15/11/2007

السودان يتمهل عند مفترق الطرق
تقرير: عمر الكدي (إذاعة هولندا-العربية)

وصلت التطورات بين حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، والحركة الشعبية لتحرير السودان إلى طريق مسدود، ولم تتمكن حتى اللجنة السياسية من الاجتماع، وهي اللجنة التي اتفق الطرفان على تشكيلها بعد اللقاء بين الرئيس البشير، ونائبه الأول سلفا كير ميارديت، الذي جاء عقب انسحاب وزراء الجنوب من الحكومة المركزية ولكن تدخل الولايات المتحدة قد يؤجل الانفصال إلى حين. حيث أعلن حزب المؤتمر الوطني الحاكم عن تطابق وجهات النظر بينه، وبين الولايات المتحدة، فيما يخص سبل إنقاذ اتفاقية نيفاشا الموقعة بين شريكي حكومة الوحدة الوطنية، و خاصة ما يتعلق بالخلاف حول منطقة "آبيي" الغنية بالنفط، وكان المبعوث الأمريكي للسودان أندرو ناتسيوس قد تقدم بمبادرة خلال زيارته الأخيرة للخرطوم، لإنهاء الأزمة بين الشريكين.
 
إعادة ترسيم الحدود
 
كان حزب المؤتمر الوطني وشريكته الحركة الشعبية قد توصلا بعد الأزمة الأخيرة، من خلال لجنة سداسية إلى تذليل أربع من المشاكل الخمس التي كانت السبب في الأزمة، وظلت مشكلة منطقة آبيي تهدد الشراكة بين جناحي السلطة، وتهدد بانفصال الجنوب عن السودان، وجاءت المبادرة الأمريكية لتعطي بعض الأمل للراغبين في وحدة السودان من الطرفين. تشتمل المبادرة على خمسة بنود هي: انسحاب الجيش السوداني، وقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان من المنطقة المتنازع عليها، وبالتحديد إلى شمال وجنوب الحدود التي رسمت بين الجنوب والشمال في عام 1956 تاريخ استقلال السودان، وذلك خلال شهر يبدأ اليوم 15 نوفمبر، وينتهي في 15 ديسمبر، وأن تمنح بعثة الأمم المتحدة حق الإشراف والمراقبة في المنطقة التي تقدر بحوالي 40 كيلومترا، نتيجة لانسحاب القوتين مسافة 20 كيلو مترا من الحدود المذكورة، وأن يتم دمج القوات العسكرية من الطرفين بحلول الأول من يناير المقبل، وأن تتولى لجنة مكونة من ثلاث دول وهي الولايات المتحدة، الصين، والسعودية التوسط بين الطرفين، وصولا إلى رؤية لحل المشكلة، وترسيم حدود نهائية بين الشمال والجنوب.
 
استقلال قبل الاستقلال!
 
وكان نائب الرئيس السوداني وزعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان سلفا كير ميارديت قد وصف الشراكة التي تجمع حركته، مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم بزعامة الرئيس البشير بأنها:" أصبحت كالسكير الذي يترنح." وقال خلال زيارته الأخيرة لواشنطن بأنه:" لا عودة للحكومة طالما أن الشروط الأربعة التي رفعوها لا تزال معلقة."، ولعل أكثر ما أثار الرئيس البشير وحزبه الحاكم محاولة نائبه الأول سلفا كير مخاطبة مجلس المن مباشرة، وأعتبر حزب المؤتمر الوطني في بيان له أن محاولة سلفا كير مخاطبة مجلس الأمن حول الأزمة الراهنة مع الحكومة المركزية يعتبر خرقا تاما لميثاق الأمم المتحدة، الذي يجيز للأمم المتحدة التعامل مع فقط مع الدول، وليس مع الأقاليم، ومع البعثات الدبلوماسية المعتمدة، وليس مع مكاتب الأحزاب والحركات، وبالرغم من أن مجلس الأمن رفض طلب الحركة الشعبية، إلا أن الطلب في حد ذاته يوضح مدى الاختلاف بين الشريكين، و أن الحركة الشعبية أصبحت أقرب إلى الانفصال أكثر من أي يوم مضى، قبل أن تأتي المبادرة الأمريكية لتجعل الشريكين في الائتلاف الحاكم يتريثان في إجراءات الطلاق، ويمنحان للوسطاء فرصة إعادة المياه على مجاريها، ولكن يلاحظ أن الحكومة المركزية التي كانت تعترض على تدخل أي طرف خارجي في الأزمة أصبحت ترحب بتوسط ليس الولايات المتحدة فقط، وإنما الصين والسعودية دفعة واحدة، بينما تحفظت الحركة الشعبية لتحرير السودان متذرعة بنص اتفاقية نيفاشا على توسط أي طرف، قبل أن تغير رأيها وتقبل بالمبادرة الأمريكية دون تحفظ، وخاصة وان سلفا كير لا يزال موجودا في الولايات المتحدة.
 
نقل المفاوضات خارج ليبيا
 
على صعيد آخر لمح المبعوث الإفريقي إلى دارفور سالم أحمد سالم إلى إمكانية نقل المفاوضات من سرت الليبية إلى مكان آخر:" إذا بلغ الأمر أن عارضت جميع الأطراف المكان فلن نضحي بالمحادثات من أجل المكان". مؤكدا أن:" الشيء الأكثر أهمية ليس أين نذهب، الشيء الأكثر أهمية هو ما إذا كانوا مستعدين الآن للدخول في مفاوضات".
 
يبدو أن نقل المفاوضات إلى مكان آخر ساهم في توحيد بعض الفصائل، حيث أعلنت ثمانية فصائل عن تشكيلها لجبهة موحدة، وتتكون الجبهة الجديدة وفقا لما صرح به جار النبي عبد الكريم قائد أحد الفصائل، من ستة فصائل منشقة عن حركة تحرير السودان، بالإضافة إلى فصيلي آدم بخيت، وخميس عبد الله، بينما لا تزال ثلاث تكتلات خارج الجبهة الجديدة.
 
أكد الرئيس السوداني عمر حسن البشير في لقاء خاص مع قناة الجزيرة أن الأوضاع في الجنوب "معطلة تماما"، و لم يستبعد الرئيس البشير لأول مرة انفصال الجنوب، ولكنه لم يستبعد أيضا بقاء السودان موحدا، وأشار إلى:" اعتقاد بعض من في السلطة بالجنوب أنهم مستقلون تماما عن المركز بدليل تعطيل كل مؤسسات الحكومة الاتحادية حتى الآن". وقال:" حتى الآن لم أتسلم تقريرا واحدا عن أداء حكومة الجنوب وقد طالبت سلفاكير من قبل بذلك بضرورة الإطلاع على الأوضاع". مؤكدا أن التصعيد الإعلامي من طرف الحركة الشعبية لتحرير السودان ساهم في تعقيد الأزمة.
 
جيش من المشاة
 
توحيد فصائل المتمردين الذي كان مطلب المجتمع الدولي لم يسهم بعد في تخفيف معاناة أهالي دارفور، حيث صرح مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام من فشل القوة المختلطة التي سيبلغ قوامها 26 ألف عسكري، حيث لم توافق الحكومة السودانية بعد وفقا لتصريحات جان ماري غويهينو على أربع وحدات من تايلند، نيبال، الدنمرك، ووحدة مختلطة سويدية نرويجية، كما أن الحكومة السودانية لم ترفض انتشارها أيضا. بالإضافة إلى هذه المشكلة لم تتقدم أي دولة بعد بتوفير وسائل النقل إلتي تحتاجها هذه القوات، والمتمثلة في السيارات والشاحنات، و أيضا 8 طائرات مروحية للنقل، و6 للقتال.
 
بوش يعترض على مشروع الكونجرس
 
لم تتقدم الولايات المتحدة بمبادرة لإنقاذ الوضع بين الجنوب والشمال فحسب، بل مارست الإدارة الأمريكية ضغوطا على الكونجرس لمنعه من إصدار مشروع قانون يمنع الاستثمار في السودان، ويتضمن المشروع إعطاء صلاحيات للولايات، والسلطات المحلية في الولايات المتحدة بقطع علاقاتها الاقتصادية مع السودان، وذلك وفقا لمشروع القانون بسبب مسئولية الحكومة السودانية على ما يجري في دارفور، و اعتبر البيت الأبيض أن مشروع القانون يقوض صلاحيات الرئيس فيما يخص السياسة الخارجية، وبالرغم من أن القانون لم يعرض على التصويت في الكونجرس بعد، وقد لا يعرض إلا أنه بالإضافة إلى المبادرة الأمريكية بين شريكي السلطة في السودان يوضح مفارقة عجيبة، حيث ينشغل الأمريكيون بالجنوب أكثر من دارفور، وبمنطقة آبيي الغنية بالنفط أكثر من أي مكان آخر، خاصة إذا علمنا أن الحكومة الأمريكية تدعم حكومة الجنوب ماديا، بينما تحتاج قوات الهجين في دارفور إلى بضعة طائرات مروحية لتبدأ عملها، فهل تريد الولايات المتحدة الاطمئنان على العلاقة بين الشمال والجنوب، قبل أن تلقي بثقلها في أزمة دارفور؟ أم أن الولايات المتحدة لا تستطيع مقاومة رائحة النفط الذي يرقد تحت أراضي آبيي؟.
 
عن موقع إذاعة هولندا (العربية) - 15/11/2007
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com