عادت صباح الخميس
بنازير بوتو إلى باكستان بعد ثمان سنوات في المنفى،
واستقبلتها في مطار كراتشي الدولي حشود قدرت بعشرات الآلاف
من أنصارها، وأنصار حزب الشعب الباكستاني الذي أسسه والدها
ذو الفقار علي بوتو عام 1967، وانتشرت صور بوتو في كل مكان
في كراتشي وإسلام آباد، بينما حشدت الحكومة 20 ألف جندي في
كراتشي، و2500 شرطي في محيط المطار، كما تم إغلاق عدد من
المدارس والشوارع في المدينة، تحسبا لوقوع أعمال عنف، خاصة
وأن المليشيات الإسلامية كانت قد هددت باغتيال بوتو والجنرال
مشرف، الذي كان قد نجا من ثلاث محاولات اغتيال، منذ وصوله
إلى السلطة عقب انقلابه على حكومة نواز شريف عام 1999. وكانت
حكومة إقليم السند الذي تنحدر منه عائلة بوتو، قد أعلنت يوم
الخميس عطلة رسمية حتى تمكن الأهالي من استقبال بوتو.
في اليوم الذي
وصلت فيه بوتو إلى باكستان تنظر المحكمة العليا الباكستانية
في مدى دستورية نجاح الجنرال مشرف في الانتخابات الرئاسية
التي أجريت منذ أيام خلال هذا الشهر، لذلك رفضت المحكمة
المصادقة على نتيجة الانتخابات، بالرغم من أنها سمحت
بإجرائها، تاركة البرلمان يصوت بالأغلبية لإعادة انتخاب مشرف
رئيسا للبلاد، ولكنه لم يتمكن من أداء اليمين الدستورية، حتى
تنتهي المحكمة من النظر في دستورية ما قام به "نواب الشعب"،
الأمر الذي زاد من غموض مستقبل مشرف، وخاصة وأن غريمه القاضي
افتخار تشودري هو الذي يرأس المحكمة العليا، والذي حاول
الجنرال مشرف إبعاده دون جدوى. وإذا قررت المحكمة العليا عدم
دستورية الانتخابات الرئاسية، فقد تخلط الأوراق من جديد، وقد
تجبر الجنرال مشرف على خيارين أحلاهما مر، أولهما العودة
مبكرا إلى بيته متخليا عن السلطة، وعن زيه العسكري، وثانيهما
إعلان الأحكام العرفية والبقاء في السلطة رغم أنف الجميع،
بما في ذلك غريمته التي عادت إلى قواعدها في البلاد بعد أن
أسقط عنها عقوبة بالسجن ثلاث سنوات، بتهمة فساد تصل قيمتها
إلى 90 مليار روبية أي ما يساوي 1.5 مليار دولار.
واشنطن ولندن وراء الاتفاق
لا يبدو أن
المحكمة العليا ستحكم ضد مشرف، حيث رفض رئيسها القاضي تشودري
طلب محامي المعارضة باجتماع المحكمة بكامل أعضاءها الثمانية
عشر، واكتفى تشودري باجتماع أحد عشر قاضيا فقط، وتركز
المعارضة في القضية التي تنظر فيها المحكمة العليا على
انتخاب مشرف رئيسا للدولة، وهو لا يزال قائدا للجيش، ويميل
الخبراء في الشئون السياسية الباكستانية إلى أن المحكمة
العليا ستأخذ في اعتبارها الاتفاق المبرم بين مشرف وبوتو،
والذي كان إعادة انتخابه رئيسا جزءا منه، حيث وافقت بوتو على
دعمه في الانتخابات، بينما يتخلى مشرف عن زيه العسكري، ويترك
لها رئاسة الحكومة.
بالرغم من أن بوتو
ترفض وصف ما جرى بأنه صفقة، وتسميه اتفاقا، إلا أن صحيفة
اندبندنت البريطانية ذكرت أن الاتفاق المثير للجدل شجعت عليه
واشنطن ولندن، بعد أن برهن الجنرال مشرف أنه لا يستطيع ضمان
استقرار باكستان بمفرده، وعدم تحولها إلى أفغانستان أخرى
بقنابل ذرية، وخاصة بعد أزمة المسجد الأحمر، وما تلاه من
مواجهة بين الجيش وإسلاميين متشددين في منطقة وزيرستان
المتاخمة للحدود الأفغانية.
تقاسم السلطة
إذا كان الجنرال
مشرف هو ثالث جنرال يحكم باكستان منذ استقلالها، فإن السيدة
بوتو سيتاح لها حسب الاتفاق أن تتولى رئاسة الحكومة للمرة
الثالثة، متجاوزة بذلك الدستور الذي يمنعها من رئاسة الحكومة
أكثر من مرتين، لم تستفد السيدة بوتو من هذا فحسب بل أنها
أبعدت منافسها الرئيسي نواز شريف الذي لا يزال يلاحقه القضاء
بتهم الفساد، والذي وصل إلى مطار كراتشي في مطلع هذا الشهر
في استعراض للقوة، وغادر مرة أخرى إلى منفاه ليراقب من هناك
تطورات الاتفاق بين غريميه: العسكري الذي أبعده عن السلطة،
وزجه في السجن، ثم أرسله إلى المنفى، واستولى على حزبه حزب
الرابطة الإسلامية، والسيدة بوتو التي ما كان لها الوصول إلى
هذا الاتفاق لولا وجوده كطرف ثالث.
هناك من يرى أن
الاتفاق لن يؤدي إلى استقرار باكستان، فالحليفان الجديدان
يتحدثان بلهجة واحدة ضد الجماعات الإسلامية، التي لها وجود
قوي في البلاد، بالرغم من خبرة بوتو في عقد صفقات معهم، وهي
المشهورة بلقب "أم طالبان" حيث ولدت الحركة التي حكمت فيما
بعد أفغانستان في عهدها وتحت إشرافها، إلا أن مياه كثيرة جرت
في النهر وهي تنتظر في المنفى. أما الجنرال مشرف فقد أساء
التقدير منذ البداية، متوهما أن وصول العسكر الباكستاني إلى
صنع القنبلة الذرية يبيح لهم حكم البلاد مباشرة، بدل هذه
الأحزاب الغارقة في الفساد، ولكن مجيئه قبيل اشتعال الحرب
الدولية على "الإرهاب" جعله يغير كل أجندته الداخلية، وينخرط
في الحرب الأمريكية ضد الإرهاب دفاعا عن كرسيه، وهكذا تحول
بسرعة، على الأقل في نظر كثير من مواطنيه، من حاكم باكستان
إلى جنرال في البنتاغون.
ملاك المصانع وملاك الأراضي
يبدو أن السيدة
بوتو لا تحمل ودا للعسكريين، منذ أن أعدم الجنرال ضياء الحق
والدها عام، 1977 لذلك اشترطت على الجنرال مشرف أن ينزع زيه
العسكري، في الحقيقة هي تطلب منه تقاسم السلطة، هذا إذا نجحت
في الانتخابات التشريعية المزمع إجراءها في يناير القادم،
وبالتالي فإن الجنرال مشرف فقد بمجرد عودتها نصف سلطته "
المطلقة"، أما إذا حدثت مفاجأة في الانتخابات القادمة فستكون
في صالح نواز شريف، الذي يتزعم نصف حزب الرابطة الإسلامية،
وهو أقدم الأحزاب الباكستانية، والذي تأسس على يد مؤسس
باكستان محمد علي جناح في منتصف القرن الماضي، والذي بقى
نصفه مؤيدا لنواز شريف، بينما عقد بقية قياداته اتفاقا مع
الجنرال مشرف، وهم الآن ينظرون إلى عودة بوتو على أن مشرف
باعهم بسعر بخس، وقد يعملون كل ما في وسعهم من أجل إفشال
الصفقة المبرمة بين الجنرال وبوتو، وبالرغم من أن حزب
الرابطة الإسلامية له نفوذ بين رجال الدين التقليديين في
المدن الباكستانية الكبرى، إلا أنه فقد أي تأثير على
الجماعات المتشددة التي ترى أن مشرف وبوتو وشريف هم أدوات في
يد الولايات المتحدة، ويحظى حزب الرابطة الإسلامية بدعم ملاك
المصانع الباكستانيين، وينتشر في المدن الباكستانية الكبرى،
بينما يحظى حزب الشعب الباكستاني بدعم ملاك الأراضي
التقليديين، وبالتالي فإن المنافسة بين الحزبين هي منافسة
بين شريحتين احدهما تمثل الإقطاع التقليدي، والثانية تمثل
الرأسمالية المتوحشة، ولا تزال القوى العلمانية في واحد من
أكبر البلدان الإسلامية تراوح بين قبضة العسكر، وأحزاب
الاقطاعيين التي يتوارثها الأبناء عن الآباء، حيث ورثت
بنازير الحزب عن والدها، بينما يساعد نواز شريف في إدارة
حزبه شقيقه شهباز، وإذا كان الجنرال مشرف قد استغل حزب
الرابطة الإسلامية في انتخابات 2002 في غياب زعيمه في
المنفى، فقد آن الأوان ليستغل حزب الشعب في حضور زعيمته
العائدة من المنفى، وإذا كان حزب الرابطة قد انقسم بسبب ذلك
بين جناحين، جناح بقيادة الجنرال مشرف، وآخر بقيادة نواز
شريف، فإن حزب الشعب مهدد بالانقسام بسبب الاتفاق مع مشرف،
ويأتي الخطر من داخل عائلة بوتو نفسها، التي يرى بعض منهم أن
بنازير قد ذهبت بعيدا في الاتفاق مع العسكر الذين أعدموا
بوتو الأب، وأن الاتفاق قد يهدد الحزب بضربة في الصميم، لذلك
قد ينقسم حزب بوتو مثلما انقسم حزب شريف، وذلك بعد أن يتخلى
مشرف عن وجهه العسكري مبقيا على وجهه المدني، وهي أول خطوة
للتخلص من الجنرالات السابقين في عالم السياسة الباكستانية.
عن موقع إذاعة
هولندا (العربية) - 18-10-2007
|