتلو الفصائل في الجيش، وقوات الأمن التشادية.
 
الوصول إلى السلطة بدون سلاح
 
جاء الاتفاق تتويجا للمفاوضات التي انطلقت تحت رعاية ليبية منذ وقت طويل حيث مثل الحكومة التشادية وزير البنية التحتية آدم يونسمي، بينما مثل المتمردين كل من إتحاد القوى من أجل التنمية والديمقراطية بقيادة محمد نوري، القوى من أجل التغيير/ تيجان أردني، الوفاق الوطني التشادي/ حسن صالح الجنيدي، وإتحاد القوى من أجل التنمية والديمقراطية الأساسية بقيادة عبد الواحد عبود.
 
وفي الكلمة التي ألقاها العقيد القذافي بعد حفل التوقيع على الاتفاق، تعهد العقيد الليبي "بالسهر على التزام الموقعين بشروط الاتفاق" منتقدا "الوصول إلى السلطة عن طريق السلاح"، داعيا الأطراف المعنية إلى "تشكيل أحزاب والانخراط في الحياة العامة في البلاد بشكل سلمي".
 
عضو مجلس الأمن يباشر عمله
 
ليس هذا هو الاتفاق الأول الذي توقعه الحكومة التشادية مع المتمردين، فقد سبق لها التوقيع على اتفاق مماثل يوم 3 أكتوبر الماضي لم يصمد طويلا، ويبدو أن هذا الاتفاق سيصمد أطول من السابق، نظرا لعزم الأسرة الدولية على وضع حد للصراع في إقليم دارفور، الذي كان السبب المباشر في ظهور حركات تمرد في شرق تشاد، وهذا يعتمد بشكل كبير على نجاح المفاوضات التي ستنطلق غدا السبت في مدينة سرت الليبية، بين الحكومة السودانية والفصائل المتمردة في دارفور. وتعلم كل الأطراف التي لها علاقة بنزاع دارفور، أن إنهاء التمرد في شرق تشاد يعتبر المفتاح الأساسي لإنهاء التمرد في إقليم دارفور السوداني، لذلك انطلق الرئيس السوداني عمر البشير إلى سرت ليحضر حفل توقيع الاتفاق، في وجود الرئيس التشادي إدريس ديبي، أما العقيد القذافي الذي بذل جهودا كثيرة من أجل التوصل إلى هذا الاتفاق، لدرجة أنه عرض على الفصائل المتمردة التشادية شراء أسلحتها، فسيعتبر هذه الخطوة نجاحا على أكثر من صعيد، فهي ستدعم صورته الجديدة كراع للسلام بعد أن أنفق زمنا طويلا وهو يشعل الحروب في المنطقة، وخاصة في تشاد التي كانت بمثابة أفغانستان للسوفييت، والعراق بالنسبة للأمريكان، كما تحسن من صورة ليبيا في طبعتها الجديدة، وخاصة بعد عودتها إلى المجتمع الدولي، وانتخابها عضوا في مجلس الأمن الدولي، كما أن هذه الخطوة في حال صمود الاتفاق سيعتبرها العقيد القذافي ضربة لمحاولة السعودية التوسط بين السودان وتشاد، والتي أثارت غضب العقيد القذافي واصفا التدخل السعودي "بالمضحك".
 
أهمية الحضور السوداني
 
حضور الرئيس السوداني عمر حسن البشير كان مهما من أجل التوصل إلى اتفاق، فهو في الحقيقة من يضمن تطبيق الاتفاق أكثر من العقيد القذافي، حيث تتخذ كل الحركات المتمردة التشادية من غرب السودان مركزا لانطلاقها نحو شرق تشاد، كما توجد مكاتب لهذه الحركات في المدن السودانية، حتى وإن أنكرت الحكومة السودانية علمها بهذا، ويبدو أن الخرطوم اضطرت إلى تشجيع هذه الفصائل على التمرد، بعد أن وجد الرئيس التشادي إدريس ديبي نفسه مجبرا على تحديد موقفه من أزمة دارفور، حيث تتواجد نفس القبائل الموجودة في شرق تشاد، ومن بينها قبيلة الزغاوة التي ينحدر منها الرئيس التشادي ، مثلما تتواجد في شرق تشاد قبائل عربية تعتبر امتدادا لنفس القبائل العربية الموجودة في دارفور، والتي عرفت في الإعلام العالمي باسم "الجنجويد"، ولأن الرئيس التشادي يعتمد على كل هذه القبائل لاستمرار حكمه، وجد نفسه في موقف صعب، بحيث لا يستطيع إرضاء كل الأطراف، وأختار أن يغضب البعض، ويرضي أهم القبائل التي لن يؤدي تمردها إلى تشكيل خطر على نظامه.
 
تناسل الفصائل الدارفورية
 
في المقابل استثمرت الخرطوم الملمة بكل تفاصيل الخارطة العرقية والقبلية في تشاد كل من تمرد على سلطة الرئيس ديبي، مبررة ذلك بأنها ترد بالمثل على احتضان انجامينا للمتمردين في دارفور، ووصلت المواجهة بين الطرفين إلى حدود حرجة، كانت أقرب لبداية حرب بين البلدين، خاصة عندما توغلت قوات تشادية داخل الأراضي السودانية، وهاجمت معسكرا للجيش السوداني، موقعة عددا كبيرا من القتلى والجرحى، ولكن الاعتذار السريع للحكومة التشادية، وعدم رغبة الخرطوم في تصعيد الموقف، الذي لم تكن أصلا ترغب به، والذي تأسس على حسابات خاطئة، عندما اعتقدت أن قمعها لفصيل متمرد واحد في دارفور سيكون مسألة أيام، وليس سنوات كما حدث مع متمردي الجنوب، وتفاجأت الخرطوم عندما استقطبت أزمة دارفور تعاطفا دوليا لم تشهده أزمة الجنوب التي تعتبر أطول حرب في القارة الإفريقية، ولم تكن تتوقع أن الفصيل الصغير الذي تمرد بقيادة عبد الواحد نور سيتناسل بسرعة ليصبح أكثر من 12 فصيلا، سيجلس أمامها غدا في سرت نافع علي نافع مساعد الرئيس البشير، ليفاوضها على ما كان يرفضه منذ البداية، راجيا أن تحضر جميعها وليس كما أعلن حتى الآن سيتغيب نصفها.
 
في المقابل شكلت الفصائل التشادية المتمردة خطرا جديا على حكومة الرئيس ديبي، خاصة عندما برهنت أنها قادرة على الوصول إلى العاصمة التشادية نفسها، عكس الوضع في دارفور، حيث حصر الصراع في الإقليم ولم يمتد إلى العاصمة الخرطوم، الأمر الذي جعل الحكومة السودانية لا تنشغل كثيرا من هذه الناحية، خاصة وأنها وجدت في الفصائل التشادية المتمردة العاملة على حدود البلدين، أفضل وسيلة لمهاجمة لمواجهة متمردي دارفورسواء كانوا داخل الإقليم أو داخل تشاد.

قبائل قديمة بأسماء جديدة
 
تتخذ الحركات المتمردة في تشاد وفي دارفور أسماء عديدة، لعلها بذلك تريد أن تخفي القبيلة التي تقف وراءها، كما تتعرض هذه الفصائل إلى انقسمات وانشقاقات عديدة ومتواصلة، وأحيانا يكون الانشقاق لمجرد أن المنشق لم يحقق كل مصالحه المادية مع الشريك السابق، وفي تلك الصحراء المترامية الأطراف، التي يصعب حراستها تستطيع مجموعة صغيرة، لها شريك متمرس إعلاميا في الخارج، من خداع الجميع، وإقناعهم بأن حركته على الأرض تسيطر على مساحة شاسعة من الرمال، وبالتأكيد فإن العون والإغاثة التي وفرها المجتمع الدولي للنازحين يمكن أن تكون هي الغنيمة التي يتصارع عليها المتمردون، كما أن توسط بلد غني مثل ليبيا لا تترد في استخدام ثروتها في إنهاء الصراع، ولو بشراء السلاح، سيكون الحافز لمزيد من المتمردين.
 
قد يكون هذا الاتفاق هو الاتفاق الأخير، وقد يكون مجرد حبر على ورق، وهذا يعتمد إلى حد كبير على نتيجة المفاوضات التي ستنطلق غدا بين الحكومة السودانية، ومتمردي دارفور، وأيضا على يقضة المجتمع الدولي وفهمه لحقيقة الصراع في دارفور، ومحاولة استثماره من أطراف دارفورية وجدت في كرم المجتمع الدولي أفضل طريقة للثراء السريع.
 
عن موقع إذاعة هولندا (العربية) - 26/10/2007
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com