30/01/2008

الأزمة اللبنانية تدخل مرحلة الخطر
تقرير: عمر الكدي (إذاعة هولندا العالمية)

 

مواجهات في بيروت

دخلت الأزمة اللبنانية منعطفا جديداً وخطيراً، بعد أحداث الضاحية الجنوبية التي وقعت يوم الأحد الماضي، والتي أسفرت عن سقوط تسعة قتلى جميعهم من الطائفة الشيعية، التي تقطن الضاحية الجنوبية. وإذا كانت الأحداث قد بدأت كاحتجاج على انقطاع التيار الكهربائي عن الضاحية الجنوبية، فقد انتهت والجيش اللبناني قد أصبح لأول مرة طرفا في الأزمة الراهنة، بعدما نجح في البقاء كرمز للوحدة الوطنية للبلد منذ بداية الأزمة، وخاصة عندما تصدى لتنظيم فتح الإسلام الذي احتل مخيم نهر البارد قرب مدينة طرابلس.
 
حداد رسمي
 
حتى الآن تحاول كل الأطراف الخروج من عواقب أحداث يوم الأحد بأقل الخسائر الممكنة، فقد أعلنت الحكومة يوم أمس الاثنين يوم حداد رسمي، بينما فضل حزب الله وحركة أمل عدم تشييع القتلى في جنازة شعبية جماعية، خوفا من خروجها عن السيطرة وسط مشاعر الغضب والحزن. لكن ذلك لم يمنع من تبادل الاتهامات بين طرفي الأزمة، وتحميل بعضهما مسئولية ما حدث، حيث أعلنت قوى الأغلبية (14 آذار) في بيان أن: "قوى المحور السوري الإيراني مسؤولة عن تفجير الوضع وافتعال أحداث بالغة الخطورة بهدف إفشال المبادرة العربية لحل ألازمة بينما كان وزراء الخارجية العرب يناقشون الوضع اللبناني في القاهرة".
 
وأضاف البيان إن "المعارضة تحركت بأمر من المحور السوري الإيراني وتحت عناوين معيشية واقتصادية بينما تتحمل هذه المعارضة مسؤولية تردي الوضع الاقتصادي من خلال احتلالها وسط بيروت في اعتصام يدوم أكثر من عام شل الحركة الاقتصادية في قلب المدينة". في المقابل أصدر حزب الله بيانا حمل فيه الحكومة كامل المسئولية، مطالبا الجيش "الإعلان بوضوح عن هوية مطلقي النار على المتظاهرين الذين كانوا يطالبون بحقوقهم". وأضاف"في حال لم يكن الجيش هو من أطلق النار فمن قام بذلك إذاً؟ لذلك فان تجاهل الأمر وتغطية هذه الجريمة سوف يعتبر تخطياً لكل الحدود في استباحة دماء الأبرياء".
 
قائد الجيش قد لا يصبح الرئيس
 
بعد زيارة قائد الجيش العماد ميشيل سليمان لرئيس مجلس النواب نبيه بري، وتقديم التعازي له، أعلن أن "ما جرى مساء الأحد يستهدف الناس والجيش بالتوازي، ولكن التحقيق يجري بجدية وبسرعة لمعرفة المسئولين واتخاذ التدابير اللازمة بحقهم". وبغض النظر عن نتائج التحقيقات فإن ترشيح العماد سليمان لمنصب رئيس الجمهورية فقد منذ يوم الأحد الماضي الإجماع الذي كان يميزه، ومن المرجح أن تعود كل الأمور إلى نقطة الصفر التي انطلقت منها.
 
حتى الآن أوقف الجيش اللبناني 23 شخصاً رهن التحقيق من بينهم أشخاص كانوا فوق سطوح العمارات المجاورة، خاصة بعد أن ظهرت شائعات تفيد بأن قناصة أطلقوا النار على المحتجين، من فوق سطوح العمارات في المنطقة المسيحية، ولكن حتى الآن لم تؤكد هذه الشائعات، وفي محاولة محفوفة بالمخاطر شكل الجيش لجنة تحقيق برئاسة العميد أحمد قاسم مساعد مدير العمليات، ومن خلال هذا الاختيار يحاول الجيش ضمان تحقيق محايد وموضوعي، ولكن ما لا يستطيع الجيش تفاديه هو أنه تحول إلى طرف في التحقيق، ومن ثم إلى طرف في الأزمة خلافا لرغبته، وخاصة أن 15 حركة احتجاج وقعت منذ بداية الأزمة وبالرغم من تدخل الجيش لفرض النظام لم يحدث إطلاق النار على المحتجين من طرفه.
 
تشدد سوري
 
من جهته دعا وليد جنبلاط رئيس اللقاء الديمقراطي المعارضة للحوار، محذرا من استخدام الشارع في هذه الأزمة، أما حليفه سمير جعجع رئيس القوات اللبنانية فقد قال مدافعا عن الجيش "ماذا كانوا يفترضون أن يفعل الجيش اللبناني، هل يشاهد ويتركهم يقطعون الطرق ويشعلون إطارات ويحطمون سيارات الناس ومحالهم، والآخرون يدافعون عن أنفسهم وتشتعل حرب في البلد؟ الجيش اللبناني تصرف في شكل مشرف جداً وبكل مسؤولية، ولن أدخل في التفاصيل والتحقيقات ستظهر كل شيء، وربما لو لم يتصرف بهذه الطريقة لذهبت الأمور إلى ما لا تحمد عقباه". وبالرغم من دعوة وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي إلى "ضبط النفس"، إلا أن وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير عبر دون لبس عن تشاؤمه الشديد لما يجري في لبنان قائلاً "لا يوجد تقدم. في كل مرة توضع عراقيل جديدة. الأمر سلبي للغاية"، مضيفاً "نحن إلى جانب الجامعة العربية في سعيها للتوصل إلى حل".
 
في القاهرة منح وزراء الخارجية العرب عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية مزيدا من الوقت لاستئناف مهمته التي كان قد بدأها في لبنان، كما اتفقوا على أهمية انتخاب قائد الجيش ميشيل سليمان رئيسا للجمهورية، في جلسة البرلمان يوم 11 فبراير القادم، وتشكيل حكومة توافقية بالتزامن مع انتخاب رئيس الجمهورية. لكنهم لم يستطيعوا تحسين نص البيان الختامي لاجتماعهم بسبب تشدد وزير خارجية سورية وليد المعلم، الذي وصفته بعض المصادر بأنه "ظهر للجميع أنه كان يفاوض نيابة عن المعارضة اللبنانية"، وأنه كان يبحث عن نص لا يمكن رفضه في اجتماع وزراء الخارجية، ولكنه يتيح للمعارضة في الداخل التملص من إي اتفاق.
 
الحرب الأهلية بدأت من الشياح
 
تتراوح أعمار القتلى الذين سقطوا يوم الأحد الماضي بين 13 و 25 سنة، مما جعل رئيس الحكومة فؤاد السنيورة يصفهم بـ "صبية تم دفعهم لهذه العملية"، نافيا أن يكون انقطاع التيار الكهربائي هو سبب الاحتجاج، بالرغم من أن الضاحية الجنوبية تمر بتقنين للكهرباء يستمر 12 ساعة كل يوم، في حين لا ينقطع التيار الكهربائي عن بقية مناطق بيروت سوى 3 ساعات يومياً. لكن المكان الذي شهد الاحتجاجات العنيفة، وهو ساحة تقاطع كنيسة مار مخايل – الشياح، يذكر اللبنانيين بالمكان الذي انطلقت منه الرصاصات الأولى للحرب الأهلية عام 1975، بالرغم من أن اغلب الذين سقطوا يوم الأحد الماضي ولدوا بعد نهاية الحرب أو في سنواتها الأخيرة.
 
وتأتي هذه التطورات بعد أيام قليلة من اغتيال وسام عيد، وهو ضابط يحقق في التفجيرات والاغتيالات التي شهدها لبنان، والذي سعت الجهة التي وقفت وراء اغتياله لمنعه من التقدم في تحقيقاته، ولكن الحادثين يؤكدان أن الجيش اللبناني، وقوات الأمن أصبحا مستهدفين أكثر من أي وقت آخر، وأن حيادهما أصبح موضع شك، وإذا انقسم الجيش اللبناني الذي يجمع كل طوائف لبنان، فإن تفادي الحرب الأهلية يصبح أمرا شديد الصعوبة.
 
ربما بسبب كل هذه الصعوبات حذر عمرو موسى الذي فشل في جولته الأولى في بيروت ودمشق، في الوصول إلى نتائج إيجابية من الفشل في جولته القادمة، وخاصة في ما يخص انتخاب قائد الجيش لرئاسة الجمهورية، قائلاً "إذا حدثت مماطلة أو وضعت صعوبات سيكون هناك موقف آخر". وهو ما اعتبره عدد من المراقبين مجرد تمهيد للفشل.
 
عن موقع (إذاعة هولندا العالمية) - 29/01/2008
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com