02/11/2007

المؤتمر الفلسطيني المضاد إلى تأجيل
تقرير: عمر الكدي (إذاعة هولندا-العربية)

أعلن في دمشق عن تأجيل مؤتمر الفصائل الفلسطينية المعارضة للسلطة الفلسطينية، ولمؤتمر أنابوليس الدولي للسلام، وصرح طلال ناجي أمين عام الجبهة الشعبية-القيادة العامة- ورئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر، وزياد النخالة نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في مؤتمر صحفي بأن الفصائل المشاركة في المؤتمر قررت تأجليه ليتزامن مع مؤتمر أنابوليس، الذي لم يتم تحديد موعد انعقاده بعد.
 
ذكريات الحرب الباردة
 
يعيد مؤتمر دمشق للفصائل الفلسطينية المعارضة إلى الذاكرة كل المؤتمرات التي انعقدت لمواجهة مؤتمرات السلام التي شاهدتها المنطقة، منذ مؤتمر الصمود والتصدي الذي جمع كل الدول العربية الرافضة لمبادرة الرئيس أنور السادات، واتفاقية كامب ديفيد. لم تنجح جبهة الصمود والتصدي في ثني مصر عن المضي قدما في اتفاقية السلام، بالرغم من نجاحها في عزل مصر، وقطع العلاقات معها، ونقل مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس، واختيار أمين عام جديد للجامعة لم يكن مصريا للمرة الأولى- وربما الأخيرة-، ولكن سرعان ما أعادت كل الدول العربية علاقاتها مع مصر، وأعادوا إلى القاهرة مقر الجامعة العربية، بل ووقعت الأردن اتفاقية سلام مع إسرائيل، وفتحت عدة دول عربية مكاتب اتصال مع إسرائيل، وخاصة بعد توقيع اتفاق أوسلو، كان من الممكن أن تتحول إلى علاقات دبلوماسية كاملة لولا تفجر انتفاضة الأقصى، وبعد إطلاق المبادرة العربية للسلام في مؤتمر بيروت دون أن تعلن أي دولة عربية رفضها لها، أصبح من الواضح أن المنطقة بأكملها تتجه نحو السلام، وأن زمن ظهور جبهات الصمود والتصدي أصبح جزءا من الماضي، ومظهرا من مظاهر الحرب الباردة.
 
ماذا لو ذهبت سورية إلى أنابوليس؟
 
حتى سورية الراعية لمؤتمر الفصائل الفلسطينية لم تعلن معارضتها للسلام، منذ حضورها لمؤتمر مدريد، واللقاء الذي جمع بين الرئيس الراحل حافظ الأسد، والرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، والذي بحث بشكل مباشر إمكانية عقد اتفاقية سلام شامل بين سورية وإسرائيل، انتهاء برسائل الغزل التي بعث بها أولمرت للرئيس الأسد عدة مرات، وخاصة مع الوسطاء الأتراك، فما الذي جعل سورية اليوم ترحب بالمعارضين الفلسطينيين لعقد مؤتمرهم على أرضها، وهي سبق أن أعلنت أنها ستشارك في مؤتمر أنابوليس إذا وجهت لها الدعوة؟.
 
هذا يعني أن مؤتمر الفصائل الفلسطينية قد لا ينعقد على الأقل في سورية إذا وجهت الدعوة إلى سورية لحضور المؤتمر، وقد ينتقل المعارضون الفلسطينيون إلى طهران حيث يمكننا قراءة الدوافع الصحيحة لانعقاد هذا المؤتمر، وأيضا قراءة أسباب تأجيله.
 
يكاد يتشابه المؤتمران وكأنهما شخص يتعقبه ظله أينما أتجه، فمؤتمر دمشق الذي تم تأجيله لم يكن من أجل فلسطين، وكذلك مؤتمر أنابوليس الذي لا يزال يتأرجح بين الخريف والشتاء، وذلك لأن القضية الفلسطينية ليس على رأس أولويات الإدارة الأمريكية، التي بعد أن تورطت في رمال العراق المتحركة، تريد المضي قدما نحو الرمال الإيرانية الأسرع، و لأنها تغوص تلتفت إلى الوراء لتتشبث بأي شيء هناك، وليس هناك أفضل من التشبث بفلسطين، ولكن الجميع لا يكف عن التشبث بها، منذ أن تحولت فلسطين إلى مبرر لكل الانقلابات العسكرية التي أحضرت على صهوة دباباتها جميع أنواع الأيديولوجيات، التي ظهرت في القرن العشرين، و انتهت جميعها إلى أنظمة شمولية، وجمهوريات وراثية. إذا تشبثت الولايات المتحدة بفلسطين وهي تغوص في رمال العراق، فإن إيران تتشبث بفلسطين وهي تتأهب للضربة الأمريكية.
 
مؤتمر أنابوليس قد يولد ميتا
 
حتى الآن لا أحد جاهز للسلام. إسرائيل لا تريد أن تقدم للفلسطينيين حقوقهم المهدورة، حتى وإن تنازل الفلسطينيون على بعض هذه الحقوق، التي اعترفت بها المواثيق الدولية منذ قرار التقسيم، وحتى إذا حول الفلسطينيون بعض هذه الحقوق إلى حقوق شكلية، حيث سيكتفون بعودة عدة آلاف من اللاجئين الذين تناسلوا في المخيمات ليصبحوا عدة ملايين، ولم تسفر لقاءات أولمرت وأبومازن السبعة إلا في إطلاق سراح بضعة مئات من السجناء الفلسطينيين، بينما لا تزال السجون الإسرائيلية تعج بقرابة 11 ألف منهم، حتى نوايا إسرائيل في التخلي عن الأحياء العربية في القدس تواجه معارضة قوية من اليمين الإسرائيلي التقليدي، ومن الأحزاب الدينية المتشددة التي يصلي أعضاؤها حتى لا يستيقظ أريل شارون من نومه العميق، ليؤكد ليؤكدوا أن الأمر كان عقابا له من الله على انسحابه من غزة. ويبدو الرئيس محمود عباس في حالة من اليأس، بعد أن رفض الأمريكيون وقبلهم الإسرائيليون تحديد جدول زمني لأي اتفاق يبرم في أنابوليس، وخاصة وأنه سبق للفلسطينيين تجربة السلام مع إسرائيل في غياب جدول زمني دقيق، من خلال اتفاق أوسلو والذي تحول إلى مجرد مصيدة لنقل منظمة التحرير من تونس إلى رام الله، حيث تم محاصرة الرئيس عرفات في مكتبه، حتى توفي بشكل غامض في باريس.
 
خيار شمشون
 
قبل أن يؤجل المعارضون الفلسطينيون مؤتمرهم الموازي لمؤتمر أنابوليس بدأ المؤتمر الأخير في التآكل قبل أن يبدأ، ربما لهذا السبب نزل الأوروبيون إلى الساحة ليتداركوا فشل المؤتمر، حيث بدأ وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير مباحثات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، ووزيرة خارجيته في القدس اليوم الخميس، وسيتوجه في وقت لاحق إلى رام الله، ويحمل شتاينماير في جعبته خطة العمل الأوروبية التي سيتم تطبيقها لتقوية السلطة الفلسطينية بعد مؤتمر أنابوليس، وسوف يتناقش شتاينماير مع الطرفين سبل إنجاح المؤتمر المذكور، حتى يتمكن الأوروبيون من ملء الفراغات التي عادة ما يتغافل عنها الأمريكيون، ولكن ليس في جعبة الأوروبيين أي وصفة سحرية لإنجاح المؤتمر الذي منذ البداية صممه الأمريكيون ليكون حلقة مبارزة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، دون تدخل من أحد بما في ذلك كونداليزا رايس، التي ستكتفي بالعد إلى التسعة كلما سقط أحد الخصمين، وهكذا سيعود الأوروبيون إلى دورهم القديم في تمويل حكومات محمود عباس سوأ التي شاركت فيها حماس، أو كانت فقط لفتح بمشاركة التكنوقراط، وفي نفس التوقيت أرسل محمود عباس وفدا لمقابلة نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، لعله بذلك يخفف من الحملة الإعلامية التي رافقت مؤتمر الفصائل قبل انعقاده، ولكن هذا يؤكد أن مؤتمر الفصائل لا يشبه المؤتمرات المعارضة لأي تسوية سلمية، منذ مؤتمر الخرطوم ولاءاته الثلاث، مرورا بمؤتمر الصمود والتصدي، ورئيس السلطة الفلسطينية يدرك قبل غيره أن عودته خالي الوفاض من أنابوليس تعني بداية التآكل للسلطة الوطنية الفلسطينية، التي فقدت حتى الآن قطاع غزة، واحتمال تفجر انتفاضة أخرى قد تربك كل التسويات السلمية سوأ التي خرجت من الأدراج، أو تلك التي لا تزال فيها، ولكن هذا يعني أيضا أن الانتفاضات الفلسطينية لا ترسو حين تنتهي العاصفة في نفس المرفأ الذي انطلقت منه، وعادة ما تتخلص وهي تصارع الأمواج والرياح الكثير من الأشياء، مثلما تفعل المراكب حين تكون لوحدها بعيدة عن شواطئ الآمان، وهو ما يحدث أيضا في إسرائيل، وخاصة وأن الوقائع اثبت أنه كلما تخلص الفلسطينيون من الوصاية العربية يتقدمون نحن وطنهم أكثر، وهذه المرة ليست استثناء إلا في أن الوصاية أصبحت إيرانية أكثر من كونها عربية، حتى سورية التي تستضيف مؤتمر الفصائل المعارضة قد تغير رأيها، إذا عادت لها أراضيها المحتلة، وتم غض الطرف عن حماقاتها في لبنان، وهي لا تريد أن تفرط في نصف الورقة الفلسطينية، بعد أن فقدت نصف الورقة اللبنانية، أما إيران فليس لها أي خيار آخر سوأ خيار شمشون، حيث سيسقط معبد الشرق الأوسط على الجميع مع وصول أول صاروخ أمريكي إلى المنشاءات النووية الإيرانية، وسيتأكد ذلك أكثر إذا حولت الولايات المتحدة مؤتمر أنابوليس من مؤتمر دولي لحل القضية الفلسطينية، إلى مجرد مؤتمر لتحشيد دول الشرق الأوسط ضد إيران.
 
عن موقع إذاعة هولندا (العربية) - 01/11/2007
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com