14/05/2008

أزمة صحيفة قورينا الليبية: فرملة مفاجئة للتيار الإصلاحي
تقرير: عمر الكدي (إذاعة هولندا العالمية)

 
صدرت اليوم الثلاثاء صحيفة قورينا التي تصدر في مدينة بنغازي بنصف عدد النسخ التي كانت توزعها في السابق، ووفقا لتصريحات رئيس تحريرها، عز الدين اللواج، فإن الأزمة مالية صرفة، وكانت الصحيفة التي تصدر عن شركة الغد، وهي الشركة التي يشرف عليها نجل العقيد القذافي، سيف الإسلام، من خلال مؤسسة القذافي للتنمية، قد مرت بمشاكل مالية مع المطبعة، التي رفضت طباعة الصحيفة بعد أن تفاقمت ديونها، وخاصة بعد أن تسلمت المطبعة من الجريدة صكا بدون رصيد، ولكن العارفين ببواطن الأمور يقولون أن الأزمة ليست مادية فحسب، وإنما تخفي الأزمة المالية تغيرا تجاه ما يعرف بالتيار الإصلاحي في البلاد، الذي يقوده سيف الإسلام القذافي بنفسه، وأن ما يعرف بالتيار الجذري، أو الحرس القديم عاد يطل برأسه من جديد، ومن خلال نفس خطابه السابق، المشحون بالتخون والتهديد، والمتمسك بالنهج "الثوري"، الذي سارت عليه ليبيا منذ أواخر السبعينات.
 
الانتظار الطويل
 
فقبل هذه الأزمة مباشرة أجبر رئيس التحرير على نشر مقال، باسم مستعار (مصباح المصراتي)، شن فيه هجوما حادا على أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنغازي، الدكتور فتحي البعجة، والذي سبق له نشر سلسلة من المقالات، تنتقد مسيرة الإصلاح التي يقودها سيف الإسلام القذافي، وكان آخر مقالاته (ليبيا إلى أين؟ المشهد السياسي الليبي من الارتباك إلى خطاب الأمل)، والذي نشر بصحيفة قورينا يوم 4 مايو الجاري، والذي يؤكد فيه أن البلاد تمر بأزمة :" أن هذه الأزمة تتجذر في ظل ظروف الاحتقان الاجتماعي-السياسي-الاقتصادي من جهة وفي ظل "صراع" خطابين أساسيين وهما: خطاب التخبط والبؤس والتأزم، وخطاب الأمل والتغيير والتحديث والتجديد (خطاب الإصلاح الوطني-الديمقراطي) من جهة أخرى." في هذا المقال تطرق الدكتور البعجة إلى ما يعتبر في ليبيا "مسكوت عنه"، حيث ناقش أسباب الانتظار الطويل، والتردد في اختيار الإصلاح الحقيقي كحل لمشاكل البلاد، حيث يقول:"إن الحريات قد تمت مصادرتها منذ زمن، والآن فقط نشهد قليلاً من الانفتاح والحراك، وقليلاً من التعبير المحتشم والخجول والمبطن، حقوق مازالت تنتهك في كل صباح ومساء، استغلال للوظائف والمراكز، وتشريعات معرقلة للتطور والتجديد بما في ذلك تلك المتعلقة بالمجتمع المدني والأسرة والمرأة والطفل والأحوال الشخصية."
 
ويستطرد قائلا:"إن السلطة السياسية مازالت منفصلة عن المجتمع ومتعالية عليه، تسوده ولا تخدمه، تناصبه العداء وتتخذه موضوعاً للابتزاز، ثمة وجود لسلطة منفصلة عن الدولة، تأمرها وتسخرها أداة لها وتمارس العدوان عليها بدلاً من حمايتها، نحن مازلنا نعيش عصر الرعية، ولم نصل بعد إلى الاستمتاع بحقوق المواطنة".
 
بالتأكيد مثل هذا النقد لم يتعود عليه القراء في ليبيا، حتى من صحيفة مثل قورينا، عرفت منذ انطلاقها في شهر أغسطس الماضي، على غرار شقيقتها أويا التي تصدر من طرابلس بجرأتهما في نقد الواقع الليبي، وخاصة بعد أن استقطبت الصحيفتان أفضل الكتاب والصحافيين في البلاد، وأيضا لعد خضوع الصحيفتين للرقابة قبل الطبع، وهو ما مكنهما من الانتشار في سوق لم يتعود على هذا النقد، منذ احتجاب مجلة لا في أواخر التسعينات، ولكن الدكتور البعجة تطرق إلى ما يعرف بالمحرمات، حيث يتحاشى الجميع نقد ما يعرف بسلطة الشعب في ليبيا، أو النظرية الجماهيرية كما صاغها العقيد القذافي في كتابه الأخضر.
 
لا شريك للشعب!
 
أما المقال الذي نشر فيما بعد بعنوان (بل أنت إلى أين؟)، والذي وقع باسم مجهول، يعتقد أنه من الأعضاء البارزين في مكتب الاتصال باللجان الثورية، فقد عاد للغة الثمانينات الاقصائية، فقد وصف كاتب المقال الدكتور البعجة ب"المأجور"، ويقول مصباح المصراتي في مقاله:" من هو المتأزم في ليبيا؟ الليبيون الأسياد أم أنت الذي نذر قلمه لخدمة أعدائهم؟ قطعاً أنت المتأزم؛ لأنه لا توجد أزمة في ليبيا إلاَّ في رأسك، فكل ما كتبته يعبّر عن نفس مأزومة تسقط ما بها على ليبيا والليبيين." ويضيف المصراتي قائلا:" ينبغي أن تعلم أنت وأمثالك ومن يسخّركم أنه لا شريك للشعب الليبي في سلطته، وسلطة الشعب دونها الموت والذي لا يعجبه ذلك له أن يشرب من ماء المحيط أو ماء البحر الميت حيث أسياده."
 
تراجع العقيد
 
من المعروف في ليبيا أنه لا أحد يستطيع فرض هذا المقال بالقوة على أسرة تحرير الصحيفة، ما لم يكن قد تحصل على الضوء الأخضر من العقيد القذافي نفسه، الذي تنم تصريحاته الأخيرة عن تراجعه عن الإصلاحات التي شاهدت ليبيا بوادرها منذ عام 2003، عندما سلم القذافي أسلحة الدمار الشامل، ووعد بانفراجات داخلية، ويمكن رصد هذا التراجع، بحنين القذافي إلى الحقبة السوفيتية عندما استقبل الرئيس بوتن مؤخرا، وأيضا بالتصعيد مع إيطاليا بعد اختيار الوزير كالديرولي في حكومة برلسكوني الأخيرة، وهو تراجع يشمل كل المنطقة، حيث يجري التضييق على الكتاب والصحافيين في كل دول شمال إفريقيا، بعد أن تأكدت الأنظمة الحاكمة، من فشل الأمريكيين في العراق، والتخلي عن فرض الديمقراطية بالقوة في الشرق الأوسط.
 
تحقيقات بالجملة
 
حتى الآن لا يعرف مصير الدكتور فتحي البعجة الذي استدعي للتحقيق معه من طرف الأمن الداخلي، كما أن مدير تحرير صحيفة قورينا، حمد المسماري، أقصي عن منصبه، وإن صرح رئيس تحرير الصحيفة بأنه تفرغ ليشرف على الملحق الأدبي للصحيفة، وكان الأمن الداخلي قد استدعي قبل أيام المشرف على الموقع الالكتروني جوليانة، خالد المغربي للتحقيق معه عل خلفية تحقيقات تطال الفساد، كما أحيل إلى نيابة الصحافة رئيس تحرير صحيفة مال وأعمال، خليفة المقطف، والكاتب محمد طرنيش بنفس التهمة، وهو ما يعني وضع العصا في دولاب تيار الإصلاح الذي يقوده سيف الإسلام، وخاصة بعد أن عين زعيم التيار الجذري، أحمد إبراهيم، مديرا لمركز أبحاث ودراسات الكتاب الأخضر، الذي يصدر عدة مطبوعات، مما يؤكد أن الانحسار الذي عانى منه الجذريون في الفترة الماضية قد انتهى، وهو أمر يضع إمكانية تولى سيف الإسلام لزمام الأمور بعد والده في حكم التجميد الآن.
 
نشر بموقع (إذاعة هولندا العالمية) - 13/05/2008
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com