
الدكتور محمد سيد طنطاوي |
أثارت الفتوى التي
أطلقها شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي جدلا حاد بين
أوساط الصحافيين والمثقفين والسياسيين في مصر، وكان الدكتور
طنطاوي قد قال في خطبة للاحتفال بليلة القدر بمسجد النور
بالعباسية يوم الاثنين الماضي، بحضور رئيس الوزراء المصري،
وعدد آخر من الوزراء إن:" الصحافة التي تلجأ لنشر الشائعات
والأخبار غير الصادقة تستحق المقاطعة وحرام شراء القراء
لها"، مطالبا بتطبيق حد القذف الاسلامي بجلد من "يقذفون"
غيرهم بالتهم الباطلة 80 جلدة، مؤكدا أن:" الشريعة الإسلامية
قد ساوت بين الجميع في عقوبة جريمة القذف التي فيها عدوان
أثيم على الأطهار الأخيار من الرجال والنساء".
توقيت غير بريء
وبالرغم من أنه لم
يذكر الصحافيين الذين قد يتعرضون للسجن بالاسم، ولكن أزمة
الصحافيين التي تعيشها مصر هذه الأيام، بعد حكم أحد المحاكم
بمعاقبة سبعة صحافيين بينهم خمسة من رؤساء تحرير صحف مستقلة،
بسبب انتقاداتهم للحكومة المصرية، وما وصفته المحكمة بنشر
أخبار "كاذبة " عن صحة الرئيس تسببت وفقا لرأي المحكمة في
خسائر معنوية ومادية كبيرة لمصر، وجاءت تصريحات شيخ الأزهر
لتؤجج الجدل المشتعل، خاصة وأنه بادر بهذه التصريحات، خلال
نفس الأسبوع الذي احتجبت فيه الصحف الحزبية والمستقلة عن
الصدور –يوم الأحد الماضي – تنديدا بالأحكام القضائية التي
وصفت "بالجائرة".
قبعة الأمن
الصحفي الإسلامي
محمد عبد القدوس أمين لجنة الحريات بنقابة الصحافيين
المصريين وصف تصريحات طنطاوي بأنها "لا علاقة لها بصحيح
الدين "، وأنها "تحمل رائحة مجاملة كبار رموز النظام"،
متسائلا عن صمت شيخ الأزهر فيما يخص القضايا العامة، قائلا
أن:" أن الساكت عن الحق شيطان أخرس". أما الكاتب فهمي هويدي
فتساءل:"لماذا لم نسمع لشيخ الأزهر رأيا في إدانة التعذيب
وتزوير الانتخابات واحتكار السلطة والأغذية الفاسدة
والمبيدات المسرطنة ولا حتى لما غرقت الناس في العبارة لماذا
لم يتحدث شيخ الأزهر ونحن لا نثق مطلقا في شهادة شيخ الأزهر
وكلامه يرتد عليه لأنه لم يكن أمينا فيها". ووصف شيخ الأزهر
في مقابلة مع صحيفة"المصري اليوم" المستقلة قائلا إن:" شيخ
الأزهر له أكثر من قبعة وهو هنا يرتدي قبعة الأمن، وكان أكرم
له أن يصمت لأن هناك أمورا أكثر جسامة تستحق تعليق شيخ
الأزهر وكلامه".
الإخوان لا يؤيدون طنطاوي
لم يخفف من الحملة
الواسعة التي شنها الصحافيون ضد شيخ الأزهر، التصريحات التي
أدلى بها الدكتور طنطاوي لاحقا، قائلا أنه كان يتحدث عن حكم
عام يقصد به عامة الناس، وليس فئة بعينها، وكان الشيخ يوسف
البدري عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية قد حاول الدفاع
عن طنطاوي قائلا:" إنما كان كلام شيخ الأزهر كلاما عاما،
وهذا الكلام لا غبار عليه شرعا، أما كون الصحافيين يؤولون
المقصد بأنهم هم المقصودون بهذا الكلام، فذلك ما نسميه حساب
النوايا". بينما قال الشيخ سيد عسكر عضو مجلس الشعب المصري
عن كتلة الإخوان المسلمين، والأمين العام السابق لمجمع
البحوث الإسلامية بالأزهر في تصريح للعربية نت:" نعلم
بالنسبة للصحفيين أن القانون لا يلزمهم بالكشف عن مصادرهم،
وهذا شئ طيب لحماية حريتهم، لكن القاضي إذا بحث الموضوع
وتوصل إلى إثبات نشر شائعة كاذبة، فمن حقه أن يقرر عقوبة
مناسبة في باب التعزير، ولكن لا يصل إلى 80 جلدة أو إلى الحد
الأقصى لجريمة في أحكام الحدود تشتبه معها ".
ليست هذه المرة
الأولى التي يتدخل فيها شيخ الأزهر في قضايا الصحافة، فقد
سبق له أن نصح الناس بالابتعاد عن قراءة الصحف التي تنتقد
الصحابة، في الحملة التي قادها الداعية الشيخ صفوت الحجازي
ضد صحيفة الفجر المصرية، وإذا كان موقف شيخ الأزهر من هذه
القضية يمثل موقفا دينيا، فإن موقفه الأخير يؤكد أنه خرج من
تخصصه الديني إلى بحر السياسة، بل وكما يؤاخذه منتقدوه حاول
استغلال موقعه الرفيع لدعم السلطة الحاكمة ضد الصحافيين.
القذف الديني والقذف الصحفي
ومن الجدير ذكره
أن الإسلام وضع عقوبات وصفت "بالحدود" في قضايا محددة، ومنها
الزنا، والسرقة، وقذف المحصنات، وقد كان الحد قاسيا في
العقوبة الأخيرة نظرا لما يترتب على القذف من آثار خطيرة تمس
كل المجتمع، ذلك أن العرض والشرف في الثقافة البدوية شيء
"مقدس"، وقد يتسبب قذف امرأة بتهمة ما في حرب قبلية تقود إلى
حرب أهلية طويلة، لذلك هدفت العقوبة إلى وضع حد للفتنة قبل
أن تطال كل المجتمع، ولكن اتهام مسئول بالرشوة، أو الفساد،
وسرقة المال العام لا يمكن وصفها ب"القذف"، فهي عمل صحافي
تفصل فيه المحاكم وفقا لقانون الصحافة والنشر، وليس قوانين
الشريعة، التي لم تتطرق في أحكامها لوضع الصحافة وإشكالاتها
لعدم ظهور الصحافة عندما اكتملت الشريعة، ويمكن لمن يتضرر من
الصحافة أن يلجأ للقضاء لإنصافه، ولكن ما يجري الآن في مصر
هو أمر آخر، حيث تحاول السلطة بمساعدة المؤسسة الدينية تضييق
هامش حرية الصحافة والتعبير، اللذين ازدهر مع وصول الرئيس
مبارك إلى السلطة، ويبدو أن الهامش سيضيق وهو يستعد لمغادرة
المسرح السياسي.
هل يعيد التاريخ نفسه
؟
منذ تأسيس الأزهر
على يد الفاطميين في القرن العاشر الميلادي، كان الأداة
الأيديولوجية للدولة الشيعية الوليدة التي انتقلت من المغرب
الأقصى إلى مصر، ولكن الأمور تغيرت كثيرا منذ ذلك الوقت،
وتحتاج مصر وهي تمر بمخاض عسير، للولوج إلى عصر الديمقراطية
والحريات العامة، إلى أن تكون المؤسسة الدينية على الحياد،
فيما يخص الصراع بين طبقات المجتمع وفئاته، والتدخل السافر
إلى جانب أي من الأطراف سيعيد ما حدث في التاريخ الأوروبي،
عندما ساندت الكنيسة الملكيات المطلقة، وأنتهى الأمر بانهيار
الملكيات، وظهور الديمقراطية والتعاقد الاجتماعي بين مكونات
المجتمع، وترتب على ذلك فصل الدين عن الدولة، ومنذ ذلك الحين
أصبحت الكنيسة تهتم بالجانب الديني والروحي، تاركة السياسة
إلى نواب الشعب.
عن موقع إذاعة
هولندا (العربية) - 12-10-2007
|