أقر القيادي
بالمعارضة التشادية د. محمد شريف جاكو بأن النجاح العسكري
للمعارضة التشادية ودخولها لانجمينا في فبراير الماضي تعثر
لغياب الاستراتجية السياسية في ظل وجود تنازع على منصب
الرئاسة مما اضطرها للإنسحاب لتوفيق تلك الأوضاع..
المعارضة
التشادية بدأت خلال الأيام الماضية مشوارها الثالث لدخول
العاصمة التشادية انجمينا خلال فترة لم تتجاوز (26) شهراً
من دخولها انجمينا في المرة الأولى في أبريل 2006م والتي
أعقبتها محاولة ثانية في شهر فبراير الماضي، لكن كلتا
المحاولتين نجحتا في دخول انجمينا لكنهما فشلتا في طي حقبة
الرئيس التشادي إدريس ديبي..
فالمحاولتان
السابقتان تشابهتا في العديد من التفاصيل والوقائع واللتان
بدأتا بمواجهات على الحدود الشرقية لتشاد وتقدم سريع لقوات
المعارضة التشادية تعقبها ردة فعل رسمية باتهام السودان
بدعم المعارضة التشادية ووصول لقوات المعارضة لانجمينا
التي يلفها صمت رسمي حول مصير الحكومة التشادية يعقبه تدخل
خارجي يخل بموازين القوة لصالح الحكومة التشادية، ومن ثم
تبدأ المعارضة التشادية في الانسحاب خارج انجمينا تعقبها
حملة إعلامية عنيفة تشنها الحكومة التشادية على جارتها
الشرقية واتهامها بمساندة ودعم العملية العسكرية للمعارضة
وترد الخرطوم بأن ما حدث بتشاد شأن داخلي..
وحتى هذه اللحظة
فإن ذات المشاهد الأولى لما حدث في أبريل 2006م وفبراير
2008م، بدأت تتكرر خلال التصعيد العسكري للمعارضة التشادية
خلال الأيام الثلاثة الماضية حيث سارعت انجمينا باتهام
الحكومة السودانية بدعم "المرتزقة" – وهو التعبير الإعلامي
الذي تطلقه انجمينا على معارضيها- في هجماتهم التي تمت
خلال الأيام الماضية.
مجرّد اتهامات
لكن المعارضة
التشادية تعتبر ما تورده الحكومة التشادية بعد تصعيد
نشاطها العسكري باتهام السودان بدعمها بأنه "حديث غير
صحيح"، وقال مفوض التعبئة والتنظيم بتحالف القوة من أجل
الديمقراطية د. محمد شريف جاكو لـ(السوداني) إن المعارضة
التشادية تعبر عن الشعب التشادي وموقفه الرافض للحكومة
التشادية الحالية التي يرأسها إدريس ديبي والذي حوّل تشاد
"لدولة مارقة متعدية على دول الجوار ويشهد على ذلك ما يحدث
بالسودان وما فعلته في أفريقيا الوسطى.. لقد حول ديبي
البلاد لسجن كبير تنتهك فيه حقوق الإنسان وسجلت البلاد وفق
تقرير منظمة الشفافية الدولية في عام 2005م أعلى الدول في
الفساد الإداري والمالي". وقال: "نحن نهدف لإزالة هذا
النظام الدكتاتوري المتسلط ونمنح شعبنا الحرية وهذه تطلعات
شعبنا".
انذار للفرنسيين
وأبلغ جاكو
(السوداني) أمس أن قوات المعارضة التشادية استولت على
مدينة (قوز بيضة) في إقليم دارسلا شرقي تشاد التي تبعد
بحوالى (600) كلم من انجمينا، مشيراً لتحليق الطائرات
الفرنسية فوق مواقع قواتهم لتقديم الدعم المعلوماتي
والاستطلاع للقوات الحكومية، مضيفاً أن قواتهم وجهت
انذاراً "شديد اللهجة للطائرات الفرنسية".
خلافات تعطل الانتصار
ومن بين القضايا
الرئيسية هي فشل القوات المعارضة رغم دخولها لانجمينا في
الصمود وتثبيت انتصارها وهو ما أوضحته تجربتها الأخيرة في
فبراير 2008م، لكن المعارضة التشادية واثقة هذه المرة من
استفادتها من محاولتها السابقة ومعالجتها. وأقر جاكو أن
المعارضة التشادية عند دخولها لانجمينا قبل أربعة أشهر
نجحت عسكرياً لكنها تفتقر للاستراتجية السياسية في ظل وجود
تنازع على الرئاسة بسبب تطبيق منهج القيادة الجماعية،
موضحاً أن المعارضة اضطرت للانسحاب لتوفيق تلك الأوضاع.
وقال: "هذه المرة المعارضة أكثر انضباطاً وتوحداً في
التحالف تحت قيادة محمد نوري".
غياب الطيران والمدفعية
وذات الأمر ذهب
إليه الخبير العسكري المقدم ركن طيار (م) علي ميرغني
الحسين خلال حديثه لـ(السوداني) حينما عزا فشل المعارضة
التشادية في فبراير الماضي لبروز "الصراع على الغنائم قبل
حسم انتصارها وبروز صراع بين أقطاب المعارضة حول رئاسة
البلاد مما جعل القوى الإقليمية والدولية تتخوّف من دخول
البلاد في حرب أهلية بسبب تصارع أقطاب المعارضة بعد
انتصارهم". وحول المعطيات العسكرية التي مكّنت المعارضة
التشادية من العبور من أطراف البلاد حتى العاصمة، فأوضح
الحسين أن طبيعة الأرض في تلك المناطق مكشوفة كما أن عربات
الدفع الرباعي التي استخدمتها المعارضة تتسم بالسرعة وعزا
عدم تصدي الطيران التشادي للقوات المهاجمة في المناطق
المكشوفة لـ"ضعف سلاح الطيران التشادي"، كما أن قصف القوات
المتقدمة بالمدفعية يكون أكثر تأثيراً في المناطق الجبلية
أو التي تضطر فيها القوات للتقدم عبر ممرات ضيقة، لكنها في
مثل المنطقة المكشوفة التي تتقدّم فيها قوات المعارضة
التشادية وتكتيكها المستخدم في تقدمها بتقسيم قواتها
المهاجمة لأفواج صغيرة منتشرة على مساحة كبيرة يتكوّن
بعضها من (5) سيارات والاستفادة من التقنيات الحديثة
للإتصالات في ربط تلك الأفواج الصغيرة ببعضها البعض يجعل
قذفها بالمدافع "غير مؤثر وفاعل عند انتهاجه وتكلفته باهظة
دون تحقيق أي فوائد عسكرية وهو بالضبط كضرب شخص واحد
بمدفع".
صراعات إقليمية
وخلال محاولة
المعارضة التشادية السيطرة على انجمينا في فبراير الماضي
راجت معلومات عديدة عن تدخل جهات إقليمية ودولية عديدة
لصالح دعم الحكومة التشادية كان أبرزها الدور الليبي خلال
قمة الاتحاد الأفريقي التي تزامن انعقادها بأديس أبابا مع
دخول المعارضة التشادية لانجمينا من خلال ضغوطها الكبيرة
التي تكللت بإعلان قمة الاتحاد الأفريقي رفضه وإدانته
لدخول المعارضة التشادية لانجمينا، وتواترت أنباء وقتها عن
تدخل سلاح الطيران الليبي في المعارك وقصفها لمناطق تمركز
المعارضة حول العاصمة والقصر الرئاسي، مما مكَّن الرئيس
التشادي إدريس ديبي من استعادة سيطرته مجدداً، واستندت تلك
التحليلات لتوجس الحكومة الليبية من علاقة رئيس التحالف
محمد نوري بالمملكة العربية السعودية التي سبق أن عمل
سفيراً لبلاده فيها قبل انقسامه من الحكومة التشادية وذلك
بسبب التوترات بين طرابلس والرياض خلال السنوات الماضية
والتي تفجرت بصورة علنية عقب الملاسنات التي تمت بين ولي
العهد السعودي -وقتها والعاهل السعودي الحالي- عبد الله بن
عبد العزيز والرئيس معمر القذافي والتي تصاعدت بعد اتهام
الرياض لطرابلس بتدبير محاولة لاغتيال ولي العهد السعودي
-وقتها- العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز،
وتخوَّفت طرابلس من إمكانية اختلال موازين القوى بالمنطقة
في حالة تغيير نظام ديبي بما يضر بالمصالح الليبية ويمثل
تهديداً لأمنها القومي بصورة مباشرة. لكن مفوض التعبئة
والتنظيم بتحالف القوة من أجل الديمقراطية د. محمد شريف
جاكو أوضح لـ(السوداني) أن المعارضة التشادية "لم تتحصل
على أي أدلة كافية تؤكّد تدخل ليبيا ضد المعارضة في فبراير
الماضي"، معتبراً أن الموقف الليبي حول الصراع التشادي
"محايد بدليل توسطها وجمعها لجميع أطراف النزاع التي تكللت
بتوقيع اتفاقية سرت"، واضاف: "ونحن ندعوها لتكون محايدة".
المشهد الآن
يوضِّح أن المعارضة التشادية تعتزم بلوغ انجمينا للمرة
الثالثة وأنها تراهن هذه المرة على استفادتها من تجربتها
السابقة في فبراير الماضي، وأنها توقن أنه رغم فشلها في
المرتين السابقتين فهي تحتاج للنجاح الكامل لمرة واحدة
لإنهاء حكم ديبي وإيقاف محاولتها المتكررة لإنهاء حكمه،
لكن حتى عند انتصار المعارضة التشادية فإنه لا أحد يستطيع
أن يقطع جازماً بأن التاريخ السياسي التشادي لن يعيد نفسه
وتخرج معارضة أخرى تقيل السلطة عبر فوهة السلاح مجدداً.
عن صحيفة (السوداني)
- 16/06/2008
|