بالرغم من
التقرير الذي نشرته مؤخرا مجلة "يو اس نيوز اند ورلد
ريبورت" الأمريكية، والذي رصدت فيه مجموعة من المؤشرات،
التي تنذر بقرب توجيه ضربة عسكرية أمريكية إلى إيران، إلا
أن مؤشرات أخرى تؤكد عكس هذا الاستنتاج. ومن بين المؤشرات
التي ذكرتها المجلة في تقريرها، الاستقالة المفاجئة
للأدميرال وليم فالون، قائد العمليات العسكرية الأمريكية
في الشرق الأوسط، بعد انتقاده سياسات الإدارة الأمريكية في
المنطقة، ويعتبر الأدميرال فالون، من أبرز القادة
العسكريين الأمريكيين الذين يعارضون توجيه ضربة عسكرية إلى
إيران، كما اعتبرت المجلة زيارة ديك تشيني الأخيرة إلى
المنطقة بمثابة تحشيد لتوجيه الضربة المرتقبة، قبل نهاية
ولاية الرئيس بوش، بالإضافة إلى تحرك البوارج الأمريكية
نحو الشواطئ اللبنانية، بالتزامن مع ذروة الأزمة
اللبنانية، إلا أن نهاية الأزمة اللبنانية بعد اتفاق
الدوحة يشير إلى عكس توقعات المجلة الأمريكية، وخاصة بعد
الإعلان عن المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وسوريا في
تركيا.
يضاف لكل ذلك
تصريحات رئيس مجلسي خبراء القيادة، وتشخيص مصلحة النظام في
إيران، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي قال أنه بالامكان
إيجاد مخرج للقضية النووية الإيرانية على غرار اتفاق
الدوحة بين الفرقاء اللبنانيين، وأكد في خطبة الجمعة
الماضية، أنه يمكن التوصل إلى نتائج من خلال محادثات
متكافئة بعيدة عن السياسة والتهديدات "والشروط المسبقة
التي أخفقت في تحقيق أي مكسب."، ولكن ما قاله رفسنجاني
بالتحديد قد يؤيد وجهة نظر المجلة الأمريكية، وخاصة بعد
انتخاب علي لاريجاني، رئيسا للبرلمان الإيراني، وهو
المنافس المحتمل للرئيس محمود أحمد نجاد في الانتخابات
الرئاسية لعام 2009، وكان لاريجاني قد استقال من منصب كبير
المفاوضين النوويين الإيرانيين، بسبب خلافه مع سياسة
الرئيس أحمدي نجاد النووية، وخاصة وأن لاريجاني ينتمي
لتيار محافظ عريض، يرى أن تصريحات أحمدي نجاد النارية زادت
من عزلة إيران، وقد تشجع على استهدافها.
هل تنجح كل
الوساطات القطرية؟
من الواضح أن
اتفاق الدوحة مثل انتصارا لحزب الله ولحليفته سورية، ويبدو
أن هذه المكاسب، بالإضافة إلى المفاوضات الجارية مع
إسرائيل لاستعادة الجولان، جعلت سورية تصعد خطابها ضد دول
الاعتدال العربي، التي اكتفت من الأزمة اللبنانية بفرض
فؤاد السنيورة رئيسا للوزراء، وكانت صحيفة الأخبار
اللبنانية قد نشرت تصريحات منسوبة للرئيس السوري، يتهم
فيها السعودية ومصر بمحاولة تدبير انقلاب ضده في سورية،
وتأليب القوى الأجنبية لتوجيه ضربة لسورية، وبالرغم من أن
سورية نفت صحة هذه التصريحات، إلا أن التحركات الدبلوماسية
والسياسة في اليومين الأخيرين تؤكدان وجود طبخة ما في
الشرق الأوسط، يحاول كل طرف أن يكون له فيها نصيب الأسد.
تصعيد بلهجة عنيفة!
فبعد نجاح قطر
في راب الصدع اللبناني، تحاول دبلوماسيتها النشطة التوسط
بين سورية والسعودية، ولا يبدو أن الإمارات العربية
المتحدة، التي زارها الرئيس السوري يوم أمس الأحد بعيدة عن
هذه الوساطات، وكانت أنباء قد تحدثت الأسبوع الماضي، عن
وساطة ليبية لحل الخلاف بين سورية ومصر، إلا أنه تم نفي
صحة هذه الأخبار بسرعة، قبل أن يغادر أحمد قذاف الدم
العاصمة السورية، ويبدو أن الوساطة الليبية لم تكن تهدف
إلى تنقية الأجواء العربية، بقدر ما كانت تحاول عزل
السعودية، وذلك بسحب مصر من صفها. وكان الرئيس المصري حسني
مبارك، قد زار جدة يوم أمس الأحد لعدة ساعات، اجتمع خلاله
مع العاهل السعودي وتباحثا في أوضاع المنطقة، وغاب عن
الاجتماع وزير الخارجية السعودي، بينما حضره مديرا
المخابرات العامة في البلدين، ولم يرشح أي شيء عن ذلك
الاجتماع المفاجئ، ولكن أن يأتي هذا الاجتماع المفاجئ، بعد
يوم واحد من زيارة رئيس الوزراء القطري للسعودية، يدل على
أن أهم نقطة تم نقاشها هي الوساطة القطرية بين مصر
والسعودية من جهة، وسورية من جهة أخرى، وكان أمير قطر قد
اجتمع في دمشق مع الرئيس السوري، والذي يبدو أنه يحاول
التوفيق بين مصر وسورية، لعدم وجود خلافات عميقة بينهما،
قبل التوفيق بين السعودية وسورية، اللذين لم يعودا يخفيان
الخلافات العميقة بينهما، وخاصة بعد أن هاجم 22 رجل دين
سعودي يوم أمس في بيان لهم، حزب الله بلهجة تكفيرية.
حسابات معقدة
ثمة مؤشرات أخرى
لم تذكرها المجلة الأمريكية، وإن كانت تؤكد الاستنتاجات
التي توصلت إليها، وفي مقدمتها الصفقة السريعة التي تمت
بين حزب الله وإسرائيل مؤخرا، حيث سلمت إسرائيل الأسير
اللبناني نسيم نسر، مقابل رفات لجنودها قتلوا خلال حرب صيف
2006، ما يلاحظ في هذه الصفقة، أن حزب الله استعجل إتمامها
بالرغم من أنها لم تشمل إطلاق سراح سمير القنطار، المحتجز
في إسرائيل منذ عام 1980، بينما أطلق سراح نسيم نسر، الذي
يحمل الجنسية الإسرائيلية، وهو من أب لبناني مسلم، وأم
يهودية إسرائيلية اعتنقت الإسلام، وكان يعيش بالقرب من تل
أبيب حتى تاريخ اعتقاله عام 2002، بتهمة التجسس لصالح حزب
الله، ولم تترد إسرائيل في إطلاق سراحه بعد أن أمضى مدة
العقوبة، وإن كان لا يزال يخضع للحبس الإداري، وتدل الصفقة
أن حزب الله رغب فيها أكثر من إسرائيل، ربما يحاول الحزب
دعم مكاسبه داخليا وخاصة بعد أن استقبل نسيم نسر بهذا
المهرجان، ولكنه أيضا ربما كان يحاول التهدئة مع إسرائيل،
بينما حليفته سورية تتفاوض مع إسرائيل في تركيا.
هل ستحمي سورية دول
الخليج؟
بعد زيارته
للإمارات سيتجه الرئيس السوري إلى الكويت، وكأنه يحاول أن
يطمئن هذه الدول المواجهة لإيران أنها ستكون بمنأى عن
الصواريخ الإيرانية، إذا ابتعدت عن محور السعودية - مصر،
وربما لهذا السبب لم ينتظر العاهل البحريني نشوب الحرب
المرتقبة، فأوفد سفيرته اليهودية إلى واشنطن، لعلها تكون
الأقدر على حماية الجزيرة الصغيرة من مطامع إيران
التوسعية، أما قطر فقد نجحت بمبادرتها في حل الأزمة
اللبنانية، من أن تكون على نفس المسافة من جميع الفرقاء،
ليس في لبنان فحسب، وإنما أيضا في الخليج، بينما تراهن
الإمارات على أن إيران لن تفكر في ضربها، إلا فأنها ستضرب
استثماراتها في الإمارات التي تقدر بالمليارات.
نشر بموقع (إذاعة
هولندا العالمية) - 02/06/2008
|