يصل الأربعاء إلى
لبنان عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية، في محاولة
لتنفيذ المبادرة العربية، الرامية لحل الأزمة السياسية
المتصاعدة، وكان عمرو موسى قد أعلن بعيد اجتماع وزراء
الخارجية العرب في القاهرة يوم السبت الماضي، الذين أقروا
المبادرة، أن سورية موافقة على المبادرة، التي تسعى لانتخاب
قائد الجيش ميشال سليمان رئيسا للجمهورية فورا ووفقا للقواعد
الدستورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، لا يكون للأغلبية ولا
للمعارضة القدرة على تعطيلها، وذلك بترجيح عدد الوزراء الذين
يختارهم رئيس الجمهورية، وأيضا صياغة قانون جديد للانتخابات
بعد الانتهاء من انتخاب الرئيس، وتشكيل الحكومة.
فرنسا تدعم
المبادرة
يصل موسى إلى بيروت وهو يحمل
مبادرة لا تحظى بإجماع عربي فحسب، وإنما بتشجيع فرنسي. عبر عنه وزير خارجية
فرنسا برنار كوشنير يوم أمس الثلاثاء في بيان صادر عن الخارجية الفرنسية، جاء
فيه:" بهذه المناسبة أود أن أؤكد له تأييد فرنسا لهذه الخطة التي تفتح الطريق
أمام حل سياسي حقيقي عبر جعل انتخاب الرئيس ممكنا على الفور في مناخ من
التوافق وتشكيل حكومة وإقرار القانون الانتخابي". ولكن ينتظر عمرو موسى
الكثير من التحرك والجهد لإقناع الطرفين بتنفيذ المبادرة، وخاصة وأن كلا
الطرفين فسر ما جاء في بنود المبادرة الثلاثة بما يخدم وجهة نظره، على الرغم
من إجماع الأغلبية والمعارضة بالترحيب بالمبادرة العربية.
الوضع لا
يزال هشا
ليس مصادفة أن يتزامن وصول عمرو
موسى مع ظهور مجموعة من الأحداث، تدل على أن هناك من يريد أن يدفن المبادرة
قبل أن ترى النور. تمثلت هذه الأحداث في سقوط صاروخين انطلقا من لبنان باتجاه
شمال إسرائيل، وانفجار عبوة ناسفة استهدفت جنود ايرلنديين في قوات اليونفيل
التابعة للأمم المتحدة مما تسبب في جرح جنديين، وعودة شاكر العبسي زعيم فتح
الإسلام، الذي وجه تهديدات في تسجيل صوتي إلى الجيش اللبناني، وقائده الرئيس
المنتظر العماد ميشال سليمان، وانفجار اصبع دينامنت تحت سيارة مسئول في
القوات اللبنانية، وإحراق مخازن للمواد الغذائية تابعة لحركة حماس في مخيم
البداوي في شمال لبنان، مما قلص من التفاؤل الذي عبر عنه عمرو موسى عندما وصف
الواقع في لبنان بقوله:" هناك نافذة بدأت تنفتح في المشكلة اللبنانية وهناك
اتصالات مكثفة يجريها في الوقت الراهن". ولكن وزير خارجية فرنسا برنار كوشنر
قال إن:" أحداث الأسابيع الأخيرة، لا بل الساعات الأخيرة، تبرهن أن الوضع في
لبنان لا يزال هشا". وإن ظل متمسكا بتفاؤله بنجاح المبادرة العربية، وخاصة
بعد أن أعلنت إيران عن أملها بنجاح المساعي العربية في حل الأزمة اللبنانية،
على لسان ممثل المرشد الأعلى في مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني،
عقب مباحثاته مع الرئيس السوري بشار الأسد في دمشق.
المرشح السوري!
إذا كانت النافذة مفتوحة كما يرى
عمرو موسى، فإنها قد تكون مفتوحة لكل الاحتمالات، خاصة وأن الفرقاء
اللبنانيين فسروا الجملة الغامضة " على ألا يتيح التشكيل ترجيح قرار أو
إسقاطه بواسطة أي طرف وتكون لرئيس الجمهورية كفة الترجيح". حيث اعتبر حزب
الله أن النص يؤكد منح المعارضة ثلث حقائب الحكومة، وهو ما تعتبره المعارضة
"بالثلث الضامن"، والذي ترفضه الأغلبية معتبرة أن هذا الثلث هو "ثلث
التعطيل"، حيث يمكن لأي طرف يملك ثلث الحكومة تعطيلها بالكامل، وهي الصيغة
التي يمكن ترجمتها في 14 وزيرا للأغلبية، و 10 وزراء للمعارضة، و6 وزراء
لرئيس الجمهورية، وهذا ما جعل سعد الحريري زعيم تيار المستقبل، يصرح بعد
لقاءه الرئيس الفرنسي في مطعم لبناني في باريس قائلا إن:" مرشح سورية
للانتخابات في لبنان هو الفراغ وهذا سبب انقطاع اتصالات الرئيس ساركوزي
بسورية كما قال الرئيس أمام الصحافيين". مضيفا " نحن نبدي كل انفتاح،
فمصلحتنا الأولى أن يتم انتخاب الرئيس في لبنان، فلننتخبه ليقود الحوار بين
اللبنانيين وتكون هناك حكومة وحدة وطنية كما نص البيان العربي. ونحن نريد
المشاركة وأن يكون رئيس الجمهورية الحكم".
هل اتفق الأمريكان
والإيرانيون؟
بعض المراقبين يرجحون نجاح عمرو
موسى في مساعيه، والسبب ليس كفاءة الأمين العام للجامعة العربية، أو اقتناع
سورية بحل الأزمة التي ساهمت في صنعها، وإنما السبب كما يرجح المراقبون هو
ضرورة وصول الولايات المتحدة وإيران لتفاهم ما. خاصة بعد خروج الأوضاع في
باكستان عن السيطرة باغتيال زعيمة المعارضة بي نظير بوتو، وانفتاح أهم حلفاء
أمريكا على المجهول، وعلى الرغم من جولة الرئيس بوش في المنطقة، التي تتزامن
مع جولة عمرو موسى، وتصريحاته المتشددة ضد إيران، معتبرا إياها أكبر خطر في
المنطقة، وبالرغم من الاستعراض العسكري للقوارب السريعة الإيرانية في مواجهة
البوارج الأمريكية في خليج هرمز، والذي كاد يتحول إلى مواجهة مفتوحة، إلا أن
السعي نحو التفاهم مع إيران قد بدأ منذ أن أصدرت الأجهزة الاستخباراتية
الأمريكية تقريرها الشهير، الذي أكد أن إيران توقفت عن السعي إلى الوصول على
السلاح النووي منذ ثلاث سنوات، إي منذ انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسا لإيران،
ولم تكن لبنان إلا حلبة صغيرة يتلاكم عليها الإيرانيون والسوريون وحلفاؤهما
من جهة، ضد الولايات المتحدة وحلفاءها من جهة أخرى، ويقول المراقبون إن نجاح
عمرو موسى في مسعاه اللبناني سيكون دليلا على اقتراب الولايات المتحدة وإيران
من طي خلافهما. لذلك لن يكون عمرو موسى لوحده في لبنان، وغنما سيلحق به رئيس
وزراء قطر الشيخ حمد بن جاسم يوم السبت القادم، لضغط من أجل إنجاح المبادرة
العربية، وخاصة وان قناة الجزيرة رفضت لأول مرة إعادة بث شريط شاكر العبسي،
وهذا دليل آخر أن المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة، فهل ستكون نافذة عمرو موسى
المفتوحة دليلا على عودة العافية إلى لبنان ؟ أم أنها نافذة على الحرب
الأهلية؟