16/06/2008

متمردو تشاد يحتلون مدينة شرقي العاصمة
 
تقرير: عمر الكدي

 

تشابك قبلي بين تشاد وجيرانها

اعترف وزير الاتصالات التشادي، محمد حسين بسقوط مدينة أم دام بيد المتمردين، لكنه اعتبر سقوط هذه المدينة التي تقع على مسافة 600 كلم شرقي العاصمة انجامينا، مجرد "دعاية" من قوات التحالف الوطني المعارض، الذي يقوده الجنرال محمد نوري، وقال الوزير التشادي إن:
 
"المرتزقة مروا في أم دم حيث لم يكن هناك عسكريون, وكان عدد رجال الشرطة ستة فقط, نعلم أنهم بحاجة للدعاية لهجماتهم من قبل قادتهم". مضيفا "نحن مطمئنون, والجيش ينفذ خطته وهو على وشك السيطرة على الوضع". وأتهم محمد حسين السودان مجددا بالوقوف خلف المتمردين، وبمحاولة الإطاحة بنظام الرئيس إدريس ديبي.
 
حملة تضليل دعائية
 
تأتي هذه التطورات بعد الهجوم الذي بدأه المتمردون يوم الأربعاء الماضي، والذي استهلوه باحتلالهم لمدينة قوز بيضاء يوم السبت، ثم تركوها خلفهم وتوغلوا داخل البلاد، وهو ما جعل مسئولا عسكريا تشاديا يقول، إن المتمردين يتحاشون المواجهة، ويستولون على المدن التي لا توجد بها تجمعات للجيش التشادي، واصفا هدفهم من هذا الهجوم بكونه "حملة تضليل دعائية لا أساس لها". بينما قال متحدث باسم المتمردين أن هدفهم ليس السيطرة على المدن التي يحتلونها لبعض الوقت، وإنما إزالة عقبات تحول دون وصولهم إلى العاصمة انجامينا، زاعما أنهم أسقطوا ثلاث طائرات عسكرية حكومية.
 
وكان عبد الواحد مكاي، رئيس حركة اتحاد قوى الديمقراطية والتنمية الأساسية، قد صرح من ليبرفيل لوكالة الصحافة الفرنسية قائلا "لدينا 500 شاحنة على متنها رجال جيدي التسليح. هدفنا هو الاستيلاء على نجامينا بنهاية الأسبوع إن شاء الله". وهو ما أكده الجنرال محمد نوري في وقت سابق عندما قال أن قواته موزعة على عدة مجموعات، وأن هدفها النهائي هو انجامينا، بينما أعلن ممثل المفوضية العليا للاجئين في تشاد، أنه لم تسجل أي إصابات في صفوف اللاجئين، والعاملين في مجال الإغاثة، وأيضا في صفوف القوات الاتحاد الأوروبي المنتشرة هناك لحماية اللاجئين، وكانت الكتيبة الأيرلندية المنتشرة في مدينة قوز بيضاء قد تبادلت إطلاق مع المتمردين يوم السبت الماضي، دون أن يصاب أحد من أفرادها بأذى، ويذكر أن بعض العسكريين الهولنديين من قوات الاستطلاع يتواجدون مع الكتيبة الايرلندية بنفس المكان. ولكن الأمم المتحدة اتخذت إجراءات طارئة تحسبا للأسوأ، إذ أمرت موظفيها بحزم أمتعتهم واعتبرت أن "جميع مهام الأمم المتحدة في تشاد ملغاة حتى إشعار آخر.
 
فرنسا على الحياد
 
من أبيدجان أعلن وزير الخارجية الفرنسي، برنار كوشنير أن بلاده تقف على الحياد، ولن تتدخل في النزاع بين الرئيس ديبي ومعارضيه، مؤكدا أنه "ليس هناك موقف تتخذه فرنسا، هناك جنرال ايرلندي على رأس قوة يوفور المؤلفة من 17 دولة". بينما اتهم ماكيلا نقويبلا، من التحالف الوطني المعارض الجيش التشادي بتلقي مساعدات من القوات الفرنسية، ومن متمردي دارفور، الذين يقودهم خليل إبراهيم، والذين نجحوا في الوصول إلى أم درمان قبل عدة أسابيع، وطالب المتمردون من فرنسا يوم الجمعة الماضي وقف مهماتها الاستخباراتية، التي تساعد الجيش التشادي على معرفة تحركاتهم مسبقا، وهددوا باستهداف الطائرات الفرنسية إذا شاركت في الهجوم عليهم، وقال متحدث باسم المتمردين في ليبرفيل:
 
"نحرص على توجيه آخر نداء علني إلى فرنسا لكي توقف فورا حالة الحرب حيال قوات المعارضة المسلحة. وفي حال لم يتم ذلك، فان طائرات بريغيه-اتلانتيك وغيرها من طائرات ميراج ستكون من الآن فصاعدا هدفا لمضاداتنا الأرضية". مضيفا "من الأفضل لفرنسا وقف استفزازاتها المتكررة في أماكن تواجد القوات المسلحة للمعارضة، عبر تزويد القوات الحكومية بالاستخبارات". وكانت فرنسا قد ساهمت في إحباط الهجوم الذي شنه المتمردون في شهر فبراير الماضي، بعد أن تمكنوا من الوصول إلى العاصمة انجامينا، ومحاصرة الرئيس ديبي في القصر الجمهوري، كما أن ليبيا زودت قوات الحرس الجمهوري التشادي بقذائف الدبابات التي تمكنت من دحر المتمردين.
 
ليس الهدف انجامينا!
 
من انجامينا تحركت قوات تابعة للجيش التشادي، مدعومة بأسلحة ثقيلة لمواجهة المتمردين قبل الوصول إلى العاصمة، ولكن الخبراء يقولون أن المتمردين اختاروا وقتا غير مناسب لهجومهم، إذ قريبا سيحل موسم سقوط الأمطار، التي ستسد الطرق غير المعبدة مما سيعيق من قدرتهم على الانسحاب السريع إلى السودان، إذا تمكن الجيش التشادي من دحرهم، وبالتالي يرجح الخبراء أن لا يهاجم المتمردون العاصمة مباشرة، وإنما سيتنقلون في شرق تشاد، قريبا من قواعدهم في السودان، لاستدراج القوات الحكومية بعيدا عن العاصمة، ولتحقيق أكبر فائدة إعلامية ودعائية، قد تجبر الحكومة على التفاوض معهم.
 
يتكون التحالف العسكري المعارض من ثلاثة فصائل، وهي اتحاد القوى من أجل الديمقراطية بقيادة الجنرال محمد نوري، وحركة إنقاذ الجمهورية بقيادة حسب الله صبيان، واتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية الأساسية، بقيادة عبد الواحد عبود مكاي، وبالرغم من عدم وجود اتحاد سياسي بين هذه الفصائل، إلا أنها اتحدت عسكريا تحت قيادة الجنرال نوري، ولكن يجري العمل من أجل تشكيل قيادة سياسية ورئيسا توافقيا لهذا التحالف العسكري، ويرجح أن يكون هذا الرئيس هو نفسه الجنرال محمد نوري. وكانت الحكومة السودانية قد ضغطت على الفصائل الثلاثة من أجل توحدها، إلا أنها لم تتمكن من الاتفاق على رئيس واحد لها، ويبدو أن الخلافات القبلية لعبت دورا سلبيا حال دون الرغبة السودانية، وبالرغم من الأسماء الطويلة لهذه الفصائل، واستخدامها لكلمة "الديمقراطية" بسخاء، إلا أنها مجرد واجهة تختفي خلفها القبائل، حيث يمثل الفصيل الذي يقوده الجنرال محمد نوري قبيلة القرعان، التي ينحدر منها أيضا الرئيس السابق حسين حبري، بينما يمثل فصيل عبد الواحد مكاي قبيلة المسيرية العربية، بل أن مكاي هو نجل زعيم القبيلة، بينما يمثل الفصيل الثالث قبيلة الزغاوة التي ينحدر منها الرئيس ديبي، وبالرغم من أن قبيلة الزغاوة تشكل حوالي 10 % من سكان تشاد، إلا أنها تسيطر على السلطة منذ 18 سنة متواصلة، ويبدو أن استفراد الرئيس ديبي بالسلطة جعل بعض بطونها يفكر في مرحلة ما بعد سقوط ديبي، وتحسبا من إقصاءها بالكامل عن السلطة بادرت إلى تأسيس هذا الفصيل، والمشاركة في التمرد ضد ابنهم الرئيس ديبي، وكان ابن شقيقة الرئيس ديبي قد شارك في الهجوم على العاصمة في فبراير الماضي.
 
لعبة القبائل والسلطة
 
وتتداخل القبائل في شرق تشاد وغرب السودان، حيث تشكل تعتبر قبيلة الزغاوة في دارفور من أكبر القبائل بالإضافة إلى قبائل الفور، بينما يشكل القرعان أقلية في دارفور وأكثرية في تشاد، في حين تنتشر بطون قبائل المسيرية في السودان أكثر من تشاد، وخاصة على الحدود مع جنوب السودان، حيث يخوضون مواجهات مسلحة مع قبيلة الدنكا في أبيي، ولابد أن خليل إبراهيم الذي فاجأ الحكومة السودانية بهجومه المباغت على أم درمان، يتراجع الآن باتجاه الأراضي التشادية للدفاع عن نظام حليفه وابن قبيلته الرئيس ديبي، مثلما فعل في شهر فبراير الماضي، عندما ساهم في صد المتمردين الذين قاموا بهجوم مباغت على انجامينا.
 
ليبيا التي تراقب الأوضاع عن كثب قد تتدخل مثلما فعلت في فبراير الماضي مع حليفها الرئيس إدريس ديبي، وخاصة إذا قاد التحالف المعارض الجنرال محمد نوري، وذلك بسبب تحفظ ليبيا على قبيلة القرعان، التي كانت العمود الفقري لنظام الرئيس حبري، الذي خاض حربا دامية مع الجيش الليبي، كما أن علاقة قبيلة القرعان وثيقة مع قبائل التبو في أقصى جنوب ليبيا، والتي أعلنت تململها وأصدرت عدة بيانات تعلن فيها معارضتها لنظام العقيد القذافي، خاصة وأن حملة إعلامية سودانية اتهمت ليبيا عدة مرات بتقديم الدعم لقوات خليل إبراهيم في هجومها الأخير على أم درمان، وهو ما نفته الحكومة السودانية، ولكن الأكيد في الأمر أن كل طرف يحسب حسابات الربح والخسارة من عمليات الكر والفر بين السودان وتشاد، والتي يتولى فيها المتمردون من الطرفين تنفيذ الجزء العسكري من النزاع الذي لا يبدو أنه على وشك الانتهاء.
 
نشر بموقع (إذاعة هولندا العالمية) - 16/06/2008
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com