14/11/2007

نهاية سريعة لشهر العسل الليبي الأوروبي !
تقرير: عمر الكدي (إذاعة هولندا-العربية)

واصلت ليبيا التمسك بقرارها المفاجئ الذي يلزم المسافرين الأجانب من غير العرب على ضرورة أن تحتوي جوازات سفرهم على بيانات باللغة العربية. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر ليبي مسئول قوله:" لن نتراجع عن هذا القرار ولن نعير ردود الفعل الدولية حول هذا الموضوع أي اهتمام". ويستثنى من هذا القرار ضيوف الدولة الكبار، وحملة الجوازات الدبلوماسية.
 
كانت ليبيا حتى شهر مارس 2005 تعمل بهذا النظام، ولكنها ألغته بعد تحسن علاقاتها مع الغرب، وبعد أن بدأت تشجع السواح الغربيين على زيارة البلاد، وقد يكون العودة المفاجئة إلى النظام القديم مؤشر على نهاية شهر العسل مع الغرب، وقد يكون مجرد سحابة صيفية.
 
ممنوع مغادرة البلد
 
بالرغم من أن المسئولين الليبيين يقولون بأن بلادهم سبق لها وأن أعلمت شركات الطيران بالقرار الجديد قبل تنفيذه، إلا أن شركات الطيران تنفي علمها المسبق بالقرار، وبالتأكيد فإنها ما كانت تغامر بنقل ركابها إلى ليبيا وهي تعلم بمضمون القرار. وكانت أول ضحايا القرار شركة "اير ميديتراني"، حيث رفضت سلطات مطار سبها 700 كيلو مترا جنوب طرابلس السماح لحوالي 172 راكبا معظمهم من رعايا فرنسا مغادرة الطائرة، بحجة أن جوازاتهم لا يوجد بها ترجمة عربية. عدم السماح للركاب بمغادرة الطائرة لا يدل فقط على أن القرار مفاجئ، وإنما يدل أيضا أنه تعبير عن غضب ليبي، قد يكون مصدره صاحب أعلى قرار في البلاد. ففي العادة يسمح للركاب بمغادرة الطائرة، ثم تتولى سلطات الجوازات والهجرة فحص الجوازات، وعندها تقرر السماح بدخول الركاب أو العكس، كما أن منع حوالي 83 راكبا فرنسيا من الصعود إلى نفس الطائرة العائدة إلى فرنسا لنفس السبب، وخاصة وأن الطائرة التي كانت تقل 172 راكبا تتسع لحوالي 50اضافيا راكبا، وهكذا تضاعفت خسارة الشركة الناقلة، وتأذى المسافرون الذين وجدوا أنفسهم أمام مشكلة غريبة، وهي أن عليهم ترجمة جوازات سفرهم حتى يتمكنوا من مغادرة ليبيا، بالرغم من أن السلطات الليبية سمحت لهم بدخول البلاد بجوازات سفر لا توجد بها ترجمة.
 
لم يطبق القرار فقط على المسافرين الفرنسيين، بل طال حتى الآن 45 راكبا بريطانيا، 37 راكبا سويسريا، 35 نمساويا، و 20 اندونيسيا. ولكن مصدرا فرنسيا صرح لوكالة الصحافة الفرنسية قائلا إن:" السلطات الليبية سمحت يوم الاثنين وبصورة استثنائية لـ117 مسافرا فرنسيا عالقين في مطار سبها بمغادرة ليبيا بعد أن قضوا ليلة البارحة في المطار". كما تدخلت السفارة الفرنسية في طرابلس لإجلاء 18 من الرعايا الفرنسيين، ظلوا عالقين في مطار طرابلس الدولي منذ يوم الأحد الماضي.
 
الليبيون أيضا يدفعون الثمن
 
المسافرون الليبيون وصلهم أيضا رذاذ الغضب أيضا، فقد تولت سلطات الجوازات الليبية في كل المنافذ الحدودية طمس الصفحة التي تحتوي على ترجمة بياناتهم باللغة الإنجليزية، وهكذا لن يستطيع المسافرون الليبيون الوصول إلى أوروبا بسبب عدم قدرة رجال الجوازات الأوروبيون التعاطي مع اللغة العربية. كل هذا يؤكد أن الإجراء المفاجئ لا علاقة له بهوس ليبيا القديم بالمعاملة بالمثل، وإنما هو غضب يأتي من قمة الهرم، وخاصة وأن القرار المفاجئ جاء في نفس الأسبوع الذي اختتم فيه وزير خارجية إيطاليا دي ليما زيارة ناجحة إلى ليبيا صرح خلالها بأن البلدين توصلا إلى اتفاق نهائي، حيث ستبني إيطاليا طريقا بكلفة 6 مليار دولار، يربط ما بين الحدود المصرية والتونسية، كتعويض عن فترة الاستعمار الإيطالي لليبيا.
 
استهداف السواح الفرنسيين في البداية ثم تعميم القرار على كل المسافرين من غير العرب يدل على أن "الغضب الليبي" مصدره فرنسا، ولكن كل المؤشرات تدل على أن فرنسا وليبيا تمران بأفضل علاقات لهما منذ عقود، حيث تردت العلاقات بعد غزو ليبيا لتشاد، وخاصة بعد أن أسقطت المخابرات الليبية طائرة "يو تي أي" فوق صحراء النيجر في الثمانينيات، و هو الحادث الذي أتهم فيه عدد من الليبيين أبرزهم العقيد عبد الله السنوسي، المسئول الأول للمخابرات الليبية، وعديل العقيد القذافي، وتم تسوية ملف القضية بتعويض عائلات الضحايا، ولكن يبدو أن للقضية ذيول لا تزال تعكر صفو العلاقات بين البلدين، حتى بعد تدخل الرئيس ساركوزي في الإفراج عن الفريق الطبي البلغاري، الذي كان محكوما بالإعدام بتهمة حقن 426 طفلا ليبيا بالفيروس المسبب لمرض الإيدز، وتوقيع مذكرة تفاهم بين البلدين شملت التعاون في المجال النووي، والعسكري، والبحث العلمي والتعليم العالي، وفي 29 أكتوبر الماضي وجهه الرئيس ساركوزي خلال مكالمة هاتفية دعوة رسمية للعقيد القذافي لزيارة فرنسا، و تداولت عدة صحف و وسائل إعلامية أن العقيد القذافي سيتوجه في ديسمبر القادم لزيارة البرتغال ثم فرنسا، وفجأة جاءت هذه الغيوم لتحجب تلك الشمس الشحيحة التي لم تكف لبعث الدفء في الأوصال المتجمدة.
 
للعفوية ثمن
 
في مطلع هذا الأسبوع وخلال زيارته إلى المانيا، أكد الرئيس الفرنسي ساركوزي للصحافيين بأنه سيستقبل العقيد القذافي:" نعم. وهل المطلوب غير ذلك بعدما تخلى عن السلاح النووي وانضم إلى الحرب على الإرهاب وأطلق سراح الممرضات البلغاريات؟". لا شك أن تصريحات الرئيس ساركوزي قد تفهم خطأ خاصة وأنها لم تكن مغلفة بأي قدر من الدبلوماسية، حيث ربط موافقته على زيارة العقيد القذافي، بسلسلة من التنازلات قد تحرج صاحب القرار الأول في ليبيا، والتي لم ير فيها حتى الآن أي فائدة.
 
وقد يكون سبب الغضب له علاقة بترتيب زيارة العقيد القذافي إلى فرنسا، فإذا أصر القذافي على اصطحاب صهره عبد الله السنوسي المتهم في حادث تفجير الطائرة الفرنسية فوق النيجر، فإن ذلك سيشكل حرجا كبيرا للرئيس ساركوزي أمام الرأي العام الفرنسي، وهو بالكاد خرج من ملابسات صفقة الممرضات البلغاريات، حيث دأبت الصحافة الفرنسية لعدة أسابيع على البحث في ما إذا كانت فرنسا هي التي دفعت التعويضات لعائلات الأطفال الليبيين، ولكن بالنسبة للعقيد القذافي فإن إعادة قبوله في النظام العالمي يعني قبوله مع كل أركان نظامه، والا فإن العودة للأساليب القديمة أفضل طريقة للتعامل مع الغرب، خاصة وأنه لم يستلم بعد الثمن المناسب لتغيير سياسته القديمة، بينما يعرض على سورية التي صمدت الجولان كاملة. ولا تكف الأطراف الرئيسية والوسيطة من مغازلة إيران لتتوقف عن تخصيب اليورانيوم، فيما كان الغزو الأمريكي للعراق كافيا لأن تسلم ليبيا مكونات برنامجها النووي، ومعلوماتها عن شبكة تهريب هذه المكونات، والتي قادت إلى العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان.
 
وقد يعود الغضب الليبي إلى تفاصيل الزيارة المرتقبة للعقيد القذافي إلى فرنسا، ومن المعروف أن القذافي يصطحب معه في مثل هذه الزيارات أعدادا كبير من الحرس، ذكورا و إناثا، كما سيطيب له نصب خيمته الشهيرة في حدائق قصر الآليزيه، ولا يستبعد أن يصر على اصطحاب عددا من الإبل، وقد يتنازل الفرنسيون وهم المعروفون بتمسكهم الشديد بالبرتوكول والاتيكيت على أشياء كثيرة، من أجل منافع هذه الزيارة، ولكنهم لن يتساهلوا في الأعداد الكبيرة من كتائب الحرس المسلحة، خوفا من إعطاء انطباع بأنهم لا يجيدون حماية العقيد في ديارهم، و العارفون بمزاج القائد الليبي يدركون أن هذا قد يكون كافيا لغضبه أكثر من جدول الأعمال المخصص للزيارة نفسها، وعادة تكون الأشياء الصغيرة هي الأهم في العلاقة بين فرنسا، وبلدان شمال إفريقيا، ويذكر المؤرخون أن رمي حاكم الجزائر بالمنشة كانت المبرر لغزو فرنسا للجزائر الذي استمر 140 سنة، وربما يكون الرفض الفرنسي للعدد الكبير من المرافقين الأمنيين والحراس هو السبب في وأد حلم ساركوزي بمشروع حوض المتوسط، قبل أن يولد.
 
السياحة والإصلاح
 
بالرغم من امتلاك ليبيا لكل شروط الدولة السياحية، إلا أن العقيد القذافي لم يهتم بهذا النشاط على الإطلاق لعدة أسباب، ولكن أهمها أيديولوجي وأمني في المقام الأول، ومنذ عام 2004 زار عدد كبير من مواطني الدول الغربية ليبيا، وبالرغم من تدني الخدمات السياحية، وعدم وجود بنية سياحية تحتية إلا أن ليبيا أصبحت قبلة الراغبين في سياحة آمنة و "حلال "، بين الآثار التاريخية التي تزخر بها البلد، وبين وجوه متعددة من الطبيعة، وخاصة الشاطئ الأطول على ساحل المتوسط.
 
على عكس العقيد القذافي يولي نجله وخليفته المحتمل سيف الإسلام اهتماما كبيرا بالسياحة، وسبق له الإعلان في منتصف سبتمبر الماضي عن مشروع سياحي ضخم في الجبل الأخضر، يجمع بين السياحة البيئية و الاركيولوجية، وإذا استمر العمل بهذا القرار فإنه لا شك سيكون ضربة قاسمة ليس فقط لقطاع السياحة الناهض في ليبيا، وإنما للتيار "الإصلاحي" الذي يقوده سيف الإسلام، ولكن معظم العارفين بالشأن الليبي يرجحون أن القرار مجرد سحابة ليلة صيف، و يذكر أحدهم بما كان يقوم به المشاهد الغامض خلال حقبة الثمانينات، حيث تعود الليبيون من حين إلى آخر على توقف البث التلفزيوني على قناتهم الوحيدة، حيث تظهر صورة حذاء عسكري في وجه المشاهدين، مع عبارة "مع تحيات مشاهد"، وعندها يعلم الجميع أن "القائد" غاضب من البرنامج الذي كان يبث منذ دقائق، وبعد ربع أو نصف ساعة يعود البث، وقد اختفى البرنامج الذي سبب الغضب للمشاهد الذي لا يكف عن إرسال تحياته الغاضبة.
 
عن موقع إذاعة هولندا (العربية) - 14/11/2007
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com