24/10/2007

لبنان...تأجيل انتخاب الرئيس للمرة الثانية
تقرير: عمر الكدي (إذاعة هولندا-العربية)

 
نبيه بري
أجل رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري موعد انتخاب الرئيس الجديد للبلاد إلى يوم 12 نوفمبر المقبل، وذلك "لمزيد من التشاور توصلا إلى توافق على انتخاب رئيس للجمهورية يشكل رمزاً لوحدة الوطن ومنعته "، وبالرغم من أن قرار التأجيل كان متفقا عليه بين الفريقين وذلك بعد الاجتماع الذي تم بين نبيه بري وسعد الحريري، إلا أن أعضاء في كتلة النائب وليد جنبلاط وصفوا القرار بأنه غير دستوري، وذكرت عدة مصادر أن قرار التأجيل أتخذ في لقاء قصر الصنوبر الذي جمع وزراء خارجية فرنسا أسبانيا و إيطاليا مع قادة المعارضة والموالاة، وذلك لإعطاء فرصة لمبادرة البطريرك الماروني نصر الله صفير، التي تهدف إلى التوصل إلى اتفاق على مرشح واحد أو على لائحة مصغرة من المرشحين. لذلك تم الإعلان على تأجيل الجلسة قبل انعقادها، حتى لا تتاح فرصة لخلق مزيد من أجواء التشنج والجدل بين النواب.
 
رغم أجواء التوتر بين كتلة المعارضة والموالاة إلا أنه تم اتخاذ خطوات إيجابية، خففت قليلا من حدة التوتر، وفتحت كوة في الجدار المصمت، حيث اجتمع الرئيس السابق وزعيم حزب الكتائب أمين الجميل، مع العماد ميشال عون زعيم التيار الوطني الحر يوم الأحد الماضي، وهو الاجتماع الأول بينهما بعد أشهر من القطيعة، وصلت ذروتها عندما رفض أمين الجميل استقبال ميشال عون في بيته لتقديم التعازي في وفاة نجله النائب بيار الجميل، الذي اغتيل في حادث إرهابي، ومن الواضح أن الكنيسة المارونية التي ينتمي لها الاثنان قد لعبت دورا مهما في الجمع بينهما، خاصة وأن الرئيس وفقا للدستور اللبناني لابد أن يكون من الطائفة المارونية، وبالتأكيد فإن الاثنين لا يريدان تحمل المسئولية في التسبب في عرقلة انتخاب رئيس الجمهورية، مما سينعكس سلبا على مركزهما في الطائفة المارونية، التي قد تفقد هذا الامتياز إذا فشل الفرقاء في انتخاب الرئيس الجديد، وانفتحت البلد على مستقبل مجهول، قد يؤدي إلى تغييرات تطال الدستور الحالي الذي يحتفظ فيه الموارنة بمنصب الرئيس، وقائد الجيش.
 
نواب الأغلبية يخشون اغتيالهم
 
يعتبر هذا التأجيل هو الثاني بعد إلغاء جلسة يوم 25 سبتمبر التي قاطعتها المعارضة، المتمثلة في نواب حزب الله، حركة أمل، التيار الوطني الحر، وحزب المردة بزعامة سليمان فرنجية، وينص الدستور اللبناني على حضور ثلثي عدد النواب لانتخاب رئيس الجمهورية، من العدد الكلي البالغ 128 نائبا، وهو ما لا يمكن أن يتحقق في ظل التجاذبات الحالية، لذلك طالب فريق المناهض لسورية الذي يتكون من تيار المستقبل بزعامة سعد الحريري، وحزب الكتائب، والقوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع، والحزب الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط باعتماد صيغة 50% +1 وهي الصيغة التي ترفضها المعارضة الموالية لسوريا، ويمكن تفسير الاغتيالات الأخيرة الموجهة ضد نواب من كتلة المناهضين لسورية للتقليل من الفارق بين الكتلتين في مجلس النواب، والتي تقترب فيها عدد نواب الكتلتين مع ترجيح طفيف لصالح الكتلة المناهضة لسورية، ولو استمرت الاغتيالات على المنوال السابق ضد النواب المعارضين للوجود السوري فإن اعتماد صيغة نصف زائد ستكون في صالح المعارضة. لذلك فضل نواب الأغلبية الاحتماء بأحد فنادق بيروت خوفا من اغتيالهم، الأمر الذي سهل من مهمة وزراء خارجية أوروبا الثلاثة الذين التقوا بالنواب في الفندق مجتمعين.
 
مساعي فرنسية سعودية
 
من جهتهم تقدم نواب المعارضة بمذكرة للوزراء الأوروبيين بينوا فيها أن:" أي دعم خارجي يفترض أن يأتي لكل الشعب اللبناني وليس لفئة منه، من أجل تشجيع التوافق لا تعميق الانقسام". محذرين من أن :" أي موقف واضح أو إيحاء أو تسهيل لفريق 14 آذار بانتخاب رئيس بنصاب الأغلبية البسيطة بعيدا عن التوافق والنصاب الدستوري أي الثلثين، سوف يؤدي بلبنان إلى المجهول".
 
في غضون ذلك تجري مشاورات بين أطراف عربية وأوروبية، وخاصة بين فرنسا والسعودية من أجل معاملة سوريا على أنها جزء من الحل وليست جزءا من المشكلة، وتقول صحيفة الحياة أن زيارة كلود غيان الأمين العام للرئاسة الفرنسية إلى الرياض، هي للتحضير لزيارة الرئيس ساركوزي للسعودية، وتخشى السعودية التي كان لها الدور الأبرز في بلورة اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان، أن ينتهي الأمر بالفرقاء اللبنانيين هذه المرة إلى اختيار حكومتين، وإذا لم ينجح مجلس النواب في اختيار الرئيس الجديد يوم 12 نوفمبر القادم، فيمكن للرئيس الحالي أميل لحود أن يعين حكومة جديدة، مثلما حدث مع أمين الجميل عندما عين العماد ميشال عون قائد الجيش رئيسا للحكومة في عام 1989، وهذا ما سيرفضه نواب الأغلبية ويصرون على شرعية حكومة فؤاد السنيورة، مما يفتح الباب واسعا أمام حرب أهلية جديدة، لذلك سيتصرف الأوروبيون في لبنان على الأرجح عكس ما تريده واشنطن، التي تسعى إلى عزل ومعاقبة سورية، وذلك بالتفاهم مع سورية حتى يتم اختيار رئيس جديد للبنان. وفي هذا الإطار أكد وزير الخارجية السوري وليد المعلم لنظيره الأسباني ميخيل انجيل موراتينوس خلال مكالمة هاتفية:" استعداد سورية للتعاون مع أسبانيا من اجل المساهمة في إيجاد حلول سياسية للمسائل القائمة في المنطقة بما يضمن الأمن والاستقرار فيها".
 
رؤية مصرية
 
بالإضافة إلى الجهود الأوروبية المبذولة لنزع فتيل الأزمة، يتوجه يوم الخميس القادم وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إلى بيروت، وقال المتحدث الرسمي للخارجية المصرية، حسام زكي «سيقدم الوزير أبو الغيط خلال لقاءاته بالمسئولين والقيادات السياسية اللبنانية رؤية مصرية لمساعدة الفرقاء اللبنانيين للتوصل الى حلول تساعدهم في الخروج من الأزمة الحالية". كل هذه التحركات تؤكد أن ثمة حلا يلوح في الأفق، أو أن الأمور تسير بسرعة نحو الهاوية، خاصة وأن النائب وليد جنبلاط غادر العاصمة الأمريكية دون أن يرشح شيء عن زيارته، وهو الذي يمثل أكثر الأطراف تصلبا في فريق الأغلبية، ويمكن اعتبار زيارته لواشنطن كمحاولة لإفشال التحركات الإيجابية التي تمت مؤخرا، والتي كان للوزراء الأوروبيين دورا فيها، وخاصة وأن ميشال عون صرح بعد لقاءه مع أمين الجميل أنه يطمح للقاء سعد الحريري، قبل لقاءه مع سمير جعجع، كما تحدث نواب مقربون من عون عن رغبتهم في لقاء يجمع الفرقاء المارونيين، أي عون والجميل وجعجع وفرنجية.
 
يدرك كل الأطراف أن مفتاح الحل في لبنان يوجد في خارجه، ومن سؤ حظ هذا البلد أن يكون البطن الرخو لكل ضربات القوى الإقليمية والدولية، وإذا نجحت المساعي المبذولة حاليا في تجنيب لبنان حربا أخرى، فلابد من التفاهم مع سورية أولا، وهو أمر ليس بالسهل نتيجة إذ أن الولايات المتحدة ترفض ذلك حتى الآن، وإن كان هناك من يطالب إدارة بوش بفتح حوار مع سورية لإبعادها عن المحور الإيراني، ويجمع على هذا الأمر أقطاب الحزب الديمقراطي الأمريكي، الذين يضغطون على الرئيس بوش، بالتوصية التي رفعتها لجنة بيكر هاملتون للخروج من العراق، كما تؤيد هذه الخطوة دول الاعتدال العربي التي ترى أن مواجهة إيران ومنعها من الدخول إلى النادي الذري يستدعي إبعاد سورية عنها، وذلك بإعادة الأراضي التي السورية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، وبإلغاء المحكمة الدولية التي تحقق في اغتيال الرئيس الحريري، والتي ستطال رؤوسا كبيرة في النظام السوري، وهو الأمر الذي حول المعركة إلى معركة عض أصابع في انتظار من يصرخ أولا، وسيكون لبنان الضحية الأولى في هذه المواجهة المفتوحة الممتدة من بيروت إلى طهران.
 
معركة عض الأصابع
 
ومن هنا تأتي أهمية الصراع على هوية الرئيس الجديد للبنان، خاصة وأن الخارطة السياسية اللبنانية تغيرت بشكل كبير، فلم تعد تمثل نفس القوى الطائفية السابقة، حيث ينقسم الموارنة الذين سيكون الرئيس منهم بين معسكرين متعارضين، احدهما مع سورية والثاني ضدها، كذلك ينقسم السنة، ويمكن اعتبار الطائفة الشيعية هي الوحيدة التي تقف بالكامل مع سورية وإيران، وإذا كان الرئيس الجديد من الأغلبية المناهضة لسورية فإنه سيلعب دورا مؤثرا في المحكمة الدولية الخاصة بقتلة الرئيس الحريري، وإذا كان من الفريق المؤيد لسورية فلن يتعاون مع المحكمة.
 
الظروف الدولية تلعب دائما دورا مؤثرا في لبنان أكثر من غيره، ففي عام 1989 غادر الرئيس أمين الجميل قصر الرئاسة ولبنان يمر بظروف مشابهة، وعين قبل مغادرته قائد الجيش ميشال عون رئيسا للحكومة، نكاية في سورية، وبعد عدة أشهر احتل العراق الكويت، ووافق الرئيس السوري السابق حافظ الأسد الوقوف مع الولايات المتحدة ضد صدام حسين، وكانت المكافأة الأمريكية لسورية الموافقة على استبعاد ميشال عون، وهكذا تدخلت سورية عسكريا لتنهي حكومة عون، وجاء مؤتمر الطائف ليؤكد على خصوصية الوجود السوري في لبنان، وكان على اللبنانيين المعارضين للوجود السوري أن ينتظروا ظرفا إقليميا وعالميا يسمح لهم بالتعبير عن هذا الرفض، وهو ما تحقق بعد غزو العراق، وعدم تعاون سورية مع الغزاة، واستثمارها مع إيران للمأزق الأمريكي في بلاد ما بين النهرين، وإن استطاعت الولايات المتحدة طرد سورية من لبنان، ولكنها لم تستطع كبح تأثيرها في البلد الذي أدارت شئونه منذ عام 1976. من يصرخ أولا سيكون الخاسر في معركة سيصرخ فيها كل اللبنانيين في نهاية الأمر.
 
عن موقع إذاعة هولندا (العربية) - 23/10/2007
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com