قدرت المنظمة
الدولية للهجرة عدد الأفارقةالموجودين في ليبيا بحوالي 2
مليون نسمة، أي ما يعادل ربع سكان البلاد، حيث يبلغ عدد سكان
البلاد 8 ملايين نسمة، وتقدر المنظمة أن معظم الأفارقة جاءوا
من الدول الأفريقية جنوب الصحراء، وأن نصفهم يتطلع إلى
الهجرة إلى أوروبا، وخاصة بريطانيا، حيث يأملون ببناء حياة
جديدة هناك. وتقول المنظمة الدولية للهجرة في أحدث تقاريرها
أن عددا كبيرا من الأفارقة المقيمين في ليبيا، ينتظرون هدوء
البحر للسفر على متن قوارب غير آمنة، وفي رحلات غير شرعية
تحف بها الأخطار نحو السواحل الأوروبية، وتؤكد المنظمة أن
وجهة سفرهم ستكون باتجاه مالطا، وجزيرتي لامبيدوزا وصقلية
الإيطاليتين، ولكنهم لن يبقوا جميعا هناك، إذ سيتوجه حوالي
80 % منهم نحو فرنسا وبريطانيا، ومن الواضح أن اللغة تلعب
دورا كبيرا في هذا الاختيار، إذ يتحدث معظم الأفارقة جنوب
الصحراء إحدى اللغتين، وثمة من يتحدث اللغتين مثل معظم سكان
الكاميرون.
المهاجرون والأيديولوجيا
ومنذ منتصف
التسعينات اختار الأفارقة ليبيا كرأس جسر نحو السواحل
الأوروبية، بسبب سماح السلطات الليبية لهم بدخول البلاد دون
أي إجراءات تذكر، حيث لا تطالبهم بالحصول على تأشيرة دخول،
أو الحصول على عمل قبل الوصول إلى البلاد، وذلك تمشيا مع
سياسة العقيد القذافي الرامية إلى تمتين الإتحاد الإفريقي،
الذي شهد النور في مدينة سرت الليبية، ولأن معظم الدول
الإفريقية وقفت إلى جانب ليبيا في أزمتها مع الغرب بسبب
حادثة لوكربي، وبالرغم من حدوث مصادمات دموية في عام 2001،
بين المواطنين الليبيين والمهاجرين الأفارقة في غرب ليبيا،
وخاصة في مدينة الزاوية، انتهت بمقتل عدد من الأفارقة،
وتدخلت عدة دول لإعادة رعاياها من ليبيا، إلا أن عدد
الأفارقة تزايد بسبب إمكانية الهجرة من ليبيا إلى أوروبا.
بعضعهم يفضل الافارقة
لا يرحب معظم
الليبيين بالأفارقة بينهم، وإن رحب أصحاب المشاريع الصغيرة
بوجودهم، مثل أصحاب المزارع، الورش، والمخابز باعتبارهم أيدي
عاملة رخيصة، وأيضا بسبب القوانين التي طبقت في البلاد منذ
عام 1978 في إطار التطبيقات الاشتراكية، والتي صودر بموجبها
كل المشاريع الخاصة الكبيرة، وسمح فقط للمشاريع الصغيرة
بالعمل، مع خضوعها لقانون "شركاء لا أجراء"، وهو قانون يجيز
لأي ليبي أن يكون شريكا لصاحب العمل، ولا يكتفي فقط بأجره
الشهري، مما جعل أصحاب المشاريع يفضلون استخدام الأيدي
العاملة الأجنبية على الليبية.
بالرغم من أن
الدولة الليبية تقدر نسبة البطالة في ليبيا بأكثر من 10 %،
إلا أنه تقدير غير دقيق لأنه يغفل التطرق إلى الجوانب
السلبية لهذا القانون، الذي كان دائما فوق النقد، باعتباره
أحد مقولات الكتاب الأخضر، وعادة لا تقبل الدولة الشمولية
نقد شعاراتها الأيديولوجية، وحتى عندما بدأت السلطات التراخي
في تطبيق هذا القانون، لا يزال أصحاب الأعمال يفضلون العامل
الأجنبي بسبب انخفاض أجره.
مهاجرون لكل المهن
يعمل الأفارقة في
ليبيا في عدد كبير من المهن، بما في ذلك المهن التي يترفع
الليبيون على القيام بها، مثل النظافة، وغسيل السيارات،
وتلميع الأحذية، ومع أن معظمهم جاء إلى ليبيا من أجل تحين
الفرص لمواصلة السفر إلى أوروبا، إلا أن بعضهم تمكن من جمع
ثروة كبيرة نسبيا في ليبيا، ولم يعد يفكر في أوروبا، وتأتي
الثروة الكبيرة عادة من تقطير الخمور المحظورة رسميا في
ليبيا، وأيضا من الاتجار في المخدرات والدعارة، كما مارس عدد
منهم النصب عن طريق الشعوذة، وخاصة القادمين من نيجيريا.
لذلك ينظر بعض الليبيين إلى الوافدين الذين يرحب بهم العقيد
القذافي، باعتبارهم مصدرا لنشر الجريمة ومرض الإيدز في
البلاد، وهو تقريبا ما يقوله بعض الأوروبيين أيضا عن كل
المهاجرين بما في ذلك الأفارقة.
ويبدو أن ليبيا
قررت الاستجابة مؤخرا لمطالب الإتحاد الأوروبي بتشديد
الرقابة على المهاجرين غير الشرعيين، المنطلقين نحو السواحل
الأوروبية من ليبيا، حيث قررت السلطات الليبية فرض التأشيرة،
وعدم السماح لأي أجنبي بدخول البلاد ما لم يكن معه ألف دولار
أو ما يعادلها، كما اشترطت عليهم الحصول على عقد عمل من أجل
البقاء في البلاد، ولكن لا تزال هذه الإجراءات غير فعالة
بسبب تحول الهجرة غير الشرعية إلى دجاجة تبيض ذهبا، وخاصة
لأصحاب القوارب من صيادي السمك، الذين يحصلون وفقا لتقديرات
المنظمة الدولية للهجرة على ألف جنية إسترليني على كل مهاجر،
ويتم نقل المهاجرين بمعدل 30 شخصا في كل قارب صغير، في رحلات
خطرة عادة ما تنتهي في قاع المتوسط، أو بالتعلق بالشباك صيد
التونة الضخمة، أما من يصل منهم إلى اليابسة فقد أصبح يشكل
عبءً على سكان جزر المتوسط، مثل جزيرة مالطا التي خصصت نصف
موازنتها العسكرية لمواجهة ما تعتبره خطرا على وجودها.
أوروبا أو الجنة!
ليس الأفارقة هم
وحدهم الذين ينطلقون من السواحل الليبية، وإنما مواطنو الدول
العربية الأخرى، وخاصة المصريين الذين غرق العديد منهم من
أجل الوصول إلى أرض "الحليب والعسل"، حتى أن مفتي مصر أفتى
بأنهم غير "شهداء"، في محاولة لمنعهم من الوصول حتى إلى
الجنة، وقد ظهرت مجموعة من المنظمات السرية التي تتكسب من
هؤلاء البؤساء، حتى أنه يتم تنظيم تدريبات على السباحة من
أجل إقناع الراغبين في الهجرة بأنهم سيصلون إلى شواطئ
السلامة بأمان، وتعتبر مدينة زوارة في أقصى غرب ليبيا،
والمعروفة بكونها مرفأ لصيادي السمك من أهم مراكز انطلاق
قوارب تهريب المهاجرين، وبعد أن مارست السلطات الليبية رقابة
مشددة على هذه المدينة يرجح أن يختار المهربون مكانا آخر،
كما أن رجال الشرطة، وخفر السواحل لا يترددون في التكسب هم
أيضا من هذا المورد الذي انفتح على البلاد فجأة، لكونها تملك
أطول ساحل على البحر المتوسط.