الرئيس التشادي إدريس ديبي (يمين) ونظيره السوداني عمر
حسن البشير
استبعد مصدر عسكري
رفيع في تشاد، في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، أي هجوم
يقوم به المتمردون التشاديون على العاصمة التشادية، قبل شهر
يوليو القادم، وهو الشهر الذي تهطل فيه الأمطار بغزارة، في
الوقت الذي يخشى أن تقوم الحكومة السودانية بدعم المتمردين
التشاديين، للهجوم مرة أخرى على انجامينا، كما حدث منذ أكثر
من شهرين، وذلك كرد على دعم تشاد، لحركة العدل والمساواة،
بقيادة خليل إبراهيم، في الهجوم على أم درمان يوم السبت
الماضي. وحتى الآن قامت الحكومة التشادية بمجموعة من
الإجراءات تحسبا للهجوم المتوقع، حيث أقفلت حدودها مع
السودان، ونقلت طائرات عمودية إلى مطار ابيشي، كما أقامت
ثلاثة خطوط دفاعية على الحدود السودانية، كما نشر الجيش
التشادي وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية، 9 آلاف عسكري في
المنطقة الحدودية، وهو ما يعادل نصف عدد الجيش التشادي، كما
تم تحصين العاصمة التشادية من جميع الجهات حتى يتعذر سقوطها
في أيدي المتمردين كما حدث في المرة السابقة.
الصيف الساخن
كل هذه التطورات
تشير إلى أن الصيف سيكون شديد السخونة بين الخرطوم
وانجامينا، في أعقاب فشل الهجوم الجري الذي استهدف أم درمان،
وتدل شواهد كثيرة أن الرئيس التشادي إدريس ديبي، هو العقل
المخطط لهذا الهجوم، انتقاما من دعم الخرطوم للمتمردين
التشاديين، الذين باغتوه في عاصمته، وحاصروه عدة أيام في
قصره الجمهوري. وعرف إدريس ديبي عندما قاد القوات التشادية،
في ظل زعامة الرئيس السابق حسين حبري، ضد القوات الليبية
خلال الثمانينات، بهذه التكتيكات الجريئة، حيث باغت القوات
الليبية في قاعدة وادي الدوم، مستغلا وجود ما يعرف بالقوات
الصديقة داخل القاعدة الحصينة، وهي قوات تشادية موالية
لليبيا، ولكنها غيرت ولائها بسرعة عندما تمكن ديبي من إقناع
زعمائها، كما باغت ديبي القوات الليبية المتمركزة في قاعدة
السارة، داخل الأراضي الليبية عام 1987، وتمكنت قواته التي
كانت تستخدم سيارات اللاندكروزر، من تدمير الطائرات الليبية
الجاثمة في القاعدة، وأسر عدد كبير من الجنود الليبيين،
وأختتم إدريس ديبي سلسلة معاركه ضد القوات الليبية بهجوم ىخر
جرئ، عندما احتلت قواته قاعدة أوزو الجوية داخل الأراضي
الليبية في نفس العام، ولكن أعظم أعماله العسكرية برز في عام
1991، عندما دعمته ليبيا والسودان، ضد رئيسه السابق حسين
حبري، فقام بهجوم مباغت، أنتهى به للسيطرة على أنجامينا،
وسقوط نظام حسين حبري.
ويذكر أن مني اركو
ميناوي، النائب الحالي للرئيس البشير، وقائد حركة تحرير
السودان، قد تمكن عام 2003 من الهجوم على قاعدة الفاشر،
مستخدما نفس التكتيك، حيث دمرت قواته كل الطائرات العسكرية
الجاثمة على أرض المطار، وهو الانتصار الذي مكنه من التفاوض
مع الحكومة السودانية في أبوجا، وهو الفصيل الوحيد في
دارفور، الذي وقع مع الحكومة هذه الاتفاقية.
حتى حفيد المهدي فشل
لم يتمكن أحد في
تاريخ السودان من النجاح في الاستيلاء على العاصمة الخرطوم،
انطلاقا من خارجها، باستثناء محمد أحمد المهدي، الذي تمكن
على رأس الأنصار المنطلقين من كردفان، من احتلال الخرطوم في
مطلع ثمانينات القرن التاسع عشر، وقتل القائد العسكري
البريطاني، غوردون باشا، في حين فشل حفيده الصادق المهدي عام
1976، في السيطرة على الخرطوم، في الهجوم الجرئ الذي مولته
ليبيا ضد نظام الرئيس جعفر النميري، بالرغم من نجاح الأنصار
في السيطرة على أم درمان عدة ساعات، والاشتباك مع القوات
الحكومية في قتال الشوارع.
هذه المرة فشلت
حركة العدل والمساواة، بقيادة خليل إبراهيم أيضا في السيطرة
على العاصمة المثلثة، بالرغم من السهولة النسبية في السيطرة
على العاصمة السودانية، من خلال الانقلابات العديدة التي
عرفتها السودان، وكان آخرها انقلاب الرئيس عمر حسن البشير،
الذي تمكن من السيطرة على المرافق الحيوية في العاصمة
بدبابات لا تتجاوز العشرين دبابة.
الفرسان الثلاثة!
أبرز الهجوم
الأخير على أم درمان ثلاثة رموز للحركة الإسلامية السودانية،
تحولوا على مدى حوالي 20 عاما، من الحالف الوطيد، إلى
العداوة الشديدة، أولهم الرئيس عمر حسن البشير، الذي اعتبر
منذ البداية الذراع العسكرية للجبهة القومية الإسلامية،
والثاني هو الدكتور حسن الترابي، مؤسس الحركة، وقائدها
الروحي، ومنظرها العقائدي، والذي ألقي عليها القبض، وحقق معه
عدة ساعات، قبل إطلاق سراحه، نظرا لصلته الوطيدة بحركة العدل
والمساواة، وشعبيته الكبيرة بين أهالي دارفور، أما الثالث
فهو الدكتور خليل إبراهيم، الذي كان عضوا في الحركة القومية
الإسلامية، حتى عام 2001، عندما اندلع الصراع في دارفور،
وأسس حركة العدل والمساواة، التي تمثل أبناء قبيلة الزغاوة،
وهي نفس القبيلة التي ينتمي لها الرئيس التشادي، إدريس ديبي،
بل يعتقد أن هناك صلة قرابة بينهما، وكان خليل إبراهيم قد
تخرج طبيبا من كلية الجزيرة بواد مدني، بعد أن انخرط في صفوف
الحركة الإسلامية منذ المرحلة الثانوية، وعين وزيرا للصحة في
ولاية دارفور، قبل تقسيمها إلى ثلاث ولايات، كما شغل منصب
وزير التعليم في الولاية، ثم مستشارا في حكومة ولاية النيل
الأزرق، وساهم بقوة في القتال ضد الجنوبيين، ولكنه لاحقا
ساهم في وضع الكتاب الأسود، الذي يظهر استحواذ الشماليين على
السلطة والثروة، وحرمان بقية أقاليم السودان منها، وربما كان
وجود خليل في هولندا لدراسة طب المجتمع، دورا في إعادة بلورة
أفكاره، وابتعاده عن فكر الحركة الإسلامية السودانية، ويعتقد
أن خليل إبراهيم غادر أم درمان بعد فشل هجومه الجرئ عليها،
وأن الأمن السوداني رصد مكالمة له، وهو يطلب من السلطات
التشادية توفير طائرة مروحية له.