26/05/2008

بعد 39 عاما الليبيون يناقشون مسودة الدستور
 
تقرير: عمر الكدي

 

القذافي مع الرئيس

الفرنسي ساركوزي
 

 

سيف الاسلام القذافي

 
نشرت صحيفة الوطن الليبية الالكترونية، التي كانت تعرف باسم موقع"القذافي اليوم"، مسودة الدستور الليبي الجديد، والذي عرف باسم "الميثاق الوطني للدولة الليبية". وهو ما أنتظره الليبيون طوال 39 عاما، منذ أن ألغى الانقلابيون عام 1969 دستور دولة الاستقلال. يتكون مشروع الدستور الجديد من ديباجة و165 مادة موزعة على ثمانية فصول، ولعله الدستور الوحيد في العالم الذي يكرس ظاهرة عبادة الفرد، بحيث يتم فرضها على الأجيال القادمة، وليس فقط على الأجيال التي عاصرت هذا الحاكم، حيث تقول المادة الرابعة:" معمر القذافي هو القائد التاريخي لثورة الفاتح العظيم ومؤسس النظام الجماهيري. يعتز الليبيون بهذا الدور التاريخي الذي لا يتكرر للقائد معمر القذافي ومساهمته في حماية سلطة الشعب."
 
سلطة الشعب بدون سلطة!
 
ومن الواضح بالرغم من أن لجنة الدستور، ومركز الديمقراطية أنكرا أي علم لهما بالوثيقة المسربة، فإن الذي سرب الوثيقة يحاول اختبار ردود الفعل، قبل عرضها بشكل رسمي، والمصادقة عليها في مؤتمر الشعب العام، ويذكر أن لجنة الدستور التي تضم أكاديميين، قانونيين، كتاب، ومثقفين ليبيين، كانت تعكف منذ عدة أشهر لوضع دستور للبلاد، كان سيف الإسلام القذافي قد وعد به في أغسطس الماضي، ولكن بأربعة خطوط حمر، ويبدو أن الخطوط تضاعفت في هذه المسودة، حيث حاول المشرعون الجمع بين الأضداد، وذلك بالحفاظ على نظام "سلطة الشعب"، الذي عاش الليبيون في ظله منذ 1977، ونحت نظام مواز هو أشبه بالأنظمة التقليدية الأبوية المنتشرة في المنطقة، من خلال ما عرف في المسودة باسم "مجلس القيادة الاجتماعية".
 
خصص لسلطة الشعب في الدستور الجديد، من المادة 37 إلى المادة 70. إلا أن صلاحيات المؤتمرات الشعبية، واللجان الشعبية، ومؤتمر الشعب العام، التي كانت نظريا تحتكر السلطة التشريعية، والتنفيذية في البلاد قد تراجعت كثيرا لصالح مجلس القيادة الاجتماعية، الذي تناولته المواد من 71 إلى 87، ويتكون مجلس القيادة الاجتماعية من 100 عضوا، يتم انتخابهم بالاقتراع السري، من المحافظات، النقابات، الاتحادات، الروابط، القطاع الخاص، وتنظيمات المجتمع المدني لمدة خمس سنوات، قابلة للتجديد مرة واحدة، ويتمتع رئيس مجلس القيادة الاجتماعية بصلاحيات رئيس الدولة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ويحق لهذا المجلس رفض القرارات الصادرة عن مؤتمر الشعب العام، واقتراح تعديلات عليها.
 
مجلس الاعتماد الغامض
 
كما نص الدستور الجديد على وجود مجلس غامض، عرف باسم "مجلس الاعتماد"، يتكون من 11 خبيرا غير قابلين للعزل، يتم انتخابهم لمدة عامين في جلسة مشتركة لمؤتمر الشعب العام، والقيادة الاجتماعية. أما الحكومة، أو الهيئة التنفيذية، فقد خصص لها من المادة 88 إلى المادة 96، فقد حدد عمر رئيسها بأربعين عاما. ويبدو أن المشرعين حاولوا جعل مؤتمر الشعب العام يمثل ما يعرف بالغرفة الثانية في البرلمانات، بينما يمثل مجلس القيادة الاجتماعية الغرفة الأولى، أو ما يعرف بمجلس الشيوخ، ولكن بصلاحيات أوسع.
 
في نشاط مواز لتسريب مسودة الدستور، انطلقت يوم أمس الأحد في مدينة بنغازي، فعاليات منبر قورينا السياسي، وهو اسم الصحيفة التي تصدر عن شركة الغد، التابعة لمؤسسة القذافي للتنمية، وقد ناقش المجتمعون قضايا سياسية، وحدد يوم غد الثلاثاء لمناقشة مشروع قانون الصحافة الذي تم تسريبه في نفس التوقيت، وبالرغم من أن مسودة الدستور لم تنص على حرية تأسيس الأحزاب، إلا أنه ترك هامش لتأسيس المنابر، وهو التعبير المستعار من تجربة السادات وهو يغادر نظام عبد الناصر، ولكنه ليس بذلك الوضوح، ويبدو أن الأمر مجرد محاولة لاحتواء الفوران السياسي، الذي تشهده ليبيا، والذي كانت كل هذه التطورات محاولة لمجاراته والسيطرة عليه.
 
قفزة في الهواء
 
حول مسودة الدستور يقول المعارض والإعلامي الليبي، محمود شمام، إن هذا الدستور لا يفتقد فقط لمضمون الدستور المتعارف عليه، وإنما يفتقد أيضا للآليات، ويعتبره مجرد: "قفزة في الهواء. قفزة تجريبية، ويعكس الأزمة المزمنة التي وقع فيها النظام."
 
بينما يرى آخرون أن هذا الدستور يسعى لاستكمال عملية التوريث، فهو مفصل على سيف الإسلام القذافي، الذي يتوقع أن يكون رئيسا لمجلس القيادة الاجتماعية، أي رئيسا للدولة، حيث يصفه جمعة القماطي بأنه:"دستور مفصل على مقاس توريث الحكم في البلاد". في الوقت الذي يصف فيه مفتاح السيد الشريف المسودة بأنها:"مهزلة جديدة ومسرحية لإطالة عمر النظام". بينما يصفها محمد بن حميدة بأنها: "شاورمة مصنوعة من لحم فاسد".
 
صحافة مستقلة للأغنياء
 
أما مشروع قانون الصحافة، فقد سمح لمن يملك نصف مليون دينار ليبي على الحصول على ترخيص لتأسيس صحيفة أو مجلة، على أن يكون عمره 35 سنة، بالرغم من أن مسودة الدستور لم تنص على عمر رئيس مجلس القيادة الاجتماعية، مما يعني أن أحد أولاد القذافي قد يكون مرشحا لهذا المنصب. ويخشى الصحافيون والإعلاميون الليبيون أن يحتكر أصحاب المال، مما يقلص من حرية الصحافة والتعبير، فاختيار أصحاب المال يعني أن الصحف المستقلة في ليبيا، ستخشى على استثماراتها وأرباحها، وخاصة أن العقوبات القادمة ستقتصر على الغرامات المالية الكبيرة، مما يعني أن الصحافة المستقلة ولدت في ليبيا ميتة، بعد طول مخاض. ويذهب البعض إلى القول أن مسودة الدستور الجديد، تحاول منح النظام الشرعية الدستورية، بعد أن اكتفى بالشرعية الثورية طوال السنوات الماضية، ولكن مما لاشك فيه أن البلاد تحاول الخروج من المرحلة الشمولية المغلقة، ولكن الذي فتح الأبواب يخشى من الرياح القوية، لذلك وضع أبوابا إضافية تكفي لمنع النسيم من الدخول، فحتى الآن لم يقر أحد بفشل الكتاب الأخضر، وما عرف بسلطة الشعب، لذلك احتفظ بهذا النظام في الدستور الجديد مثل مومياء فرعونية، أما السلطة الحقيقية فقد احتكرتها العائلة والقبيلة من خلال مجلسي الاعتماد، والقيادة الاجتماعية.
 
نشر بموقع (إذاعة هولندا العالمية) - 26/05/2008
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com