10/10/2007
 

اولمرت يدعو الجميع للتخلي عن الأحلام
تقرير: عمر الكدي (إذاعة هولندا-العربية)

 
ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت خطابا أمام الكينست يوم أمس، تطرق فيه إلى المفاوضات التي يجريها مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، منذ عدة أشهر، والى آفاق مؤتمر السلام الدولي الذي يتوقع انعقاده في الشهر القادم بالولايات المتحدة. وأكد أولمرت في خطابه على تصميمه في دفع عملية السلام قدما مع الفلسطينيين مشيرا في نفس الوقت أنه طريق طويل مليء بالصعاب " بعيد للغاية على طريق طويل ومليء بالعثرات". وقال أنه على استعداد لتقديم تنازلات مطالبا في نفس الوقت الفلسطينيين بتنازلات مماثلة. ومن الواضح أن أولمرت في خطابه حاول طمأنة " الجميع "، وخاصة السلطة الفلسطينية، حيث أثنى على رئيسها محمود عباس، ورئيس وزراءه سلام فياض، قائلا:" أن القيادة الفلسطينية الحالية ليست قيادة إرهابية، والرئيس أبو مازن ورئيس حكومته ملتزمان بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل، وكلي ثقة بأنهما معنيان حقاً في التقدم سوية معنا في مسار يقود إلى تغيير الواقع في العلاقات بيننا". وقاطع نواب المعارضة أولمرت عدة مرات، ربما لأن أولمرت عبر لأول مرة بلغة واضحة عن اقتراب لحظة الاستيقاظ من "الحلم الإسرائيلي" حيث قال:" علينا استغلال الفرصة السانحة لئلا نندم في المستقبل على تفويتها، نعم لدينا العزيمة على اتخاذ قرارات حاسمة وشجاعة ومحتومة تنطوي على تنازلات عن التحقيق الكامل والتام لأحلام وطموحات غذت روح شعبنا لعقود من الزمن، أن نصحو من أحلام راودتنا."، لم يدع أولمرت فقط شعبه للاستيقاظ من الأحلام، وإنما دعا الفلسطينيين أيضا:" نتفهم ضائقة الفلسطينيين ونتضامن مع ألم كثيرين منهم نجم عن الصراع بيننا... لكن عليهم أيضاً أن يتنازلوا عن تحقيق بعض أحلامهم ليخلقوا معنا حلا واقعياً، ربما ليس مثالياً أو كاملاً، لكنه واقع يعطينا جميعنا مقابلاً من الاستقرار والأمن وحب الحياة والسلام". وقال أولمرت أنه إذا ضاعت فرصة السلام هذه فليس أمام الجميع إلا " صراع ديموغرافي دموي ومؤلم لن يخدم إسرائيل"
 
معارضة على التوقيت وليس التنازلات
 
في نفس اليوم الذي ألقى فيه أولمرت خطابه اجتمع في القدس المفاوضون الفلسطينيون والإسرائيليون للوصول إلى "وثيقة التفاهمات "، وهي الوثيقة التي سيحملها الطرفان إلى المؤتمر الدولي للسلام، والتي ستحمل "الحل النهائي" للقضايا الصعبة والشائكة بينهما، وهي القدس، اللاجئين، والمستوطنات. لم يصرح الوفدان اللذان يرئسهما أحمد قريع، ويورام طوبروبفتش بنتائج الجولة الأولى، ولكن نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي حاييم رامون الذي طالب بأن تتنازل إسرائيل في قضيتي " القدس واللاجئين "، بحيث تصبح الأحياء العربية في القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، وأن تستوعب إسرائيل جزءا من اللاجئين على أساس "إنساني". ولكن تصريحات رامون التي يوافق عليها رئيسه جعلت الحكومة تنقسم بشدة في جلستها الأسبوعية، حيث اعترضت وزيرة الخارجية تسيبني ليفني، ليس على حجم "التنازلات" وإنما على توقيتها، حيث ترى ليفني أنه من الأفضل على إسرائيل عدم المسارعة في تقديم تنازلات، ووقف إلى جانب ليفني وزير الدفاع وزعيم حزب العمل ايهود براك، وأيضا وزير المواصلات شأؤل موفاز، الذي يرى أن ما صرح به رامون يلحق ضررا فادحا بالمصالح الإسرائيلية، وكانت المفاجأة الكبرى في رد فعل وزير الشئون الاستراتيجية، وزعيم حزب "إسرائيل بيتنا" اليميني المتطرف ايفغدور ليبرمان، الذي وافق على تقسيم القدس، مشترطا أن تكون الأحياء اليهودية في المدينة تحت السيادة الإسرائيلية.
 
نهاية الحلم التوراتي
 
ليس الفلسطينيين بأفضل حال من الإسرائيليين، حيث تعتزم الفصائل الفلسطينية المعارضة للسلام مع إسرائيل وفي مقدمتها حماس والجهاد الإسلامي، عقد مؤتمر في دمشق مواز للمؤتمر الدولي للسلام، الذي يرجح انعقاده في مدينة أنابوليس بولاية ميريلاند الأمريكية. حيث ترفض هذه الفصائل أي تنازلات لإسرائيل مطالبة بتحرير فلسطين من "الماء إلى الماء"، وفقا لتصريحات نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي.
 
الأمريكيون تعلموا من العراق
 
من الواضح أن الإدارة الأمريكية التي ستستضيف المؤتمر الدولي للسلام، تركت كل شيء بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولن تلعب دور الوسيط كما حدث في المرات السابقة، ولكنها ستتدخل من خلال وزيرة الخارجية كونداليزا رايس، كلما توقف المفاوضون من الطرفين أمام عقبة كبيرة، وتهدف الولايات المتحدة من وراء ذلك إقناع الطرفين بأنها على " الحياد " فيما يخص هذه القضية، ولعل التدخل في العراق أجبر هذه الإدارة من عدة نواحي على لعب هذا الدور، ذلك أن الأغلبية من الشارع العربي تعتبر الولايات المتحدة منحازة بشكل سافر لإسرائيل، كما أن تجربة العراق علمت هذه الإدارة أن التدخل المباشر في شئون مجتمعات ودول الشرق الأوسط، هو بمثابة مغامرة غير آمنة العواقب، والأفضل هو الضغط من بعيد، ومن خلال الأنظمة الحاكمة، وليس من خلال " المعارضة ".
 
ويبدو أن هذه الفكرة، ويرجح أن تكون وراءها "كونداليزا رايس " قد بدأت تعطي ثمارها، فلأول مرة يحدث نوع من الاتفاق بين الإسرائيليين على ضرورة "التنازل" عما كان يعتبر حقا " توراتيا "، لا يمكن التنازل عليه بتوصية من "الرب"، ويتحول " المقدس المصمت" إلى واقع سياسي بكل ما تحمله السياسة من كر وفر، ومناورة تنتهي إلى تنازل من هنا وهناك، فالسياسة هي فن تحقيق الممكن خلال الحياة، والمقدس هو تحقيق المستحيل في حياة أخرى.
 
لعسكريون يريدون حماس أيضا
 
حتى الاعتراضات التي شقت الحكومة الإسرائيلية لم تعترض على "التنازلات"، وإنما على التوقيت، ولا تخلو من مناورة تخص السياسة الإسرائيلية الداخلية، وطموحات الساسة الإسرائيليين في الفوز بمنصب أولمرت، لهذا تعمد الأخير أن يدلي نائبه رامون بالتصريحات المثيرة للجدل وليس هو، وحتى الآن يرى المعارضون لأولمرت مثل ليفني، براك، موفاز، وأيضا زعيم المعارضة نتنياهو، بأنه من المبكر الإعلان عن هذه "التنازلات"، وجميعهم تقريبا، يوافقون دون مواربة على حجم التنازلات، وإنما يرون – مثل القادة العسكريين- أن هذه التنازلات سيتحصل عليها محمود عباس فقط، وأنه لابد من الضغط بقوة حتى يتم إجبار حماس على الدخول في التسوية، ويرى معظمهم بأن محمود عباس ، سيعود للتفاوض مع حماس بعد إعلان الدولة المستقلة لتشكيل حكومة وحدة وطنية مرة أخرى، وهكذا ستجد إسرائيل نفسها في مواجهة حكومة لا تعترف بها، أما أولمرت فيرى أن الانتظار حتى تكون حركة حماس جاهزة لنفس الخطوة التي سيقوم بها عباس مخاطرة كبيرة، فإذا ضاعت هذه الفرصة لتوقيع اتفاقية تتضمن "حلا نهائيا" فقد تكون الفرصة الأخيرة، واضعا في اعتباره أن السلطة الفلسطينية بعد أن عزلت حماس، قد تنهار إذا عادت من مفاوضات أنابوليس خالية الوفاض، وعندها سيكون حل دولة واحدة لشعبين هو أقرب الحلول للواقع، وهو الحل الذي يكمن فيه نهاية إسرائيل كدولة يهودية، ونهاية الحلم الصهيوني قبل أن يبلغ القرن الأول من عمره.
 
عن موقع إذاعة هولندا (العربية) - 09-10-2007
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com