

اسلحة جمعت من المواطنين
بواسطة الجيش اليمني

اسلحة جمعت من المواطنين
بواسطة الجيش اليمني
|
تجددت الاشتباكات
المسلحة يوم أمس الاثنين، بين الجيش اليمني، والمتمردين
الحوثيين في جبال صعدة، في شمال غرب اليمن، وهي الجولة
الخامسة في مسلسل النزاع، الذي يهدأ لينطلق من جديد، وكانت
الاشتباكات قد تجاوزت محافظة صعدة لتطال محافظة عمران
المجاورة، وتزامن تجدد الاشتباكات، مع حكم محكمة جزائية
متخصصة في قضايا الإرهاب بصنعا، على أربعة من أعضاء تنظيم
الحوثي بالإعدام، بعد أن أدانتهم باغتيال ضابطين في كمين نصب
لهما في جبال صعدة، في الوقت الذي غادر فيه الوفد القطري
البلاد، بعد أن فشل في التوسط بين المتنازعين، ويذكر أن قوات
الحرس الجمهوري، التي يقودها نجل الرئيس، العميد أحمد علي
عبد الله صالح، قد دخلت المعارك للمرة الأولى ،وبالتأكيد فإن
وفرة السلاح بين أفراد الشعب اليمني، الذي يعتبر الأكثر
تسليحا في العالم، لعبت دورا مهما في نشوب الصراعات المسلحة
في ذلك البلد الجبلي.
أن يكون السلاح
جزءاً من ثقافة المجتمع، ويكون اقتنائه وحمله مصدر فخر
واعتزاز.. تلك مشكلة تعاني منها اليمن. ولذلك فأن أقل جهد
يبذله الإرهابيون والمتمردون على الدولة ومرتكبو جرائم الخطف
والثأر في هذا البلد هو ذلك الذي يبذلونه للحصول على الأسلحة
التي ينفذون بها جرائمهم. ويُتاح لأي شخص معرفة مدى انتشار
السلاح بين أفراد المجتمع في اليمن عند زيارته لأحدى قرى ذلك
البلد، حيث يُعتبر مشاهدة الرجال وهم يحملون البنادق الآلية
مشهدا عاديا جدا في شوارع الكثير من تلك القرى.
عدد الأسلحة
لا توجد إحصاءات
لعدد الأسلحة التي يمتلكها المواطنين اليمنيون، لكن كثيراً
من المصادر الإعلامية تقدره بنحو 55 مليون قطعة سلاح، وهو
رقم مبالغ فيه مقارنة بعدد سكان اليمن الذي يبلغ نحو 20
مليون نسمة. واستبعدت دراسة نفذها مشروع "مسح الأسلحة
الصغير" في المعهد العالي للدراسات الدولية بجنيف هذا العدد،
وقالت إن الأسلحة في اليمن لا يزيد عددها على 9 ملايين قطعة
في حوزة الدولة والقبائل والأفراد والأسواق. وقدرت أن هناك
مئة من كبار مشايخ القبائل في اليمن يتملك كل واحد منهم
مخزوناً من الأسلحة الصغيرة يصل إلى ألف قطعة سلاح تقريبا.
أما الحكومة اليمنية فقد قدرت عدد الأسلحة المملوكة
للمواطنين بثلاثة ملايين قطعة. ويتعدى تسلح الأفراد والقبائل
في اليمن الأسلحة الصغيرة، إلى الأسلحة المتوسطة، وبعض
الأسلحة الثقيلة. ويتم استخدام هذه الأسلحة في الحروب
القبلية التي تندلع مرارا في بعض المناطق. وتدخل معظم هذه
الأسلحة إلى اليمن عن طريق التهريب. لكن هناك جزءاً منها
استطاع المواطنون جمعه واقتنائه عن طريق النهب والفيد (
الغنائم) خلال الحروب الداخلية التي شهدت اليمن عددا منها في
العقود الماضية. وعُرفت في اليمن العديد من أسواق السلاح
التي يعتبر "سوق جحانة" بالقرب من صنعاء و"سوق الطلح" في
محافظة صعدة اشهرها، وتباع في هذه الأسواق أنواع مختلفة من
المسدسات، والرشاشات الآلية، والقنابل، والمتفجرات، والمدافع
المضادة للطائرات، والقذائف المضادة للدروع، والصواريخ
المحمولة، والألغام.. ويُعد الكلاشنكوف أكثر الأسلحة انتشارا
في اليمن.
عادة اجتماعية
السلاح في اليمن
جزء من تقاليد اجتماعية تعتبر اقتنائه وحمله دليل رجولة
ورمزا للانتماء إلى القبيلة باعتبارها الفئة المحاربة من
فئات المجتمع. وكان السائد في الماضي حيازة وحمل البندقية
اليدوية العادية. ولكن الآن حل مكانها البندقية الآلية، وفي
بعض مناطق اليمن ينظر المجتمع إلى الرجل الذي لا يحمل السلاح
بنوع من الازدراء والتحقير، ولذلك فانك ترى هناك حتى بعض
الأطفال يحملون بندقية قد تفوق قامتهم طولا. ويستخدم
اليمنيون السلاح في الكثير من المناسبات الاجتماعية، حيث
يطلقون الرصاص في الهواء ترحيبا بالضيوف، كما يطلقونه في
حفلات الزواج تعبيراً عن الفرح. وغالبا ما يتم التحكيم
القبلي بتقديم عدد من البنادق للمحكَم تعبيرا عن الخضوع
لحكمه. وتعتبر ممارسة الرماية لعبة مفضلة لدى الكثير من
اليمنيين. ومع ذلك يظل انتشار السلاح في اليمن مسئولا أساسيا
عن كثرة النزاعات القبلية المسلحة، وجرائم الثأر وخطف
الأجانب والاعتداء على الممتلكات العامة، وتسهيل ارتكاب
العمليات الإرهابية ضد الدولة والمصالح الغربية. وأوضح تقرير
حكومي أن إجمالي عدد الجرائم التي استخدمت فيها الأسلحة
النارية خلال الفترة من 2004- 2006 بلغ أكثر من 31.7 آلاف
جريمة، قُتل وأصيب فيها نحو من 23.5 آلاف شخص، بينهم 4800
قتيل.
دول الجوار
تُتهم اليمن بأنها
الطريق الأسهل الذي يمر خلاله السلاح إلى المملكة السعودية
ودول القرن الأفريقي، وأكدت السعودية مرارا أن كميات كبيرة
من الأسلحة تدخل أراضيها تهريبا من اليمن وتصل إلى أيدي
جماعات متطرفة، وتستخدم في الأعمال الإرهابية التي تحدث داخل
المملكة. واتهم تقرير صادر في 2005م عن فريق الرصد التابع
للأمم المتحدة لمراقبة قرار حظر تصدير الأسلحة للصومال، اتهم
اليمن ودول أخرى بانتهاك هذا الحظر، وكررت الخارجية
الأمريكية هذا الاتهام في يونيو 2006م لكنها أشارت إلى إن
معظم الأسلحة التي تتدفق من اليمن إلى الصومال ليس مصدرها
الحكومة اليمنية بل بعض مهربي السلاح.
جهود الحكومة
ظلت الحكومة
اليمنية تبذل جهودا متصلة من اجل تخفيف وطأة انتشار السلاح.
ونفذت في هذا الإطار عدة حملات لمنع حمله والتجول به في
المدن الرئيسية، وجعلت الضريبة المفروضة على السلاح من أعلى
الفئات الضريبية المفروضة على السلع في اليمن. كما قامت
بشراء عدد كبير من قطع الأسلحة من المواطنين. ووصلت إجراءات
الحكومة في هذه الصدد إلى أقصى حدودها حتى الآن عندما أصدرت
الحكومة في ابريل 2007م قراراً بإغلاق محلات بيع الأسلحة في
جميع أنحاء الجمهورية. ثم حددت مدة ستة اشهر لشراء الأسلحة
الثقيلة والمتوسطة من المواطنين يتم بعدها مصادرة أية أسلحة
من هذا النوع. وتزامن مع ذلك صدر قرارات بشأن الأسلحة
الشخصية تضمنت منع حملها في العاصمة صنعاء وعواصم المحافظات،
وبدء تطبيق لائحة تحدد العدد الأقصى للمرفقين المسلحين لكبار
موظفي الدولة، ونوع وعدد الأسلحة الشخصية المسوح حملها من
قبلهم. وأدت هذه الإجراءات إلى اختفاء الأسواق العلنية لبيع
السلاح، وتقلص مظاهر حمل الأسلحة في صنعاء وعدد من المدن
الرئيسية. وعرضت وزارة الدفاع اليمنية على الصحفيين في مايو
2007م آلاف القطع من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة التي تم
جمعها من المواطنين، منها مضادات للدبابات والطيران وصواريخ
"سام 2" وقذائف وذخائر دبابات ومدافع، وصواريخ محمولة وكميات
من المتفجرات والصواعق والألغام المضادة للأفراد والدبابات.
وبلغ عدد الأسلحة التي تم ضبطها بموجب قرارات منح حمل السلاح
نحو مائة ألف قطعة سلاح حتى ابريل 2008م. وأكد وزير الداخلية
اليمنية الدكتور رشاد العليمي إن الجريمة والحوادث الأمنية
انخفضت في الأشهر التي أعقبت تطبيق هذه القرارات بنسبة تزيد
عن 40 % وأدت إلى تخفيض جرائم السطو على أراضي الدولة
المواطنين بنسبة 80 % وتراجع جرائم القتل وجرائم الثأر،
وانحسار المظاهر المسلحة بنسبة 90 %. ولكن جهود الحكومة
اليمنية في هذا الصدد لازالت تواجه الكثير من الصعوبات. وأدت
في جزء منها إلى رواج أنواع أخرى من الأسلحة التي يمكن
إخفاؤها داخل الملابس مثل المسدسات والقنابل اليدوية، وظلت
تجارة السلاح مستمرة بنوع من السرية، رغم الارتفاع الكبير
الذي أحدثته تلك الجهود في أسعار الأسلحة.
قانون السلاح
يوجد في اليمن
قانون نافذ لـ "تنظيم حمل الأسلحة النارية والذخائر والاتجار
بها". لكن هذا القانون الذي صدر في 1992م ، لا يمنع حيازة
الأسلحة الشخصية، ويكتفي بتنظيم حملها. بل انه يعتبر أنه
"يحق لمواطني الجمهورية حيازة البنادق والبنادق الآلية
والمسدسات وبنادق الصيد اللازمة لاستعمالهم الشخصي مع قدر من
الذخيرة لها لغرض الدفاع الشرعي". ولكنه يحظر حمل الأسلحة
النارية في العاصمة صنعاء وعواصم المحافظات وبعض المدن إلا
بترخيص رسمي. وبموجب ذلك فان القانون يبيح حمل الأسلحة
الشخصية والتجول بها في القرى والمدن غير المحددة. ورغم أن
القانون لا يسمح للإفراد بامتلاك غير الأسلحة الشخصية، إلا
إن الكثير من المواطنين ظلوا يحوزون إعدادا كبيرة من الأسلحة
الأخرى بما فيها الأسلحة المتوسطة والثقيلة والمفرقعات.
وكانت الحكومة اليمنية قد أعدت مشروعاً لتعديل قانون تنظيم
حمل الأسلحة، يشمل تنظيم الحيازة. وتم تقديم هذا المشروع إلى
البرلمان منذ سنوات لأجازته، ولكنه تعثر هناك. واتهمت
الحكومة الإسلاميين والقوى القبلية في البرلمان بعرقلة
إجازته. ويعتقد البعض أن تيارات حزبية وزعامات قبلية تعتبر
أن هذا المشروع يهدف إلى تقليص نفوذ القبائل ويؤدي من ثم إلى
إهمال مصالحها ومناطقها من قبل الدولة. ولذلك هم يرفضونه.
ورأى تصريح صدر في 2007م عن مكتب الشيخ الراحل عبد الله بن
حسين الأحمر رئيس مجلس النواب السابق وابرز مشايخ القبائل في
اليمن "إن الهدف من المشروع الجديد هو تفجير خلافات بين
الدولة وأبناء الشعب اليمني تحت ذريعة الحيازة وحصر ما لدى
المواطنين في المدن والأرياف من أسلحة دون مراعاة للواقع
اليمني وإدراك للحقائق". ويقول معارضو هذا إن القانون الساري
لم يتم تطبيقه بشكل فعال، وإذا تم ذلك فهو كافٍ للحد من
مظاهر الانتشار غير المشروع للسلاح. ويعتقدون أن الدولة لو
قامت بحل قضايا الثأر وتسوية النزاعات وضمان العدالة، فان
المواطنين سيتخلون عن السلاح بشكل طوعي. وتظل قضية انتشار
الأسلحة في اليمن من أكثر المسائل تعقيداً وصعوبة، ويبدو
واضحا أن حلها لن يتم في سنوات قليلة، ويحتاج جهودا كبيرة
وطويلة على عدة مستويات ثقافية واجتماعية وسياسية وأمنية
وقانونية.
نقلا عن موقع (إذاعة
هولندا العالمية) - 13/05/2008
|