بات في حكم المؤكد
وصول ليبيا وفيتنام إلى مجلس الأمن، حيث انسحبت موريتانيا
تاركة الطريق مفتوحا للجواد الليبي المنهك الذي وصل إلى
نهاية الشوط بسبب عاملين مهمين، الأول هو محاولة الولايات
المتحدة مكافأة ليبيا على توبتها المتأخرة، والثاني هو
مساندة الدول الأفريقية لرغبة ليبيا في الوصول إلى هذا
الموقع الذي سيستمر في عهدتها حتى عام 2009. وكانت الدول
الإفريقية قد رشحت كلا من ليبيا وبوركينا فاسو لتمثيلها في
المجلس الذي يقرر السلم والحرب في العالم، والذي اكتوت ليبيا
بناره، وخاصة عندما أصدر قراره في مطلع التسعينات بفرض
عقوبات دولية على ليبيا، بسبب رفضها تسليم المشتبه فيهما في
تفجير طائرة لوكربي.
وإذا تمكنت ليبيا
وفيتنام وبوركينافاسو من الحصول على ثلثي الأصوات خلال
التصويت الذي سيجري في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 16
نوفمبر القادم، فسيتم رسميا اختيارهم لعضوية المجلس المذكور.
من الناحية العملية انسحب كل المرشحين السابقين وتركوا لهذه
الدول الثلاث التي كانت لها علاقات سيئة مع الولايات المتحدة
بشكل خاص، ومع الغرب بشكل عام.
النمر الآسيوي الجديد
وإذا لم تتهم
فيتنام بممارسة الإرهاب، فقد كان ينظر لها من طرف الغرب على
أنها حصان طروادة الذي اختبأ داخله الشيوعيون خلال الحرب
الباردة، والذين تمكنوا من خلاله من السيطرة على كل فيتنام
بعد توحيدها، ومد تأثيرهم في الدول المجاورة. ولكن جرت كثير
من المياه في النهر الذي امتلأ ذات يوم بالدماء والدموع،
وخرج الفيتناميون من أكثر الحروب دمارا في تاريخهم، ومن أشرس
المعارك التي لم يبخلوا خلالها بتقديم التضحيات، ليخفوا كل
تلك الأطراف المبتورة، والحقول المزروعة بالألغام، ويندمجوا
في العالم باعتبارهم شعبا نشيطا لا يكف عن الابتسام. وتمكنوا
من المزج بين الشيوعية والرأسمالية والبوذية، لينتزعوا إعجاب
العالم مرة أخرى، وهذه المرة في مجال السلم، بعد أن برهنوا
على قدرتهم القتالية الخرافية، التي وضعت حدا لأحلام كبار
جنرالات البنتاغون.
يقدر معدل النمو
السنوي في فيتنام بحوالي 8.3 %. وقد تمكنت خلال الأشهر
التسعة الأولى من العام الحالي من اجتذاب 9.6 مليار دولار من
الاستثمارات الأجنبية. وبينما تمر نمور آسيا السابقة ببعض
المصاعب الاقتصادية، يكاد النمر الفيتنامي الصغير أن يثب
خارج عرينه، منذ أن أصبحنا نسمع مؤخرا عن " المعجزة
الفيتنامية". وبالتأكيد فإن انضمام فيتنام لمجلس الأمن هو
مكسب لهذا المجلس، الذي تكون أحيانا قراراته مثيرة للجدل،
ففيتنام هي أفضل من جرب الحرب والسلم، وأجاد في كليهما،
وبالتالي فإنها ستقف إلى جانب الحكمة، وإلى جانب الشعوب
الصغيرة التي تعرضت للظلم والهيمنة من الدول الكبيرة
والقوية.
المارق وغير المارق
لن تمثل ليبيا في
حال نجاحها بالحصول على ثلتي الأصوات ألـ 192 من أعضاء
الجمعية العامة للأمم المتحدة إفريقيا فقط، وإنما ستكون
الدولة العربية الوحيدة في المجلس، بعد انتهاء عضوية قطر.
يأتي وصول ليبيا وعدم اعتراض الولايات المتحدة على ترشحها
بمثابة المكافأة على "حسن سلوكها"، بعد العقوبات المتوالية
التي أقرت ضدها. وهي مكافأة " معنوية " فليس في مقدور ليبيا
أن تفعل شيئا في مجلس تتحكم فيه الدول الكبرى التي تحظى
باستخدام حق النقض "الفيتو "، ولكنه مؤشر على الطريقة التي
ستتصرف بها الولايات المتحدة مع ما يعرف بالدول "المارقة "،
والتي كانت من بينها ليبيا لسنوات طويلة، حيث كانت الجهات
الرسمية الأمريكية تضعها بطريقة أوتوماتيكية على لائحة الدول
"الإرهابية" والراعية للإرهاب. ومنذ عام 2003 حين سلمت ليبيا
برنامجها النووي في توقيت دقيق بدأت محاولات إعادة تأهيلها
كدولة "غير مارقة". كان عليها أن تغلق الكثير من الملفات
المتراكمة لتصل إلى مجلس الأمن الدولي، ابتدء بقضية لوكربي،
وانتهاء بإطلاق سراح الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني
أشرف الحجوج.
تبرئة المقرحي واتهام غيره
ليس الوصول إلى
مجلس الأمن الدولي هو المكافأة الوحيدة لليبيا، وإنما أيضا
إطلاق سراح ضابط مخابراتها عبد الباسط المقرحي، الذي يقضي
عقوبة السجن مدى الحياة في أحد سجون اسكتلندا، بعد إدانته
بتفجير طائرة لوكربي عام 1988. وفي هذا الصدد قالت صحيفة
"جيروساليم بوست" الإسرائيلية في عددها الصادر اليوم
الأربعاء، إن عبد الباسط المقرحي سيستعيد حريته في العام
القادم، وفقا لرأي خبراء لهم صلة بالموضوع. وقالت الصحيفة إن
إسرائيل وفقا لشهادة أريل شارون الذي كان وزيرا للمواصلات
عندما تم تفجير الطائرة المنكوبة، قد صرح بأنهم يشتبهون في
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة التي يتزعمها
أحمد جبريل، وتتخذ من دمشق مقرا لها. وهذا يعني أن مكافأة
ليبيا على تعاونها الكامل مع الولايات المتحدة، سيترتب عليه
أن تحل دولة أخرى "مارقة " محل ليبيا، ووفقا لشهادة شارون
فإن سورية ستتحمل أعباء إيوائها لمنظمة أحمد جبريل في حالة
توجيه الاتهام لها، خاصة وأن عائلات ضحايا الطائرة لن
يتوقفوا عن محاولة الوصول إلى الحقيقة، وفي مقدمتهم المتحدث
الرسمي باسمهم الدكتور جيم سواير، الذي خصص نصف مليون دولار
من أموال التعويضات التي استلمها من ليبيا، للإنفاق على
إجراءات استئناف عبد الباسط المقرحي، الذي سيقدمه يوم غد
الخميس.
مجلس الامن وآل البيت
لا يبدو العقيد
القذافي مهتما بمجلس الأمن الدولي، الذي كان يصفه لسنوات
طويلة بـ "مجلس الأمن الأمريكي"، فهو على ما يبدو منشغل هذه
الأيام بموضوع واحد، وهو الانتقال السلس للسلطة منه إلى ابنه
سيف الإسلام، وخاصة بعد دمجه لما يعرف بـ "رفاق القائد"
بمؤتمر الشعب العام، والقيادة الشعبية، ورفاق القائد هو تجمع
لكل المدنيين الليبيين الذين تعرفوا على القذافي قبل وصوله
إلى السلطة. وهكذا سيضمن دعما أكبر لاختيار سيف الإسلام
عندما يحين الوقت. وفي آخر خطبه التي وافقت "ليلة القدر" أكد
القذافي من خلال لقائه بـ"الأشراف في جنوب ليبيا" والذين
يزعمون أنهم من سلالة "آل البيت" على الانتقال السلس للسلطة،
والتي يعتبرها القذافي حقا تاريخيا مكتسبا فقط لآل البيت،
منذ أن أقنع الأشراف المصريين بأنه من "آل البيت"، وهو ما
زعمه أيضا الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين قبله.
عن موقع إذاعة
هولندا (العربية) - 10-10-2007
|