هدد العقيد معمر
القذافي في مؤتمر صحافي عقد يوم أمس الثلاثاء في طرابلس،
بالتخلي عن إفريقيا، والتوجه إلى "الفضاء المتوسطي" العربي
أو الأوروبي، وذلك في حالة فشل مؤتمر القمة الإفريقية المزمع
عقده في أديس أبابا بين الأول والثالث من شهر فبراير القادم،
في الإعلان عن تشكيل حكومة إفريقية.
وقال القذافي في
مؤتمره الصحافي "إن قمة أديس أبابا الأفريقية القادمة ستكون
حاسمة فهي إما أن تضع نهاية للمماطلة والتسويف وتضييع الوقت
على وحدة أفريقيا أو أن تبين أن هناك مؤامرة تضع فيتو على
وحدة أفريقيا لبيع القارة في المزاد العلني وتقاسمها بين
القوى العالمية والتفريط في مستقبلها ومستقبل أبنائها."
وأضاف قائلاً "إذا ما تمت دحرجة حكومة الاتحاد، أو توسيع
المجلس التنفيذي، أو اتخاذ قرارات حاسمة بشأن الاتحاد، ووحدة
أفريقيا كما حدث في السابق فإن هذا يعني وجود قوى متربصة بنا
مهمتها بيع أفريقيا والتفريط في مستقبلها."
خلافات وراء الكواليس
بالرغم من وجود
خلافات مستمرة بين القذافي من جهة، ورئيس جنوب إفريقيا تامبو
امبيكي، وأيضا رئيس نيجيريا حول حدود الدور الليبي قي
إفريقيا، إلا أنه من السابق للأوان القول أن القذافي جاد في
تهديداته، فقد سبق أن دعا إلى قيام وحدة إفريقية بين دول
شمال إفريقيا وبعض دول وسط وغرب القارة، ودول تجمع الساحل
والصحراء. كما دعا حلفاءه في بوركينا فاسو، غانا، السنغال،
وغامبيا، للوحدة، على أن تلحق دول شرق وجنوب القارة في ما
بعد. وكانت جنوب إفريقيا التي تؤثر بقوة على دول الجنوب،
ونيجيريا التي تؤثر بقوة على دول غرب القارة، تضع العراقيل
أمام القائد الليبي وطموحه في توحيد إفريقيا، لأنهم يشكون في
الأهداف الحقيقية التي يتحرك من أجلها القذافي. لذلك أشار
القذافي في مؤتمره الصحافي الأخير قائلاً "إن الذين يقولون
لماذا ليبيا متحمسة للوحدة الإفريقية أو لماذا القذافي يريد
الوحدة الأفريقية بهذه القوة.. أقول لهم إن هذا من أجل
أفريقيا وليس من أجل ليبيا فقط. ليبيا ستتحقق سيادتها
ومصلحتها بوحدة أفريقيا.. بوجود سيادة أفريقية مصونة بدفاع
أفريقي واحد وبقوة اقتصادية إفريقية واحدة وبسوق إفريقي
واحد."
لكل مرحلة أزياؤها
يذكرنا العقيد
القذافي بنفس التصريحات التي أطلقها وهو يهدد بترك الجامعة
العربية، وذلك بعد أن وافقت كل الدول العربية على قرار مجلس
الأمن بفرض عقوبات على ليبيا بسبب قضية لوكربي، وعندها فكر
القذافي في الاستعانة بالأفارقة لخرق الحظر الجوي المفروض
على ليبيا. وتمكن من الحصول على قرار برفض الحظر من مؤتمر
منظمة الوحدة الإفريقية الذي انعقد في واغادوغو ببركينا
فاسو، ومنذ ذلك الوقت بدأ القذافي في حالة هوس بالوحدة
الإفريقية، مثلما كان مهووسا بالوحدة العربية الشاملة
والاندماجية، ويبدو أنه مل أخيرا من هذه الوحدة، أو أن
معارضيه الأفارقة لم يتركوا له مجالا للتحرك كما يريد.
قوقعة السلحفاة
خلال مرحلة الهوس
بإفريقيا غير القذافي كل شيء. اختفت خريطة الوطن العربي من
خيمته وحلت محلها خريطة إفريقيا. تغير اسم إذاعة صوت الوطن
العربي الكبير التي تبث من طرابلس لتصبح "صوت إفريقيا".
فـُتحت أقسام جديدة في كليات اللغة في الجامعات الليبية
لتدريس لغات الهوسا والسواحيلي والافريكاني. زهد القذافي في
كل أزيائه القديمة، وارتدى أزياء إفريقية بألوان فاقعة، وإذا
ارتدى بذلة عادية يضع خريطة إفريقيا على الجانب الأيمن من
السترة، وأحيانا كما ظهر في المؤتمر الصحافي يوم أمس
الثلاثاء، يرتدي بذلة عليها صور نكروما ومانديلا وعبد
الناصر، بينما وضع على رأسه قبعة تشبه قبعة الطيارين وعليها
خريطة إفريقيا.
يقول بعض
المتابعين إن القذافي يبدو مثل سلحفاة تكسرت قوقعتها، وفي كل
مرة يحتاج إلى قوقعة جديدة تكفي ليعبر بها شوطا في طريقه
الطويل، منذ أن وصل إلى السلطة قبل 39 سنة تقريبا.
إظهار الخلافات
المعروفة سلفا بين القذافي ومن أسماهم "بدول إفريقية كبرى"
إلى العلن، وتهديده بالتوجه إلى أوروبا أو "الفضاء المتوسطي"
يعني أن القذافي سئم هذه اللعبة المكلفة، خاصة بعد عودته من
زيارة البرتغال، فرنسا، وأسبانيا. لكن الأهم من ذلك أن أسباب
اللجوء إلى إفريقيا لم تعد قائمة، فقد تم الاستعانة بالقوقعة
الإفريقية عندما كان القذافي يعتقد أن الأمريكان والأوروبيين
لن يهنأ لهم بال حتى يسقطوه من السلطة، ولكن المساعي التي
انتهت بحل كل القضايا الخلافية مع الغرب جعلت القذافي يفكر
في قوقعة جديدة.
الخروج من القبر!
وثمة من يرجح أن
هذه الغضبة هي آخر سهم في جعبة القذافي، بعد أن استنفذ كل
الأسهم الأخرى في القمم المصغرة التي جمعته مع الرؤساء
الأفارقة في بوركينا فاسو الأسبوع الماضي، وأيضا القمة التي
جمعته يوم الاثنين الماضي في ليبيا مع رؤساء، مصر، السودان،
تشاد، موريتانيا، ارتريا، الجابون، والسنغال، والتي لم تنجح
على ما يبدو في تجسير الفجوة بين القذافي ومعارضيه، خاصة وأن
ليبيا تضغط بشدة من أجل اختيار الدكتور علي عبد السلام
التريكي، وزير الوحدة الإفريقية السابق، والمكلف بالملف
الإفريقي في وزارة الخارجية في منصب رئيس مفوضية الإتحاد
الإفريقي، خلفا للمالي ألفا عمر كوناري. لذلك قال القذافي في
مؤتمره الصحافي بصراحة جارحة إن "هذا المنصب حرم منه العرب
منذ أربعين سنة رغم أن العرب الأفارقة يساهمون بـ60% من
ميزانية الاتحاد الأفريقي."
بالإضافة إلى منصب
رئيس المفوضية يريد القذافي من الأفارقة اختيار حكومة
إفريقية، على أن تشمل وزيرا للدفاع، وآخر للخارجية، وثالثاً
للتجارة الخارجية. وهدد بعدم الاعتراف بأي حكومة يتم تشكيلها
في قمة أديس أبابا لا تشتمل على الوزارات الثلاث التي سبق
ذكرها.
هل انتهى شهر
العسل بين القذافي وإفريقيا؟ أم أن ما حدث هو ملح الحياة
المشتركة؟ من الصعب تقدير ذلك الآن، ولكن هناك بوادر تشير
إلى أن الخلاف أبعد من أن يـُحتوى، خاصة وأن السلطات الليبية
لم تتراجع عن قرارها بترحيل قرابة مليوني إفريقي يعيشون بها
بدون أوراق رسمية، وخاصة وأن القذافي لأول مرة يتطرق إلى
المساهمة المالية الليبية في القارة السوداء، بطريقة لا تخلو
من إظهار المنّ قائلا:
"إذا فرطت أفريقيا بمستقبلها فنحن لدينا بدائل إستراتيجية
جاهزة، ولكن هذه البلدان ستموت ولن تكون لديها إمكانية
الخروج من القبر." وأضاف "لو أننا نستثمر 5 مليارات أو 10
مليارات في البحر المتوسط نكون أكبر دولة مؤثرة في البحر
المتوسط أو في البلاد العربية أو في أوروبا."
الأوروبية المحجبة !
قدر القذافي في
مؤتمره قيمة الاستثمارات الليبية في إفريقيا بحوالي 4
مليارات دولار، وهدد بسحبها على الفور إذا لم تتبن القمة
الإفريقية القادمة مقترحاته. وهذا يعني إذا تحقق التهديد
توقف ليبيا عن دورها النشط في إفريقيا، وتوقع نصب خيمة
القذافي على ضفاف الأنهر والبحيرات الأوروبية، متخليا عن
أزيائه الإفريقية، ومروجا لفكرة ساركوزي عن المشروع
المتوسطي. كل ما في الأمر أن إذاعة صوت إفريقيا ستصبح إذاعة
البحر المتوسط، كما ستظهر على بدلات القذافي الجديدة التي
ستشبه بدلات ساركوزي وبرلسكوني، خريطة لحوض المتوسط بما في
ذلك إسرائيل يغلب عليها اللون الأزرق. خاصة وأن القذافي أكد:
"أننا لسنا خائفين
من الاندماج مع أوروبا ومع البحر المتوسط، بل هم الذين يجب
أن يخافوا منا نحن الذين عندنا المعتقدات والأديان والثقافة
والذين غيرنا العالم." وتساءل "لماذا هم لا يخافون مثلا من
أن يعجب الألماني بديننا وثقافتنا ومن أن تتحجب المرأة
الفرنسية وأن تكون مثل المرأة المسلمة ومثل المرأة العربية."