22/11/2007

توافق اللحظات الاخيرة في بيروت
تقرير: عمر الكدي (إذاعة هولندا العالمية)

 
البطريرك صفير مع الرئيس المنتهية ولايته
قبل اقل من يومين على انتهاء الولاية الدستورية لرئيس الجمهورية الحالي اميل لحود يبدو أن الفرقاء اللبنانيين توصلوا بعد مفاوضات مطولة وعسيرة جدا لاتفاق على قاعدة لا غالب ولا مغلوب المعهودة في السياسة اللبنانية.
 
أعلن رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري عن إرجاء جلسة مجلس النواب التي كانت مقررة اليوم الأربعاء لانتخاب رئيس جديد للبنان إلى يوم الجمعة القادم. ويعتبر هذا التأجيل الرابع منذ بداية الخلاف المتفاقم بين قوى الأكثرية 14 آذار، وقوى المعارضة المتمثلة في 8 آذار. التأجيل يعني أن الفرقاء في لبنان لم يتفقوا بعد على مرشح واحد، ومن المعلوم أن الخلافات في لبنان تحسم خارج البرلمان، الذي يتم داخله المصادقة على الاتفاقات التي تجري خارجه، وحتى الآن تم تذليل الكثير من المصاعب لانتخاب رئيس جديد، وتجنيب البلاد المزيد من الانقسام والفرقة، وبعد عدة وساطات تم استبعاد صيغة 50%+1 التي أصرت عليها في البداية قوى الأغلبية المناهضة لسورية، وتم اللجوء إلى انتخاب رئيس توافقي من القائمة التي وضعها البطريرك الماروني نصر الله صفير، ولكن القائمة احتوت على أسماء مقربة من هذا الطرف أو ذاك، مثل ميشال آده، بيير غانم، ميشال عون، ميشال الخوري، بطرس حرب، و نسيب لحود،. وبعد المشاورات لم يبق فيما يبدو إلا الاسمين الأولين، واستبعدت بقية الأسماء نظرا لارتباطها الشديد بأحد المعسكرين، وكان الطرفان قد كلفا رئيس البرلمان نبيه بري، وزعيم تيار المستقبل النائب سعد الحريري باختيار اسم واحد أو اسمين من قائمة البطريرك نصرا لله صفير واقتراحهما على البرلمان.
 
اتصالات محمومة
 
وإذا توصل الفرقاء اللبنانيون إلى اتفاق فإن ذلك يكون بفضل الوساطات العديدة التي حاولت التوفيق بينهم، وتأتي هذه الوساطات من وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير الذي يزور لبنان حاليا، والذي قام بالعديد من الاتصالات من أجل الاتفاق على اسم الرئيس الجديد للبلاد قبل انقضاء الأجل، واجتمع يوم أمس مع البطريرك صفير مؤكدا له دعم بلاده للقائمة التي وضعها، وعدم موافقة فرنسا على أي اسم يأتي من خارجها، كذلك سعى عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية إلى تذليل صعوبات اللحظة الأخيرة، ويبدو أن الاتصال الهاتفي الذي تم بين الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي، والرئيس السوري بشار الأسد قد نجح في نهاية الأمر في تذليل تلك الصعاب، كما أن زيارة العاهل الأردني الخاطفة إلى دمشق حملت وعودا سورية بالمساعدة في إيجاد حل للعقدة اللبنانية، بالإضافة إلى زيارة سعد الحريري إلى موسكو حيث وعده الرئيس بوتن بالتوسط مع دمشق وطهران للضغط على حلفائهما في المعارضة، كما تحرك السفراء في بيروت بشكل محموم في محاولة للتوسط في اللحظات الأخيرة، حيث اجتمع السفير الأمريكي في بيروت جيفري فيلتمان مع النائب ميشال عون رئيس تكتل التغيير والإصلاح، كما استقبل أيضا سفير أسبانيا ميغيل بنزو بيرا، وممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان غير بيدرسين.
 
لا غالب ولا مغلوب
 
وتقول بعض المصادر أن التأجيل ليس علامة فشل، فقد تم الاتفاق على انتخاب ميشال آده أو بيير غانم لمنصب الرئيس، وما التأجيل إلا لإعطاء كافة الأطراف فرصة لترتيب صفوفهم قبل الدخول إلى البرلمان، وتذهب هذه المصادر إلى اعتبار أن ميشال آده هو الوحيد الذي يمكن أن يحقق التوافق بسبب حياديته، على الرغم من مطالبة المعارضة منذ الإعلان عن قائمة البطريرك به، وهو ما جعل قوى الأغلبية ترفضه، وتصر على انتخاب ميشال الخوري، أو بيير غانم المقربين منها.
 
إذا صحت هذه الأخبار يكون لبنان من الناحية العملية قد خرج من هذه الأزمة مرة أخرى، و كما حدث مع الأزمات السابقة بصيغة لا غالب و لا مغلوب، وهي الصيغة الوحيدة التي يمكن تطبيقها في لبنان، حيث لا يمكن لأي طرف من فرض وجهة نظره على الآخرين. وبالرغم من أن الدستور اللبناني ينص على أن الرئيس لابد أن يكون من الطائفة المارونية، إلا أن الخلاف بين الكتلتين المتصارعتين ليس له أساس طائفي، وربما هذا قد يساعد في حل الأزمة، فإذا كان الخلاف طائفيا فقد يرفض المناوئون للموارنة احتكارهم لهذا المنصب.
 
وإذا لم يتمكن البرلمان اللبناني يوم الجمعة القادم من الاتفاق على انتخاب رئيس جديد، فقد تحدث مضاعفات خطيرة تهدد وحدة البلاد وسلامها الوطني، إذ سيعمد الرئيس أميل لحود المنتهية ولايته إلى اختيار حكومة جديدة، ولن يسلم صلاحياته إلى رئيس الحكومة الحالي فؤاد السنيورة، الذي يعتبر حكومته غير شرعية، والسبب في ذلك هو اصطفاف الرئيس لحود مع قوى المعارضة الموالية لسورية، واصطفاف رئيس الحكومة فؤاد السنيورة مع قوى الأغلبية المناوئة لسورية، والذي لن يعترف بدوره بالحكومة التي سيختارها لحود، وعندها ستكون هناك حكومتان في البلد، وبالتالي سيمهد الوضع الجديد إلى اندلاع حرب أهلية جديدة، ونظرا لخطورة المضاعفات فإن المراقبين يرجحون أن يتفق الطرفان في اللحظات الأخيرة على رئيس توافقي، وإلا فليستعدوا لما هو أسوأ.

الماروني الأحمر
 
شغل المرشح الأكثر حظا لرئاسة لبنان ميشال اده (79 سنة) خمسة مناصب وزارية، بعد تخرجه من كلية الحقوق بجامعة القديس يوسف عام 1945، كما ترأس الرابطة المارونية بتكليف مباشر من البطريرك الماروني نصر الله صفير، لذلك يقول بعض المراقبين أن البطريرك منذ البداية يرغب في أن يكون آده هو الرئيس القادم للبنان، لذلك وضع اسمه بين أسماء كان يعلم منذ البداية أن الفرقاء سيتحفظون عليها، كما يعتبر ميشال آده كاتبا متخصصا في الحركة الصهيونية، كما له إطلاع واسع عن الإسلام، بالإضافة إلى تأثره بالماركسية حتى لقب باسم الماروني الأحمر، ولكنه يستريح للقب آخر هو "الموسوعة" نظرا لثقافته العالية، وتبحره في عدة مجالات، كما يتميز بحياديته في الصراع السياسي والطائفي، وله علاقات جيدة مع كل الأطراف بما في ذلك دمشق، ولكنه في نفس الوقت غير محسوب على أي طرف بعينه، وربما علاقته الوطيدة مع البطريرك صفير هي أكثر هذه العلاقات رسوخا ووضوحا، لا شك أن رجلا بمثل هذه المواصفات سيشكل إضافة للمنصب الخلافي، ويأتي في وقت حرج يحتاج فيه البلد إلى مواهبه في التوفيق بين الفرقاء، والجمع بين النقائض.
 
عن موقع (إذاعة هولندا العالمية)  21/11/2007
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com